رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ انطلاق ثورات الربيع العربي، والتي بدأت رحلتها الثائرة من تونس مرورا بمصر وليبيا واليمن وسوريا، وتدخل الآن الربع الأخير من عامها الثاني، ورغم أن كلاً من تونس ومصر وليبيا قد نجحت في تكوين حكوماتها الجديدة المنتخبة، واليمن التي لا تزال في طور حكومتها الانتقالية، فإن موجات التظاهرات والاحتجاجات مستمرة، ولا يزال الشعب السوري يناضل من أجل الحرية.
لقد نجحت غالبية دول الربيع العربي في إسقاط أنظمتها الاستبدادية الحاكمة واستئصال قياداتها الخبيثة من أجساد أوطانها التي بدأت يدب في أوصالها رويدا رويدا شيء من العافية، ولكن بدلا من أمطار السلام والاستقرار اللذين كانا من المفترض أن يسودا الأجواء الاجتماعية لتلك الدول، ظهر تزايد الحسد والحقد والكراهية والسب والشتم وعدم التقدير والاحترام بين أفراد المجتمع، لمجرد اختلافات طبيعية في وجهات النظر السياسية أو الاجتماعية، أو حتى لتباينات في الآراء الفكرية أو الدينية. وقد يعود أحد أسباب هذه التجاوزات السلوكية إلى حقيقة أن ثورات الربيع العربي قد كسرت حاجز الخوف القديم البالي، والذي ولى إلى غير رجعة بذهاب سلطة الحاكم المستبد التي كانت ترهب الشعب وتتفنن في ترهيبه من خلال أجهزتها الأمنية القمعية، وقد استغرقت تلك الشعوب في نومها المتوجس وحينما استفاقت مع فجر الثورات لم تجد سلطة بديلة، حيث إن ثورات الربيع العربي لم تعرف قائدا فردا أو قيادة جماعية، فلقد كان الشعب هو القائد الأوحد، فجأة، أتيح لتلك الشعوب العربية هامشا كبيرا من الحرية للتعبير عن غضبهم وسخطهم، تستطيع أن تقول فيه ما تشاء وتفعل ما تشاء وتعبر فيه عما تشاء من آراء، دون خوف أو وجل من سجن أو تشريد أو ربما حتى اغتيالات من قبل قوات أمن الأنظمة الحاكمة.
وبذهاب تلك الأنظمة السابقة إلى مزبلة التاريخ، حدث فراغ في المجتمع بسبب عدم صياغة دستور جديد يواكب منحى الحياة السياسية الجديدة التي بناها الشعب على آمال الحرية والتطلع نحو الديمقراطية، وبما أن عملية بلورة دستور جديد ستأخذ وقتاً حتى يتم تعزيز فرض سيادة وحكم القانون، فإنه سيكون من الصعوبة إخضاع شعوب تلك الدول إلى القوانين القديمة، باعتبار أنهم يرون أن مجرد خضوعهم لها يعتبر عودة عن الديمقراطية إلى عهود الأنظمة الاستبدادية. ومع ذلك، فإن هذه الحرية الجديدة التي حصلت عليها تلك الشعوب مقابل تضحيات جسام وثمن غالٍ، قد أتاحت الفرصة لبعض الجماعات التي لديها أجندات خاصة بها للاستفادة من أجواء فوضى ما بعد الثورات، وتجيير هذا الوضع الاستثنائي الممنهج لمصلحتهم الخاصة، ولهذا السبب فإننا وللأسف الشديد ما زلنا نشهد التناحر الطائفي أو الفئوي الذي لن يؤدي سوى لخلق المزيد من الفوضى التي حتما ستهدد استقرار دول الربيع العربي، ولا ننسى الأدوار التي لعبها عدد من وسائل الإعلام في تعميق حدة الشقاق في المجتمع.
كما أن هناك سببا آخر للفوضى الخلاقة التي حدثت في أعقاب الربيع العربي، وهو أن كل فئة من الناس لديها تصور مختلف لمعنى الحرية، ظن الكثيرون أن هذه الحرية إنما هي أحد صكوك الغفران التي تسمح لهم بأن يفعلوا ما يشاءون دون التفكير في العواقب، ناسين أو متناسين أن الحرية الكبرى لا تأتي إلا مترافقة مع مسؤولية أكبر، كما أن المسؤولية مبدأ وشرط للحرية.
كذلك فإننا نجد أن غالبية قيادات ثورات الربيع العربي هم من شريحة الشباب الذين تشبعوا بمبادئ وأفكار حديثة وضعتهم في موقف تحد واضح لكل ما هو قديم، وتمردوا على كل ما يمكن أن يندرج في سياق الإطار التقليدي القديم، فالمثل والقيم الأخلاقية العربية والإسلامية التي كانت تستحوذ في السابق على كامل التقدير والاحترام، أصبحت مفقودة الآن وضاعت في خضم تناقضات ثورات الربيع العربي. ولكن يجب أن يعي الجميع حقيقة أن القيام بثورات تستهدف الإطاحة بالنظم السياسية القديمة، لا يعني إطلاقا أن نلقي جانبا بقيمنا الأخلاقية التي نشأنا عليها ونشأ عليها آباؤنا وأجدادنا، فلربما ينسى الناس حقيقة أنه من دون هذه القيم العربية والإسلامية، تنهار الأسس والدعائم القوية لأي دولة، لأن هذه القيم الفاضلة هي التي تجعل خيوط النسيج الاجتماعي أكثر تماسكا، وتقوم بشحذ همم الشعوب وتوجيهها معنويا نحو آفاق المستقبل تحقيقا لغاياته وأهدافه العليا.
فخلال حقبة الثورة الفرنسية، كانت قيم الحرية والمساواة والإخاء، هي الأسس القوية التي بني عليها الدستور الفرنسي الثوري، وقد قامت الثورة الفرنسية بتحرير الشعب من شباك النمط القديم الذي كان يقيدهم، وأصبحت هذه القيم هي النمط الجديد الذي ظل ينتهجه المجتمع الثوري الفرنسي ويسير بموجبه، وهي الضمانات الحقيقية لحرية المواطنين في فرنسا ومن انتهج نهجها، ويذكر الفيلسوف جان جاك روسو في كتابه الشهير (العقد الاجتماعي): "يولد الإنسان حرا ولكننا نجده مكبلا بالأغلال أينما كان"، مما يشير إلى أن دستور الدولة هو خير مثال على العقد الذي يلزم كافة أفراد المجتمع على العمل به.
كذلك يتضمن إعلان الاستقلال الأمريكي واحدة من أكثر الجمل تأثيرا في ثقافة العالم وحقوق الإنسان، وهي أنه "لا يجوز لأي شخص أن يؤذي شخصا آخر في حياته أو صحته أو حريته أو حقه في التملك"، وأن "كل البشر سواء في الحرية والاستقلال، ولهم حقوق فطرية لا يمكن لأحد أن يحرم الأجيال القادمة، أو يجردهم منها لحظة دخولهم إلى المجتمع"، وأن "كل البشر خلقوا متساوين، وأن خالقهم وهبهم حقوقا معينة، غير قابلة للانتزاع، منها الحرية والحياة والحق في السعي لتحقيق السعادة"، لتصبح هذه العبارة الأخيرة إحدى أكثر العبارات التي اعتمد عليها، ليس فقط الدستور الأمريكي فيما بعد، ولكن مواثيق حقوق الإنسان في العالم، وبالإضافة إلى ذلك، فإن إحدى أهم القيم الأساسية في الدستور الأمريكي، بجانب القيم الأخرى السابق ذكرها، كالحق في الحرية والحياة والحق في السعي لتحقيق السعادة، هي قيمة "الصالح العام"، الأمر الذي يتطلب من كافة أفراد المجتمع الالتزام التام بمراعاة مصلحة المجتمع قبل المصلحة الذاتية للفرد. وبالتالي يجب أن يمثل دستور أي دولة القيم التي تعتز وتفخر بها، فالفوضى التي جاءت مع الربيع العربي مثلت خرقا بينا لقيم معترف بها من قبل كافة الشعوب العربية، مثل احترام الآداب العامة، وتمكن رؤية مثال واضح لمدى انهيار قيم المجتمع العربي من خلال الإعلام في بعض دول الربيع العربي.
نحن بحاجة للحفاظ على القيم الأخلاقية العربية والإسلامية، وهذا هو ما ينبغي التأكيد والتركيز عليه في الدساتير الجديدة التي تتم صياغتها حاليا لدول الربيع العربي، ويجب ألا تقتصر صياغة هذه الدساتير الجديدة فقط على تضمين قيم الحرية والعدالة والكرامة التي جاءت بها ثورات الربيع العربي، بل ينبغي لها أن تشمل أيضا قيما أخلاقية عربية، يمكن أن تواجه بها هذه الدول التحديات الجديدة والأخطار المحدقة بمستقبل العالم العربي.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4800
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
801
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2514
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4314
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
2874
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1182
| 28 سبتمبر 2026