رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مرت الآن ثلاثة أشهر تقريبًا على مقتل جورج فلويد. وأستطيع أن أتذكر مشاعري بوضوح عندما أطلعني صديق مقيم في الدوحة على مقطع الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع على هاتفه المحمول، حيث شعرت وقتها بالاشمئزاز، والغضب، والحزن، والشعور القوي بالتضامن العابر للحدود. وعلى كلٍ، عندما شاهدت هذه اللقطات، كانت حركة "حياة السود مهمة" تكتسب زخمًا على الصعيد العالمي، بما في ذلك هنا في دولة قطر، حيث أدرس.
وبصفتي أمريكيًا من أصول أفريقية، شعرت في البداية أيضًا بشيء من الانزعاج بسبب ارتكاب هذا العمل البغيض في بلدي. ومع ذلك، سرعان ما أدركت أن السبب الوحيد وراء علم أي منا بجريمة القتل هو أن العنصرية مشكلة قائمة في الولايات المتحدة الأمريكية، وتلقى إدانةً شديدة أينما ظهرت. وللأسف، لا يمكن قول الشيء نفسه عن الدول الأخرى، حيث يكون التحيز حقيقة من حقائق الحياة، وكثيرًا ما يمر دون اعتراض.
العنصرية ليست حكرا على الولايات المتحدة الأمريكية
رغم أن إدانة العنصرية بجميع أشكالها يجب أن تكون أمرًا مفروغًا منه، إلا أنني أشعر أنه ليس من المفيد انتقاد أمريكا مع التزام الصمت بشأن التمييز الموجود في مجتمعاتٍ أخرى. فالعنصرية مشكلة عالمية، يتعزز استمرارها عبر إضفاء الطابع المثالي على أصحاب البشرة البيضاء واعتبارهم متفوقين إلى حد ما، سواء في صناعة السينما أو على طاولة مستحضرات التجميل. وإذا كانت العنصرية في الولايات المتحدة تبدو أكثر إثارة للقلق، فذلك بسبب الاهتمام العام الذي تحظى به. وكثيرًا ما يُنظر إلى الولايات المتحدة، على نحوٍ صائبٍ أو غير صائبٍ، على أنها "قائدة العالم الحر"، لذا تميل قضاياها إلى أن تكون في قلب النقاشات العالمية.
العنصرية والتمييز ليسا متجانسين
في بعض الأماكن، يكون التمييز العرقي باعتباره شكلًا من أشكال الانقسام أقل وضوحًا من التمييز على أساس الانتماءات الدينية أو القبلية أو الوطنية. وبصفتي أميركيًا أسودًا مقيمًا في الدوحة، أشعر بالتمييز على أساس لون بشرتي بشكل أقل من شعوري بالتميز بفضل امتلاكي لجواز سفر أمريكي. ورغم أن لون البشرة هو السمة الأكثر تميزًا التي لا يمكن إخفاءها بسهولة، بالطريقة التي يمكنك بها إخفاء دينك أو تراثك، لا ينبغي الإشادة ببعض البلدان مقارنةً بغيرها لتسامحها في التعامل مع هذه النقطة. وتعمل العنصرية في ظل مجموعة كاملة من الطبقات الاجتماعية، وهو ما يجعلها متغيرةً بشكل فريد في كل مجتمع.
وعند تحليل ظاهرة العنصرية في الولايات المتحدة، يتعين على المرء النظر بعين الاعتبار أيضًا إلى أن الرأسمالية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بغياب المساواة الاجتماعية. فقد كانت عملية الخصخصة في أمريكا مدفوعة باستغلال العبيد، ثم العمل في السجون، وهو ما يمنح عنصرية الولايات المتحدة عنصرًا تاريخيًا استغلاليًا لا يزال لديه القدرة على إكراه وإدانة الأشخاص الموجودين على الطرف المتلقي من أجل تحقيق المصالح الاقتصادية السائدة.
ومع ذلك، كما أن للعنصرية تاريخًا طويلاً ومخزيًا في الولايات المتحدة، فإن حركة الحقوق المدنية هي الأخرى تتمتع بتاريخ حافل يدعو للفخر. وكان أحد الجوانب الحاسمة لنجاح هذه الحركة يكمن في توظيفها لوسائل الإعلام. فقد ساعدت سياسات مثل العمل الإيجابي على توفير فرصة متكافئة للفئات المحرومة، رغم أن هذا التقدم قد تضاءل في السنوات الأخيرة بسبب الانقسام الذي حدث في عهد ترامب، والذي يضخّمه العدد المتزايد من حوادث القمع والوحشية على أيدي أجهزة الشرطة الأمريكية.
دور الدولة
أجهزة إنفاذ القانون ليست محايدة بشكل تلقائي، ويمكن أن تتعرض للتضليل في كثير من الأحيان عن طريق الممارسات القضائية القائمة على التحيز العنصري. ورغم أن السود يمثلون 12٪ فقط من سكان الولايات المتحدة، فإنهم يشكلون 33٪ من نزلاء المؤسسات الإصلاحية.
ومنذ مقتل جورج فلويد بشكلٍ غير قانوني، كانت هناك دعوات واسعة النطاق للامتناع عن تمويل أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة أو حتى حلها. وقد تبدو هذه الاقتراحات غريبة بالنسبة للكثيرين ممن ينظرون إلى مسؤولي إنفاذ القانون على أنهم مصدر للأمن. ولكن من الواضح أن هناك حاجة إلى إحداث تغيير ملموس للكثيرين في مجتمع الأمريكيين السود، الذين كانت تجربتهم مع نظام العدالة يعرضهم لتهديدات فقط على الدوام. وتمتلك أجهزة الشرطة في الولايات المتحدة تاريخًا طويلاً من اضطهاد السود، بداية من تجريم الجنح الصغيرة إلى تخريب ممتلكات المجموعات الحقوقية لتمكين السود. وقد زادت المطالب الداعية إلى التغيير بسبب عدم تعرض موظفي أجهزة إنفاذ القانون للمساءلة عن الأعمال غير القانونية التي يرتكبونها.
فكيف يمكن فصل ضابط شرطة لسوء السلوك، ثم السماح له بالانتقال إلى منطقة مختلفة والانضمام إلى أجهزة الشرطة هناك؟
ويجب أن يستلزم الإصلاح الهادف، إذا اقتضت الحاجة إليه، إعادة توجيه التمويل بعيدًا عن أجهزة الشرطة وتخصيصها للأجهزة الحكومية الأخرى، حيث تؤدي أجهزة الشرطة حاليًا مهامًا لا تناسبها. ويمكن لهذا الإجراء القائم على التحول إلى تمويل الأجهزة الاجتماعية أن يساعد بالفعل في تحسين العوامل المساهمة في انتشار الجريمة، ومنع إنفاق الميزانيات على الأسلحة الهجومية العسكرية التي يستخدمها موظفو الحماية والخدمة.
وبدون شك، تتميز المشاكل العرقية في الولايات المتحدة بأنها عميقة ومزعجة. ومع ذلك، أدت موجة الغضب العارمة التي اندلعت في الشوارع الأمريكية خلال صيف العام الحالي أيضًا إلى ظهور تضامن عابر للحدود، حيث سعت مجتمعات أخرى إلى مواجهة مشاكلها المتعلقة بالعنصرية.
فعلى سبيل المثال، تسبب مقتل فلويد في عودة الكينيين لمناقشة قضية وحشية الشرطة ضد النشطاء. وأتاحت هذه الواقعة البغيضة أيضًا فرصة للتوعية بالانتهاكات العنصرية التي تتعرض لها المجتمعات المستهدفة الأخرى في جميع أنحاء العالم، مثل الأويغور، والفلسطينيين، والداليت، والروهينجا، وغيرهم.
تبسيط القضية
استضافت جامعة حمد بن خليفة مؤخرًا حلقة نقاشية حول العنصرية والتمييز في منطقة الخليج، حيث سلط المتحدثان أبرار الشمري وحنان عبد الرحمن الضوء على أهمية العمل على التصدي للعنصرية والتمييز. وفي بعض الأحيان، يكون لدينا طموحات زائدة في السعي للقضاء على العنصرية عبر البدء في مكافحة هذه الظاهرة على المستوى المؤسسي، في حين أننا في الواقع نحصل على المزيد من القوة التفسيرية لأسباب انتشار هذه الظاهرة عبر المشاركة في جهود مكافحة هذه الظاهرة في أوساطنا.
ومن السهل مواجهة عدو مجهول الهوية أو منفصل، لكن التحدي والأسلوب الأكثر فاعلية يتمثل في الدخول في المحادثات الصعبة مع الأصدقاء والعائلة والمقربين حول أسباب حدوث هذه الظاهرة. وفي النهاية، إذا كان المجتمع متحدًا، تكون احتمالات التغيير أكبر. وفي ظل عصر العولمة الذي نعايشه اليوم، يمكن أن يمزج المجتمع بين القيم المحلية والعالمية.
تحية واجبة
توفي الناشط الحقوقي جون لويس الشهر الماضي، حيث كان آخر عضو على قيد الحياة ضمن مجموعة "الستة الكبار"، الذين كرسوا حياتهم للدعوة من أجل المساواة العرقية في الولايات المتحدة، وأدرك قيمة تحفيز المجتمع قبل نشر الرسالة على نطاق واسع.
ومن السهل أن نتخيل أن عملهم قد انتهى بمجرد تحول قانون الحقوق المدنية (1964) وقانون حقوق التصويت (1965) وقانون الإسكان العادل (1968) إلى قوانين، ولكن هذا التصور منافٍ للحقيقة تمامًا. لقد أدرك هؤلاء النشطاء الحقوقيون الدؤوبون أنه لا يمكن ضمان التقدم إلا إذا تم الحفاظ عليه والاعتزاز به. وتذكرنا وفاة جورج فلويد وجون لويس بأن النضال لا نهاية له، لأن العنصرية لا تعرف حدودًا.
* أمين عمر طالب في برنامج ماجستير الآداب في الدراسات الإسلامية بكلية الدراسات الإسلامية في جامعة حمد بن خليفة، وهو حاصل على شهادتين في التاريخ من جامعة جورج واشنطن (2019) وجامعة جورج ماسون (2015).
أسئلة صغيرة عن رجل كبير
ماذا يُقال عن الرجال العظماء؟ لا يكفي ذكر صفاتهم ومحاسنهم وإنجازاتهم.. عظمة الرجال تأتي من الأثر الذي يخلفونه... اقرأ المزيد
18
| 15 يوليو 2026
وداعاً مؤسس قطر الحديثة
بقلوب يعتصرها الحزن نودّع من أجمع كل من يعيش على هذه الأرض الطيبة من مواطنين ومقيمين على محبته... اقرأ المزيد
27
| 15 يوليو 2026
عبقرية القيادة وشجاعة التغيير قراءة في سيرة الأمير الوالد رحمه الله
رحيل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ليس مجرد مناسبة لاستذكار سيرة قائد حكم دولةً لمدة... اقرأ المزيد
30
| 15 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في رحيل الرجال العظام لا تُطوى صفحة من تاريخ البشرية، بل يُفتح فصلٌ جديد في ذاكرة الأمم. وحين يترجل قائد بحجم الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، طيب الله ثراه، فإن الحديث لا يكون عن سيرة رجلٍ فحسب، بل عن قصة وطن أعاد تعريف نفسه بطريقة مختلفة، وعن إرثٍ تجاوز جميع الحدود والجغرافيا ليترك أثره في الإنسان أينما كان. رحل الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وبقيت بصماته شاهدة على مرحلةٍ صنعت الفارق في تاريخ قطر الحديث والمنطقة والعالم. لقد كان رحمه الله من أولئك القادة الذين لا يكتفون بإدارة الحاضر، بل يغامرون بصناعة المستقبل. وحين تسلم زمام المسؤولية والقيادة عام 1995، كانت قطر دولة واعدة، لكنه رأى فيها ما هو أبعد من ذلك بكثير، رأى وطناً قادراً على أن يكون رقماً مهماً وصعباً في الاقتصاد والسياسة والإعلام والتعليم والتنمية الإنسانية ونصرة المظلوم وصوتاً للحرية. ومن الإنصاف للتاريخ أن يُقال إن الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني رحمه الله لم يبنِ مشاريع إسمنت وحديد فقط، بل بنى ما هو أهم، بنى الفكرة. فكرة أن الدولة الصغيرة في مساحتها يمكن أن تكون كبيرة في تأثيرها، وأن الثروة الحقيقية ليست في الغاز والنفط وحدهما، بل في الإنسان والعلم والمعرفة والاستثمار في العنصر البشري. ولذلك شهدت قطر في عهده نهضة تعليمية غير مسبوقة وتحولت إلى مركز عالمي للجامعات والبحوث والابتكار، فصارت المعرفة جزءاً من مشروعها الوطني لا مجرد شعار يُرفع في المناسبات. ولم يقتصر اهتمامه بالتعليم على أبناء وطنه فحسب، بل امتد أثره إلى آلاف المدارس والمبادرات التعليمية حول العالم. فقد آمن بأن التعليم هو الطريق الأقصر لمكافحة الفقر والجهل وفتح آفاق المستقبل أمام الشعوب، فدعمت قطر في عهده برامج ومشروعات تعليمية وصلت إلى ملايين الأطفال والشباب في مناطق عديدة من العالم، ومنحت فرصة التعلم لمن حُرموا منها بسبب الحروب أو الفقر أو النزوح. وهكذا تحولت رسالة التعليم من مشروع وطني إلى رسالة إنسانية عابرة للحدود، كان أثرها ممتداً في حياة أجيال كاملة ستبقى شاهدة على هذا العطاء. وفي الجانب الإنساني لم يكن حضوره مقتصراً على حدود وطنه. فقد امتدت يد قطر إلى مناطق الأزمات والكوارث، حاملةً الغذاء والدواء والتعليم والأمل. وساهمت في دعم الشعوب المنكوبة ورعاية اللاجئين، وتمويل المبادرات التنموية حول العالم، حتى أصبحت المساعدات الإنسانية القطرية عنواناً معروفاً في كثير من بقاع الأرض. لقد آمن رحمه الله بأن قيمة الدول تُقاس أيضاً بما تمنحه للإنسانية من خير ورحمة. أما في الإعلام فقد ارتبط اسمه بتحولٍ تاريخي غيّر المشهد الإعلامي العربي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، حين انطلقت تجربة إعلامية جعلت من حرية الرأي والنقاش مساحةً أوسع مما عرفته المنطقة من قبل، فكان لذلك أثره العميق في تشكيل الوعي العام وإيصال الصوت الذي كان لا يجد طريقاً للوصول. واقتصادياً قاد مشروعاً استراتيجياً جعل قطر من أبرز القوى الاقتصادية العالمية في مجال الغاز الطبيعي المسال، وفتح أبواب الاستثمار الدولي على مصراعيها، حتى أصبحت الدوحة اسماً حاضراً في كبريات الأسواق والمؤسسات المالية العالمية. ولم يكن ذلك مجرد نجاح اقتصادي، بل كان بناءً طويل الأمد لأجيالٍ قادمة. وفي ميدان السياسة والدبلوماسية والوساطات رسخ نهجاً جعل من الحوار والوساطة وسيلةً لحل النزاعات وتقريب وجهات النظر. فغدت قطر لاعباً مؤثراً في ملفات إقليمية ودولية معقدة، واستحقت مكانةً تفوق الجميع وتفوق حجم الدول جغرافياً. ومن المواقف التي ستبقى علامة فارقة في مسيرته السياسية قراره التاريخي بتسليم مقاليد الحكم إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عام 2013، في خطوة جسدت إيماناً راسخاً بتجدد القيادة واستمرارية الدولة، وقدمت نموذجاً حضارياً نادراً للتداول السلس للمسؤولية، مؤكدةً أن بناء الدول لا يكتمل بصناعة الإنجازات فحسب، بل بضمان استدامتها وانتقالها بأمان وثقة إلى الأجيال اللاحقة. كما أدرك مبكراً رحمه الله أن الرياضة لغة عالمية توحد الشعوب، فكان من مهندسي المسار الذي أوصل قطر إلى استضافة كأس العالم 2022، الحدث الذي لم يكن بطولة رياضية فحسب، بل رسالة حضارية عرّفت العالم بالثقافة الإسلامية والعربية والخليجية وقدرة المنطقة على تنظيم أكبر الأحداث الدولية. واليوم ونحن نودع الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فإننا لا نرثي رجلاً غاب جسده، بل نستحضر إرثاً سيبقى حياً في التعليم الذي أُسس، والمستشفيات التي شُيدت، والفرص التي خُلقت، والوساطات التي أوقفت النزاعات وإزهاق الأرواح، والأفكار التي ألهمت أجيالاً كاملة. رحل القائد لكن أثره باقٍ. ورحل الإنسان لكن ما زرعه في وطنه وفي وجدان شعبه وفي صفحات التاريخ سيظل ينبض بالحياة. فبعض الرجال تنتهي أعمارهم لكن أعمالهم تواصل السير نيابةً عنهم. والوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني واحد من أولئك الذين كتبوا أسماءهم لا بالحبر بل بالأثر. رحم الله الفقيد بواسع رحمته وجزاه عن قطر وأمتها والإنسانية خير الجزاء. فكما جاء في الحديث الشريف: (خيرُ الناس أنفعهم للناس)، وأنا أشهد أمام الله بذلك. وجاء في الحديث أيضاً: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ يُنتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له). وأشهد كذلك أمام الله بما رأيت بعيني أنه قدم لهذا الدين وللإنسانية الشيء الكثير من صدقاتٍ ومساعداتٍ وعلومٍ ومراكز ومساجد، وبهذا كلنا نكون أبناءً له ندعو له جميعاً. أما عنوان المقال فهو جزء من حديثه رحمه الله في لقاء تلفزيوني يصف فيه قطر للعالم.
1755
| 14 يوليو 2026
عندما ترتفع المخاطر الجيوسياسية، لا تحتاج التجارة العالمية إلى إغلاق الممرات البحرية حتى ترتفع تكاليف الشحن. فمجرد عودة التوترات كفيل بزيادة أقساط التأمين وارتفاع ما يُعرف بعلاوة المخاطر، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة نقل البضائع، حتى لو استمرت السفن في العبور بصورة طبيعية. وهذا ما نشهده اليوم مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، حيث بقيت الملاحة مستمرة، بينما لم تعد تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها السابقة. فالمشكلة اليوم لم تعد تتمثل في احتمال إغلاق المضيق بقدر ما تتمثل في استمرار حالة عدم اليقين، وما تفرضه من تكاليف إضافية تنتقل تدريجياً عبر سلاسل الإمداد إلى المستوردين، ثم إلى الأسواق، وصولاً إلى المستهلك النهائي. وفي قطر، لا يقتصر أثر هذه الزيادات على شركات الاستيراد، بل يمتد إلى قطاعات واسعة تعتمد على الواردات، مثل مواد البناء والتشطيب، والأثاث، والأجهزة المنزلية، والسيارات وقطع الغيار، وغيرها من السلع التي تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة المشروعات وتكلفة المعيشة. ومن هنا يبرز السؤال الأهم: كيف يمكن الحد من هذه الأعباء إلى أن تستعيد أسواق النقل البحري والتأمين استقرارها الكامل؟ قبل الإجابة، من المهم التفريق بين نوعين من الحلول. فهناك حلول استراتيجية بعيدة المدى، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز الأمن اللوجستي، وتقليل الاعتماد على أي ممر بحري واحد، وهي خيارات ضرورية لكنها تحتاج إلى سنوات من التخطيط والاستثمار. أما المرحلة الحالية، فتتطلب إجراءات تشغيلية سريعة ومؤقتة تحد من ارتفاع التكلفة وتحافظ على انسياب الواردات. ولعل أسرع هذه الإجراءات يتمثل في تشغيل ميناء حمد، والجمارك، والجهات الرقابية على مدار الساعة خلال الفترة الحالية. فكل يوم إضافي تقضيه الحاوية داخل الميناء يعني ارتفاعاً في تكاليف التخزين والتمويل، وتأخيراً في وصول البضائع إلى الأسواق. ولذلك، فإن تسريع دورة الإفراج عن الشحنات يعد من أكثر الوسائل فعالية في خفض التكلفة. ويأتي بعد ذلك تخفيض رسوم المناولة والخدمات المينائية بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر، حتى تستعيد أسواق النقل البحري توازنها. كما يمكن إعفاء الحاويات التي تأخرت بسبب اضطرابات الملاحة من رسوم الأرضيات والتخزين، لأن هذه الرسوم ترتبت نتيجة ظروف استثنائية لم يكن المستورد مسؤولاً عنها. ومن الأفكار التي تستحق الدراسة أيضاً تشجيع المستوردين على حجز سعات الشحن بصورة جماعية. ولا يعني ذلك توحيد البضائع أو الموردين، وإنما توحيد القوة التفاوضية مع شركات الملاحة. فكلما ارتفع حجم الحجوزات، زادت القدرة على الحصول على أسعار أفضل، وأولوية في الحجز، وشروط نقل أكثر مرونة، وهو ما يفيد على وجه الخصوص الشركات الصغيرة والمتوسطة. كما قد ينعكس ذلك إيجاباً على تكلفة التأمين نتيجة تحسن شروط التفاوض. أما التأمين البحري، فقد أصبح يمثل جزءاً متزايداً من تكلفة الاستيراد. ومن هنا، يمكن لشركات التأمين المحلية أن تؤدي دوراً أكبر عبر التفاوض الجماعي مع شركات إعادة التأمين العالمية للحصول على شروط أكثر ملاءمة، مستفيدة من متانة الاقتصاد القطري واستقرار بيئته التشغيلية، بدلاً من تفاوض كل مستورد بصورة منفردة. ومن المناسب كذلك تشكيل فريق عمل لوجستي مؤقت يضم وزارة التجارة والصناعة، والجمارك، وميناء حمد، وغرفة تجارة وصناعة قطر، إلى جانب ممثلين عن شركات الملاحة والتأمين، لمتابعة تطورات سلاسل الإمداد بصورة يومية، والتدخل السريع لمعالجة أي اختناقات تشغيلية قبل أن تتحول إلى أعباء اقتصادية أكبر. وجميع هذه المقترحات يجمعها هدف واحد؛ فهي إجراءات استثنائية لمعالجة ظرف استثنائي، وليست تغييرات دائمة في السياسة الاقتصادية، وتنتهي تلقائياً عندما تعود تكاليف الشحن والتأمين إلى مستوياتها الطبيعية. أما الحلول الاستراتيجية، مثل تنويع مسارات التجارة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مضيق هرمز، فهي تستحق نقاشاً مستقلاً، لأنها تعالج جذور المشكلة، بينما تعالج الإجراءات السابقة آثارها المباشرة. لقد أثبتت قطر في أكثر من مناسبة قدرتها على التعامل بكفاءة مع التحديات اللوجستية، بفضل بنيتها التحتية المتطورة ومؤسساتها القادرة على اتخاذ القرار بسرعة. واليوم، لا يحتاج الاقتصاد إلى برامج دعم واسعة، بقدر ما يحتاج إلى إجراءات تشغيلية ذكية ومؤقتة تخفف تكلفة وصول السلع إلى السوق المحلية، وتحافظ على تنافسية الشركات، وتحد من انتقال الضغوط التضخمية إلى المستهلك. فكل ريال يُوفَّر في تكلفة النقل أو التخزين أو التأمين ينعكس في النهاية على تكلفة المعيشة، ويعزز قدرة الاقتصاد على تجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر، إلى أن تستعيد أسواق الشحن العالمية استقرارها الكامل. فالتعامل مع الأزمات لا يكون بردود الفعل فقط، بل بالاستعداد لها، وتقليل كلفتها، وتحويل التحديات إلى فرص لتعزيز كفاءة الاقتصاد ومرونته.
1569
| 11 يوليو 2026
لعل أسوأ ما قدمته بطولة كأس العالم الحالية هو بروز الحالة البالوجونية، نسبةً للاعب المنتخب الأمريكي: فولارين بالوجون. وهي حالةٌ تقوم على التعامل مع الاتحاد الدولي لكرة القدم وكأنه دولة في القرون الوسطى يحكمها فرد كما يشاء دون اهتمام بقوانين أو أعراف أو مشاعر ومصالح وآمال الآخرين. فرغم ما كانت تتعرض له الفيفا سابقاً من انتقادات، إلا أنها ظلت محافظةً على الحد الأدنى لمظهرها كمنظمةٍ ترعى رياضة كرة القدم دولياً، وحرصت دائمًا على أن تكون الحكم العادل في الخلافات بشأن اللعبة ومبارياتها. ولم يكن أحدٌ يتوقع أن تبلغ التجاوزات حد الاستهانة العلنية بقوانين اللعبة وأخلاقياتها كما فعل رئيسها جياني إنفانتينو. كان على إنفانتينو، قبيل انطلاق البطولة، التأكيد على أن الرياضة هي النقطة التي تتوقف عندها التأثيرات السياسية، وهي المظلة التي تلتقي تحتها الشعوب وتتنافس بنديةٍ. ولكنه صمت عن التجاوزات بحق الحكام والإعلاميين والإداريين الذين منعوا من دخول الولايات المتحدة. وكان هذا الصمت ثم تبرير ما حدث بحجج واهية هو السبب في الانهيار النسبي لشعبية البطولة دوليًا، لأن معظم عشاق اللعبة أدركوا أن طعنةً أصابتها في صميم أخلاقياتها التي تجمعهم. يجب علينا القول إن الفيفا في عهد إنفانتينو أصبحت مظهراً للفردية الديكتاتورية في مجال كرة القدم، فكان إلغاء البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأمريكي فولارين بالوجون أمام البوسنة، وإسقاط عقوبة الإيقاف عنه ليشارك في مباراة بلجيكا هو المظهر الأبرز لتلك الفردية. ومناقشة ذلك كمخالفةٍ قانونيةٍ هو أمرٌ يبعث على الملل والشعور بعدم احترام عقولنا، لأن رئاسة الفيفا هي الجهة التي ارتكبت المخالفة. ورغم الاحتجاجات الدولية، لم يقم إنفانتينو بتبرير الأمر أو تقنينه، وكأن قراره لا يمكن لأحد مناقشته أو الاعتراض عليه. ثم جاءت مباراة مصر والأرجنتين لتخبرنا بأن هناك مسارات غير رياضية أدخل فيها إنفانتينو كرة القدم، والتي تتمثل في جماعات ضغط اقتصادية تعمل في مجال المراهنات الدولية، وتعتمد على وجوب استمرار منتخبات بعينها في المنافسة بغضِّ النظر عن خسارتها الفعلية لو خضعت مبارياتها لتحكيم نزيه غير خاضع لإملاءات إنفانتينو الخاضع بدوره لجهات لها مصالح عظمى في عدم نزاهة التحكيم. المخالفات علنيةٌ وكثيرةٌ جدًا، وليست المشكلة في السكوت أو عدم السكوت عنها، وإنما هي أن الشكوى ترفع للفيفا، وتكون على الحكام، ولا توجد آلية تخضع رئاسة الفيفا نفسها للمحاسبة القانونية. ومع وقوفنا مع الاتحاد المصري في شكواه، وانتظارنا لما ستسفر عنه مطالبات أعضاء في البرلمان الأوروبي بالتحقيق مع إنفانتينو، لكننا، للأسف، ندرك جيداً أن الحالة البالوجونية ستستمر، ولا يمكن التحكم فيها. الحل، ليس في الشكوى وإنما في العمل على توسيع دور المحكمة الرياضية الدولية ليشمل النظر والحكم في الخلافات مع الفيفا والشكاوى ضدها. وهذا الأمر ليس ترفًا فكريًا، وإنما هو واجبٌ على المختصين القانونيين في الرياضة لمنع استفحال الحالة البالوجونية التي تهدد لعبة الجماهير الأولى في العالم. كلمة أخيرة: البالوجونية، ليست سلوكياتٍ فرديةً، وإنما هي منظومةٌ أخلاقيةٌ فاسدةٌ تقتل الروح الرياضية، وتدمر الأمل في كون الرياضة عنصرًا يجمع الشعوب.
1533
| 12 يوليو 2026