رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين يتلعثم اللسان، وتضيع العبارات، وتتزاحم الأفكار، ويضيق القلب بما حمل من ألم الفقد، ندرك أن الكلمات، مهما بلغت فصاحتها، تبقى أصغر من أن تفي الرجال العظام حقهم، وأن بعض المصائب لا يحيط بها وصف، ولا يخفف وطأتها إلا الإيمان بقضاء الله وقدره، واليقين بأن الله أرحم الراحمين، وأنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ولا يخزي من أدى الرسالة، وحمل الأمانة، وجعل حياته وقفًا لدينه ووطنه وأمته.
غادر قائد النهضة، وباني الأمل، وصانع المعروف، صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله.
غادر من جعل من الطموح واقعًا، ومن الرؤية إنجازًا، ومن العطاء منهجًا، ومن خدمة الإنسان رسالة. غادر الجسد، أما الأثر الذي تركه في وطننا، وفي أمته، وفي قلوب الملايين، فباقٍ لا يزول بإذن الله.
لم يكن، رحمه الله، فيما سبق أميرًا فحسب، بل كان أبًا لهذا الوطن، وقائدًا حمل هموم شعبه في قلبه، وآمن بقدرات أبنائه، وجعل نهضة بلادنا مشروع عمره، حتى غدا في وجدان القطريين أبًا قبل أن يكون قائدًا، ورمزًا قبل أن يكون صاحب منصب.
ترجل، وقد أدى الرسالة، وحمل الأمانة، وترك لنا وطنًا أكثر قوة، وأكثر عزًا، وأكثر حضورًا بين الأمم. ترك لنا دولةً يشار إليها بالبنان، ومكانةً صنعتها الرؤية، وثبتتها الإرادة، وحفظتها حكمة القيادة.
قاد مسيرة التحول في زمن ظن كثيرون أن مثلها يحتاج إلى عقود طويلة، فإذا بسنوات قليلة تصنع من قطر قصة نجاح يرويها العالم، ومن وطننا نموذجًا في التنمية، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والعمران، والإنسان.
لقد رأينا جميعًا هذا التحول، وعشنا تفاصيله، ولم يكن حديثًا في تقارير، بل واقعًا نلمسه في حياتنا كل يوم.
وكان، رحمه الله، قريبًا من الناس، لا تحجبه عنهم المناصب، ولا تصرفه عنهم المسؤوليات. يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويواسي مصابهم، ويشاركهم آمالهم، ويشعر كل واحد منهم أن له في هذا الوطن أبًا قبل أن يكون له أميرًا.
لم يفرق بين من سأله ومن لم يسأله، ولم يكن عطاؤه ردًا على طلب، بل كان خلقًا أصيلًا، وسجيةً فطره الله عليها. يعطي لأن الخير عنده رسالة، ولأن الإنسان عنده يستحق الحياة الكريمة.
وفي أحلك الظروف، وأشد الأزمات، كنا ننظر إليه فنستمد من ثباته ثباتنا، ومن حكمته يقيننا، ومن حضوره طمأنينتنا. كان إذا اشتدت الخطوب بدا أكثر رسوخًا، وإذا عظمت التحديات ازداد يقينًا بأن الأوطان لا تبنى إلا بالعزائم.
ولم يقف عطاؤه عند حدود وطننا، بل امتد إلى آفاق الأمة كلها.
كانت فلسطين حاضرة في وجدانه كما هي في مواقفه، وكان للمظلومين نصيرًا، وللمكلومين معينًا، وللمحتاجين سندًا، وللإسلام والمسلمين راعيًا كريمًا.
وامتدت أياديه البيضاء إلى مشارق الأرض ومغاربها، فأقيمت المساجد، وشُيدت المراكز الإسلامية، وكُفل الأيتام، ودُعمت المدارس، والمستشفيات، والمشروعات الإنسانية، حتى أصبح أثره شاهدًا عليه في بلاد كثيرة، يعرفه من لقيه، ومن لم يره.
ومن الذكريات التي ستبقى محفورةً في وجداني ما حييت، ذلك اليوم الذي عدنا فيه من جمهورية كرواتيا، بعد وضع حجر الأساس للمركز الإسلامي هناك، بصحبة وزير الأوقاف الأسبق.
كان يحدونا يومها أملٌ كبير أن نعرض على سموه مشروعًا وقفيًا يخدم الإسلام والمسلمين في مختلف أقطار العالم، الإسلامية منها وغير الإسلامية، حيث تعيش الجاليات المسلمة، وتحتاج إلى المساجد، والمراكز الإسلامية، والمؤسسات التي تحفظ لأبنائها دينهم وهويتهم.
دخلنا على سموه نحمل المشروع بين أيدينا، ونحمل معه أمنيةً كبيرة. عرضناه عليه، فرأينا اهتمامًا، وأبدى سرورًا بالفكرة.
وانصرفنا ونحن نرجو أن يرى ذلك المشروع النور، لكن الأيام أثبتت أن ما تحقق كان أكبر بكثير مما رجونا، وأوسع مما تصورنا. لم يقف عطاؤه عند حدود ذلك المشروع، بل امتدت يداه الكريمتان إلى آفاق أرحب، وفاض خيره بما تجاوز توقعاتنا، حتى رأينا الأفكار تتحول إلى مؤسسات، والأمنيات إلى واقع، والخطط إلى آثار باقية ينتفع بها الناس في أصقاع الأرض.
عندها أدركت أنني لم أكن أمام قائد يستمع إلى مشروع، بل أمام رجل إذا آمن بفكرة تحمل الخير للإسلام والمسلمين، جعلها جزءًا من رسالته، وسعى إليها بعزيمة المخلص، حتى ترى النور، ويعم نفعها.
كان، رحمه الله، رجل دولة من طراز نادر؛ جمع بين الحزم والرحمة، وبين الشجاعة والحكمة، وبين بعد النظر وقرب القلب من الناس. لم يكن يعرف الكلل، ولم يستسلم للظروف، ولم يسمح للعقبات أن توقف حلمًا آمن به، أو مشروعًا رأى فيه خيرًا لوطنه أو لأمته.
كان يؤمن أن نهضة الأوطان لا تُقاس بما يُبنى من عمران فحسب، بل بما يُبنى في الإنسان من علم، وكرامة، وأمل. ولذلك ترك لنا وطنًا يعتز أبناؤه بالانتماء إليه، ويفخرون بما تحقق على أرضه، ويحملون في أعناقهم مسؤولية المحافظة على هذا الإرث العظيم.
ولم يكن صاحب السمو الأمير الوالد قائدًا لقطر وحدها، بل كان حاضرًا في وجدان الأمة. عرفته ميادين السياسة بحكمته، وعرفته ساحات الخير ببذله، وعرفته بيوت الفقراء، ودور الأيتام، والمساجد، والمراكز الإسلامية بما امتدت إليها من أياديه البيضاء.
ولم يكن أميرًا فحسب…
كان أبًا إذا حضر اطمأنت القلوب.
كان قائدًا إذا تكلم وثق الناس بالمستقبل.
كان كريمًا إذا أعطى أغنى، وإذا بذل أغدق، وإذا ابتسم أزال عن النفوس شيئًا من أثقال الحياة.
غادر من كان يصنع السلام، ويؤمن بالإنسان، ويؤمن بوطنه، ويؤمن بأهله، ويؤمن بأن الخير رسالة لا تعرف الحدود.
رحل الجسد…
أما الأثر فباقٍ.
سيبقى حاضرًا كلما ارتفعت راية قطر، وكلما رأينا إنجازًا من إنجازاتها، وكلما دخل مصلٍّ مسجدًا كان له في بنائه سهم، أو تعلم طالب في مؤسسة قامت على عطائه، أو آوى يتيم إلى دار كانت ثمرة من ثمار خيره.
وسيظل حيًا في ذاكرة وطنه، وفي ضمير أمته، وفي دعوات الملايين ممن مستهم يداه البيضاء، أو وصل إليهم خيره، أو عاشوا زمنًا كان فيه الأمل يكبر كل يوم.
رحمك الله يا أبا مشعل، رحمةً واسعة، وجزاك عن قطر، وعن أمتك العربية والإسلامية، خير الجزاء.
اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهديين، وأكرم نزله، وأفسح له في قبره، واجعل ما قدم لوطنه، ولدينه، وللإنسانية، في موازين حسناته، واجعل الفردوس الأعلى داره ومستقره.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
الأب.. ظِلٌّ لا يميل
هناك كلمة إذا نُطقت، اعتدل لها القلب قبل اللسان، وارتجف لها الوجدان قبل أن يفهمها العقل. كلمةٌ تحمل... اقرأ المزيد
696
| 31 يوليو 2026
أدب الحوار ونهي الشريعة عن صخب الصوت
وهم علو النبرة يُخطئ من يظن أن ارتفاع الصوت أثناء الحوار هو وسيلة لإثبات الحجة أو أداة فعالة... اقرأ المزيد
306
| 31 يوليو 2026
حصص التربية الرياضية بالأندية
الرياضة محور أساسي من محاور العملية التعليمية، يقول تعالى في سورة البقرة آية 247 (قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ... اقرأ المزيد
159
| 30 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
9984
| 27 يوليو 2026
هل أنت آمن اقتصاديًا؟ سبعة مؤشرات تكشف مستوى أمنك الاقتصادي اعتدنا أن نسمع عن الأمن الاقتصادي للدول، وأن نقرأ عن خطط الحكومات لحماية اقتصاداتها من الأزمات، لكننا نادرًا ما نتحدث عن الأمن الاقتصادي للأفراد. ومع أن الإنسان هو أول من يتأثر بأي أزمة اقتصادية، فإن كثيرًا منا لا يراجع وضعه المالي إلا عندما يواجه مشكلة، وليس قبلها. الشركات تراجع نتائجها المالية كل عام، والمؤسسات تقيس أداءها بصورة مستمرة، وحتى الإنسان يحرص على إجراء فحص طبي دوري للاطمئنان على صحته. لكن كم شخصًا يخصص نصف ساعة في السنة ليجري فحصًا اقتصاديًا لوضعه المالي؟ ورغم أن معظم الناس يحرصون على متابعة دخلهم ومدخراتهم، فإن القليل منهم يمتلك وسيلة بسيطة تقيس مدى جاهزيته لمواجهة تغيرات الحياة. فكثير من القرارات المالية تُتخذ بصورة يومية، لكن نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا سؤالًا واحدًا: هل وضعنا الاقتصادي قادر على الصمود إذا تبدلت الظروف؟ ولهذا أقترح أن يجري كل شخص فحصًا اقتصاديًا سنويًا لا يستغرق أكثر من نصف ساعة، يعتمد على مجموعة من المؤشرات البسيطة التي تكشف مواطن القوة والضعف قبل أن تتحول إلى مشكلات حقيقية. أول هذه المؤشرات هو الاحتياطي النقدي. فإذا توقف دخلك اليوم، إلى متى تستطيع تغطية نفقاتك الأساسية؟ إذا كانت الإجابة أقل من ثلاثة أشهر، فقد تكون الأولوية هي بناء احتياطي للطوارئ قبل البحث عن أي استثمار جديد. فالسيولة ليست مالًا معطلًا، بل وسيلة تمنح صاحبها الوقت لاتخاذ قرارات هادئة عندما تتغير الظروف. ويأتي بعد ذلك تنوع مصادر الدخل. فالاعتماد الكامل على وظيفة واحدة أو نشاط واحد يعني أن استقرارك المالي مرتبط بجهة واحدة. وليس المقصود أن يتحول الجميع إلى رجال أعمال، وإنما أن يعمل كل شخص، تدريجيًا، على بناء مصدر دخل إضافي يتناسب مع خبرته وظروفه، لأن تنوع مصادر الدخل يقلل المخاطر قبل أن يزيد الإيرادات. ويأتي بعد ذلك توزيع الاستثمارات. فكثير من المستثمرين يعتقدون أنهم نوّعوا محافظهم، بينما تكون جميع استثماراتهم مرتبطة بقطاع واحد أو سوق واحدة. والتنويع الحقيقي لا يمنع الخسائر، لكنه يمنع أن تتحول خسارة واحدة إلى أزمة مالية. ولا تقل المهارات أهمية عن الأموال المستثمرة، بل قد تكون أكثر قيمة على المدى الطويل. فالمهارات هي الأصل الذي يولد الدخل، وقيمتها تتغير باستمرار مع تطور التكنولوجيا واحتياجات سوق العمل. وما كان يمنح صاحبه ميزة قبل سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم. لذلك من المفيد أن يراجع كل شخص مهاراته مرة كل عام، وأن يحدد مهارة واحدة على الأقل يطورها، لأن الاستثمار في الذات غالبًا ما يكون أعلى عائدًا من كثير من الاستثمارات المالية. كما تستحق الالتزامات المالية مراجعة صادقة. فهناك فرق كبير بين دين يساعد على تكوين أصل منتج، ودين يمول استهلاكًا ينتهي أثره سريعًا. وكلما انخفضت الالتزامات غير الضرورية، ازدادت قدرة الإنسان على الادخار والاستثمار، وأصبحت قراراته المالية أكثر حرية. ومن المهم أيضًا أن تتحول مراجعة الأرقام إلى عادة سنوية. فصافي الثروة، ونسبة الادخار، وحجم احتياطي الطوارئ، وتوزيع الاستثمارات، وعدد مصادر الدخل، كلها مؤشرات تستحق أن تُراجع بانتظام. فما لا يُقاس لا يمكن تطويره، وما لا يُراجع يتآكل بصمت. ويبقى المؤشر الأخير هو وجود رؤية واضحة للمستقبل. ليست خطة معقدة، بل أهداف محددة للسنوات الخمس القادمة: ما حجم الاحتياطي الذي أريد الوصول إليه؟ وما مصدر الدخل الذي أسعى إلى بنائه؟ وما المهارة التي سأكتسبها؟ عندما تكون هذه الأهداف مكتوبة، تصبح القرارات اليومية أكثر اتساقًا مع المستقبل الذي نطمح إليه. هذه المؤشرات لا تقدم ضمانة ضد الأزمات، لكنها تمنح الإنسان فرصة لاكتشاف نقاط الضعف مبكرًا ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمة. وهذا هو جوهر الأمن الاقتصادي؛ الاستعداد قبل وقوع المشكلة، لا البحث عن الحلول بعدها. لقد حان الوقت لأن يصبح لكل واحد منا، إلى جانب الفحص الطبي السنوي، فحصٌ اقتصادي سنوي يراجع فيه احتياطه النقدي، ومصادر دخله، واستثماراته، ومهاراته، والتزاماته، وخطته للمستقبل. فالدول لا تنتظر الأزمات حتى تبني أمنها الاقتصادي، والأفراد أولى بذلك. إن الأمن الاقتصادي لا يبدأ عندما ترتفع الرواتب أو تتحسن الأسواق، بل يبدأ عندما يتحول التفكير المالي من رد فعل إلى عادة. ونصف ساعة من المراجعة الصادقة مرة كل عام قد تكون من أكثر الأوقات أثرًا في حماية مستقبل الإنسان وأسرته.
1647
| 26 يوليو 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1617
| 29 يوليو 2026