رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد أصبحت أعرف الكثير عن الخليج من خلال مسيرتي المهنية، فمنصبي السابق كوزير الدفاع البريطاني جعلني أقوم بالعديد من الزيارات إلى المنطقة بصورة منتظمة. ومع كل زيارة، لا أستطيع إلا أن أتوقف عند الطموحات الكبيرة والإبداعات والإمكانات التي أشهدها. وقبيل زيارتي لقطر في منصبي الجديد كوزير التجارة الدولية، يذهلني ما أراه من نشاط وطموح في هذا البلد الذي يتطلع إلى الأمام ويعمل نحو تحقيق رؤية وطنية مثيرة للاهتمام ويستعد لاستضافة كأس العالم في عام 2022.
إن قطر، كالمملكة المتحدة، لديها تاريخ تجاري يدعو للفخر، فهو يجري في عروقنا. فلطالما كان الخليج العربي طريقًا تجاريًا في غاية الأهمية للبضائع المتجهة من آسيا إلى البحر الأبيض المتوسط ومنه إلى أوروبا. لم تكن البضائع التجارية فقط محل التبادل، فلقد جلبت هذه الطرق الفلسفة والدين والفن، فنشرت الازدهار الثقافي والرخاء الاقتصادي. أثبت التاريخ أن الاقتصادات التجارية المفتوحة تولد الثروات وتخلق فرص عمل، وتؤدي إلى توفير الخيارات أمام المستهلكين وزيادة القيمة مقابل المال، كما أنها تؤدي إلى رفع مستويات المعيشة. تعد التجارة ضمن الاهتمامات الأساسية لشعبينا، ومهمة حكومتينا تكمن في ضمان تدفق الفرص التجارية. ولهذا السبب أزور قطر اليوم.
يعتبر الخليج بالنسبة للمملكة المتحدة شريكًا تجاريًا رئيسيا، حيث بلغت صادرات المملكة المتحدة في العام 2015 أكثر من 20 مليار جنيه إسترليني - وهو ما يزيد على حجم صادرات الصين وما يعادل ضعف الصادرات من الهند. إن زيادة حجم الأعمال التجارية مع دول الخليج تشكل جزءًا أساسيًا من إستراتيجيتنا الدولية، والتي تشمل اتفاقيات تجارة حرة جديدة في المستقبل، وستبقى قطر شريكًا مهمًا للمملكة المتحدة. في عام 2015، بلغ إجمالي صادرات المملكة المتحدة إلى قطر 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 16% عن عام 2014، في حين تضاعفت صادرات قطر إلى المملكة المتحدة لتبلغ 2.7 مليار جنيه إسترليني. أصبحت بعض كبرى الشركات بالمملكة المتحدة مثل شركة "شل" من كبار المستثمرين في المنطقة لعدة أعوام، ويسعدني أن تكون شركة "شل" أكبر مستثمر أجنبي في قطر بمصنعها الرائد عالميًا لتحويل الغاز إلى سائل. كما تعمل الكثير من الشركات البريطانية بنشاط كبير في مشاريع البنية التحتية بقطر، لاسيَّما شركات الهندسة المعمارية وشركات استشارات التصميم وإدارة المشاريع والاستشارات الهندسية. كما أن للمملكة المتحدة تمثيلًا جيدًا في قطاع الخدمات المالية والمهنية، بالإضافة إلى العديد من كبرى الشركات القانونية البريطانية والبنوك وشركات المحاسبة والشركات الاستشارية التي لديها وجود راسخ هنا، هذا إلى جانب وجود وكالات السيارات البريطانية والسلع الكمالية والبيع بالتجزئة والعلامات التجارية في المتاجر ومراكز التسوق في قطر. إلا أنني أرغب في رؤية المزيد؛ أود أن تتواجد أفضل الأعمال التجارية والصناعات البريطانية هنا في قطر، وأرغب في أن تقوم شركاتنا وخبراؤنا ومسؤولونا بلعب دور قيادي في دعم تقديم الرؤية الوطنية لقطر لعام 2030 وفي تقديم كأس عالم ناجح هنا في قطر في العام 2022.
أرغب كحكومة في أن نكون أسرع في تحديد فرص التصدير القيمة في الأسواق التي تشهد نموا مرتفعًا، ولقد وضعنا 31 فرصة ضمن أسواق دول الخليج - بما فيها دولة قطر - على سلم أولوياتنا. لا يغطي هذا الصناعات التقليدية مثل النفط والغاز والدفاع والبنية التحتية فحسب، بل إنه يشمل مجالات ناشئة مثل علوم الحياة والإبداع. هذا وستواصل وكالة تمويل الصادرات البريطانية - وهي وكالة ائتمان الصادرات التابعة للحكومة – تواجدها من أجل ضمان عدم فشل أي صادرات إلى قطر نتيجة لنقص التمويل أو عدم وجود تأمين، وستواصل ما تقوم به من جهد كبير لتقليص العوائق أمام التجارة.
إن بيع بضائعنا وخدماتنا إلى المنطقة هو بالطبع نصف القصة فحسب؛ فالمملكة المتحدة هي إحدى أكثر الاقتصادات المفتوحة أمام الاستثمار الداخلي في العالم، ووفقًا للبنك الدولي، احتلت المملكة المتحدة المرتبة الأولى بين الاقتصادات الكبرى من حيث سهولة القيام بالأعمال التجارية. فخلال 2015 - 2016، جذبت المملكة المتحدة عددًا قياسيًا من مشاريع الاستثمار الداخلي، مما أدى إلى استحداث ثاني أكبر عدد من الوظائف مقارنة بأي وقت مضى. لقد أسعدني إعلان شركة غلاسكو سميث كلاين الشهر الماضي عن توسيع مواقع التصنيع الخاصة بها في المملكة المتحدة بمبلغ يقدر بنحو 275 مليون جنيه إسترليني. إن دول الخليج هي شريك استثماري مهم جدًا بالنسبة لنا، حيث كانت هيئات الاستثمار بدول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص في المقدمة. تمتلك قطر استثمارات بقيمة تزيد على 30 مليار جنيه إسترليني (بما في ذلك كناري وورف، وبرج شارد، وبرج مصرف إتش إس بي سي، ومتاجر هارودز) في المملكة المتحدة وحدها. هذا وتتولى شركة الديار القطرية إعادة تطوير مشاريع متميزة، مثل قرية الحديقة الأولمبية وثكنات تشيلسي. إن جميع هذه المشاريع تساعد على دفع النمو المستمر لاقتصاد المملكة المتحدة، مع تقديم عوائد استثمار إيجابية لدولة قطر في بيئة مستقرة سياسيًا وقانونيًا واقتصاديًا تعرفها قطر.
إنني أعلم أن قرار المملكة المتحدة الأخير بمغادرة الاتحاد الأوروبي قد أثار شكوك البعض حول التوقعات الاقتصادية للمملكة المتحدة وقدرتها التجارية. أود أن أنقل رسالة واضحة إلى الخليج مفادها أن أبواب المملكة المتحدة مفتوحة للأعمال التجارية وأننا نمتلك الآن فرصة كبيرة لوضع أنفسنا في قلب عالم يزداد ترابطًا يومًا بعد يوم.
لطالما كانت المملكة المتحدة دولة واثقة ومنفتحة على الخارج، ودائمًا ما ترفض أن تكون مقيدة بحجمها أو وضعها كجزيرة. إن الشعور بالفخر الوطني بعد الحصول على المركز الثاني في أولمبياد ريو دي جانيرو يدعم ما يمكن أن يحققه شعب قوي الإرادة قوامه أقل من 65 مليون نسمة. كثيرًا ما أعتقد أن عصر العولمة الحديثة يمكن أن يكون قد كُتب مع وضع المملكة المتحدة في الاعتبار. فنحن نتمتع بنظام القانون، بما في ذلك القانون التجاري الذي يثير الإعجاب في جميع أنحاء العالم ويعزز الثقة في الاستثمارات في بريطانيا، ولدينا قوة عاملة ماهرة ومستويات منخفضة من الاضطرابات الصناعية ولوائح قليلة وضرائب منخفضة، كما نتحدث الإنجليزية ونقع في المنطقة الزمنية المناسبة للتجارة العالمية. تشير الأسس الاقتصادية القوية هذه إلى أن الاقتصاد البريطاني قد أثبت مرونة قبل الاستفتاء وبعده على حد سواء رغم التوقعات الكارثية. إنني أعلم أن الكثيرين هنا في الخليج قد أوضحوا بالفعل ثقتهم القوية في اقتصاد المملكة المتحدة واهتمامهم المستمر بزيادة استثماراتهم في المملكة المتحدة.
أود أن أطمئن الشركات التجارية والمستثمرين الذين يشعرون بالقلق من مستوى التغيير الجاري أن لا شيء سيتغير في الوقت الحالي؛ فنحن مازلنا أعضاء في الاتحاد الأوروبي. وأثناء تواجدنا كأعضاء في الاتحاد، ستواصل المملكة المتحدة - كعادتها دومًا – المطالبة بمزيد من التحرر الاقتصادي عبر الاتحاد الأوروبي. قد يزعم البعض أن التصويت لمغادرة الاتحاد الأوروبي كان أشبه لقيام المملكة المتحدة بإدارة ظهرها للتجارة الحرة واتجاهها نحو الانعزالية. هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. إننا نرغب في نجاح الاتحاد الأوروبي، إلا أننا لا نريد أن نخضع لأحكامه. وعندما نغادر الاتحاد الأوروبي، فإننا نعتزم القيام بذلك بطريقة تضمن حدوث أقل قدر من الاضطراب لشركائنا الأوروبيين لنواصل ما بيننا من روابط اقتصادية وسياسية وأمنية قوية. نحن لن نغادر أوروبا – إننا بحاجة في عصر العولمة إلى الانفتاح على التجارة مع أي سوق يتشابه وظيفيًا مع سوقنا وإن لم يكن قريبًا من الناحية الجغرافية - بل إننا ننضم مجددًا إلى باقي العالم.
تشكل قطر بالنسبة للمملكة المتحدة جزءًا مهمًا من تلك الرحلة المنشودة، ويسعدني أن الحكومة والشركات التجارية هنا في قطر تشاركنا هذه الرؤية. هذا وسيشكل مؤتمر التجارة والاستثمار القطري - البريطاني الذي ستستضيفه المملكة المتحدة في أوائل عام 2017 لحظة مهمة في تقديم هذا الطموح المشترك. إنني على ثقة بأن هذا المؤتمر سيحقق نجاحًا كبيرًا ليعزز بذلك علاقاتنا الاقتصادية والتجارية بشكل كبير ويثبت للعالم أن المملكة المتحدة منفتحة أمام الأعمال التجارية كما لم تكن من قبل، وهو الأمر الذي يعلمه تمامًا شعب دولة قطر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
6627
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026