رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
منذ أكثر من ستة أشهر والمظاهرات في سوريا مستمرة رغم تصاعد القمع الوحشي الرهيب، وولوغ النظام في حمام دم، لا يبدو أنه متوقف عنه لصالح الشعب بكل أفانين العذابات والآلام التي لم تستثن أي بؤرة في الوطن ليلاً أو نهاراً حيث ارتفع عدد الشهداء والمعتقلين والمهجرين في حرب لم تجر مثلها حتى مع إسرائيل أبداً، ومع كل هذا التفاقم الرعيب فإن الثورة السورية تسير في اتجاه الطلعة من دون الرجعة إلا بإسقاط هذا النظام الذي أعلن فقدان شرعيته من أول قطرة دم أراقها ظلماً في بلاد الشام، وقابل الورد بالبندقية، ولم يختر عبر دهائه المزعوم غير اللا حسم الأمني الذي عبر المحتجون بكل إصرار تحديهم له حتى كان شعارهم للجمعة الماضية "ماضون حتى إسقاط النظام"، فعجباً لهؤلاء الأبطال الصامدين المصطبرين الذين شيدوا ذاتية متميزة لشخصياتهم حملت أروع البنود من خلال الوقائع التي شهدت وتشهد لهم على الأرض فكانوا بذلك أنجح معارضة فعالة ارتفع سقفها إلى كل الطموحات التي يطلبها الشعب من حرية وكرامة وتفان عظيم في سبيل البلوغ إلى تلك المرامي حيث يهون كل شيء من أجل الله والوطن، ثم إنها برهنة الرفض المشروع للنظام واللامشروع الذي جثم على صدر الأمة بلا شرعية التوريث من جهة ووقف عاجزاً أمام إدارة الأزمة الخانقة في البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في الداخل، كما وقف عاجزاً وباسم المقاومة والممانعة أمام تحقيق أي طموح بموقف مشرف حيال الصراع مع إسرائيل وتحرير الجولان منذ قرابة أربعة عقود من جهة أخرى، حيث لم يتحمل مسؤولياته باقتدار.
ولدى مقارنة منطقية بين وضع سوريا وتركيا مثلاً نجد أننا في عهد بشار قد تأخرنا كثيراً على مختلف الصعد على مدى أحد عشر عاماً، بينما تقدمت تركيا في المدة نفسها لتفرض حالها على العالم كشبه دولة عظمى سياساً واقتصادياً واجتماعياً، وعلى أية حال فقد كان لابد للمعارضة الفطرية التي انتفضت كزلزال وبركان كانت النار فيه تحت الرماد بزخم شعبي عارم أن تجد لها صدى في الخارج من معارضات تقليدية لم تفتأ تناجز النظام على فترات متلاحقة مع اختلاف منسوب وفعالية كل حركة أو حزب أو هيئة فيها، ومع الاعتراف بأن الكثيرين إنما يمموا وجوههم قبل الخارج مضطرين بسبب قمع النظام لكل طرف لا يغني مع سربه ويقع تحت سيطرته سياسياً وفكرياً أو خرجوا بسبب سوء الوضع الاقتصادي الذي تسبب فيه النظام مغلباً حظ العائلة على الشعب، ولا ننسى أن بعضاً كثيراً من المعارضين كجماعة إعلان دمشق والإسلاميين كان نصيبهم السجن والبعض الآخر خفتت معارضته، ولكنه منذ بدأت الثورة أخذ مع فريقه الذي أخرج بعضهم يعمل بجد ونشاط لنصرة الانتفاضة والتضحية عبر مختلف الوسائل لدعم المحتجين والمطالبة بدولة المواطنة والقانون ومع اشتداد هذا الحراك لدى المعارضين في الخارج والداخل، فقد ظهرت مؤتمرات ومبادرات متعددة وتزايدت مؤخراً بدءاً من مؤتمر استانبول، ثم أنطاليا، ثم بروكسل، ثم مؤتمر العلماء في استانبول، ومؤتمر الإنقاذ الوطني كذلك فيها، ثم المجلس الوطني الذي تم تشكيله مؤخراً كذلك في استانبول واعترف به من عدة دول أوروبية، وكذلك مبادرة الدوحة التي انطلقت من أنقرة ومؤتمرات وتجمعات أخرى في القاهرة قرأنا عنها وتابعنا واقعها من حيث المبادرين والرموز الوطنية المشاركة فيها، وكل ذلك دون أن ننسى لجان التنسيق واتحادها وهيئتها في الداخل إضافة إلى مؤتمرات دمشق الموالية والمعارضة،إلا أن الذي أصبح لافتاً جداً للنظر كثرة هذه المؤتمرات والتجمعات والندوات القائمة في هذا الصدد وهي وإن أجمعت كلها تقريبا على التغيير بل والتخلص من نظام الاستبداد والاستعباد ورؤوسه المتخلفة إلا أنها كلها تقريبا لم تصل إلى الحد الذي يتواكب مع حراك الشارع وتطلعاته من حيث النشاط والتوثب ففي حين ترى تنسيقيات الداخل والشعب عامة أن السلطة الباغية في سوريا تتحرك بسرعة انطلاقة الصاروخ لقمع الشعب والوطن فإنها لا تجد حركة قوية وثابة من المعارضة إلا ما يساوي بالبطء سرعة السلحفاة! وهذا ما يزيد من أزمة الثقة بين معارضة الداخل والخارج، مع أن الكثرة الكاثرة من المعارضين حقا لا يستطيعون الجهر بصوتهم في الأحداث بسبب الخوف والقمع الجهنميين، ولذلك فالنظام يدرك ذلك إذ لو سمح لنفسه أن يسحب الجيش وقوى الأمن والشبيحة من كل ناحية في سوريا واستطاع الناس أن ينطلقوا في المظاهرات دون تعرض للقتل المؤكد فإنهم بالملايين سيملأون الساحات في العاصمة وبقية المدن وإنهم بتواصلهم وتأثرهم بثورات تونس ومصر وليبيا وانتصارها سوف لا يعودون في وقت قصير إلا بإسقاط النظام، وعلى أية حال فإن سياسة الاستئصال التي تقوم بها سلطة دمشق بالإفناء الكامل وهي السياسة المعروفة قبل ذلك لدى الشيوعيين والنازيين لن تجديهم وكان الأولى بهم أن يجيدوا فن التعايش مع المعارضة فيسلموا بوجودها وإعطائها حق المشاركة الفعالة منذ البداية وعند ذلك ما كانت هذه المعارضة لتصل في سقفها إلى إسقاط الرئيس بل إعدامه نتيجة سفك الدماء بل كانت سترضى بالإصلاحات والسير بالوطن في سفينة النجاة، أما وأن الموازين قد انقلبت ولم يعد واردا داخليا وخارجيا إلا إسقاط هذا النظام فما على المعارضة الناجحة إلا أن تتقن فعالياتها التنظيمية وتقوي فريقها السياسي القادر على التناغم مع الشارع ثم توحد الصف وتجمع كل وطني على هذا الهدف مستفيدة من مختلف الطاقات بلا تمييز اثني ولا طائفي وأن تهتم بالهيئات والمراكز والروابط المتحركة في المجتمع المدني وكذلك التجمعات العشائرية المشهود لها بالإخلاص والتضحية وتنزيل الناس منازلهم وأن تستعمل الديمقراطية الحقيقية المنسجمة مع تعاليم الإسلام الشورية وليس الدم قراطية المزيفة، وأن تعتمد العقلية المنظمة والمنهج العلمي في تعاطيها الحركي ولا تكون أسيرة اتجاهات تقليدية لا ابتكار فيها ولا تتناسب والمرحلة الجديدة التي تعايشها الثورة بل قد دخلت في مخاضها الصعب الذي يتطلب الاصطبار والمثابرة كما في الثورة الفرنسية التي دامت عشر سنوات حتى ولدت وذلك دون يأس، فاليأس انتحار القلب وهو كما يقول أحمد أمين لا يليق بكبار النفوس إذ لا حياة مع اليأس والحياة العقيمة موت مسبق كما قال غوتة ولكننا نقول: إن حياة الشهداء تخلق الأوطان، فيا أيتها المعارضة المخلصة لسوريا أديميها سلمية قدر المستطاع وانتزعي كل طائفية وانتظري النصر من الله وتأييد العالم الحر قريباً فلكل ظالم نهاية.
حين تُفتح أبواب السماء عشرة أيام
ليست كلُّ الأيام سواء، فبعضُ الأزمنة يفتح الله فيها أبوابًا من الرحمة والقبول لا تتكرر في غيرها، ومن... اقرأ المزيد
111
| 22 مايو 2026
معرض الدوحة للكتاب وترسيخ الوعي بالهوية
تعكس زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أمس، إلى معرض الدوحة... اقرأ المزيد
93
| 22 مايو 2026
بالتعليم المبكر نصنعُ الغد
معلمة الطفولة لا تُخرّج طلابًا فحسب، بل تُسهم في صناعة مستقبل الأمة؛ فهي تبذر البذور الأولى للأخلاق، والهوية،... اقرأ المزيد
54
| 22 مايو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في كل مرة يُطرح فيها موضوع دعم ربات البيوت القطريات، ينقسم النقاش سريعًا بين من يراه "عودة إلى الوراء"، ومن يراه " تصحيحًا لمسار اختل منذ عقود"، لكن السؤال الحقيقي الذي نتجنّب مواجهته هو: لماذا لا نعتبر الأمومة عملاً يستحق الأجر أصلًا؟ لاسيما وأنه يعزز الرعاية الوالدية والتماسك الأسري. نعيش اليوم مفارقة واضحة؛ نحتفي بالإنتاجية في المكاتب، ونقيس القيمة بعدد الساعات خلف شاشات الحاسوب، بينما نتجاهل عملاً يوميًا شاقًا يحدث داخل المنازل، بلا إجازات ولا تقاعد ولا تأمين، عملٌ بإتمامه ونجاحه تنجح الأسرة ويتقدم المجتمع وهو (تربية الأبناء)، وهي ليست مهمة هامشية، بل هي أهم استثمار في أي مجتمع، لأنها تصنع الإنسان نفسه. الواقع يقول إن كثيرًا من النساء لا يؤجلن الإنجاب لعدم الرغبة، بل بسبب معادلة قاسية إما الوظيفة أو الأسرة، فساعات العمل الطويلة، وضغط الأداء، وصعوبة التوفيق بين الحمل ومتطلبات الوظيفة، تجعل خيار الأمومة مكلفًا جدًا، والنتيجة انخفاض في معدلات الخصوبة، وارتفاع في مستويات التفكك الأسري، واعتماد متزايد على العمالة المنزلية في تربية الأطفال. هنا يأتي المقترح الذي يثير الجدل: لماذا لا تُمنح ربة المنزل القطرية التي تختار البقاء في المنزل دعمًا ماليًا لا يقل عن راتب نظيرتها الموظفة؟ قد يبدو الطرح صادمًا للبعض، لكنه في جوهره بسيط؛ إذا كنا ندفع مقابل أي عمل ذي قيمة، فلماذا نستثني العمل الأكثر تأثيرًا على مستقبل المجتمع؟ ربة المنزل لا "تجلس بلا عمل"، بل تقوم بدور متعدد المهام: مربية، ومشرفة، ومديرة منزل، وداعم نفسي، وصانعة بيئة آمنة للأبناء. لا شك بأن الاعتراضات معروفة؛ سيُقال إن ذلك سيُعيد المرأة إلى البيت فقط، أو أنه سيُضعف مشاركتها في سوق العمل، لكن هذا الطرح يفترض أن الخيار الوحيد للتمكين هو الوظيفة، ويتجاهل أن التمكين الحقيقي هو حرية الاختيار، فدعم ربة المنزل لا يعني إجبار المرأة على ترك العمل، بل يعني إزالة الضغط الاقتصادي عن قرارها. الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الجانب الاقتصادي ؛ من خلال التساؤل الذي يقول: هل يمكن للدولة تحمّل هذا النوع من الدعم؟ الإجابة تعتمد على زاوية النظر، فإذا اعتبرنا الأمر تكلفة مباشرة، فقد يبدو عبئًا، لكن إذا نظرنا إليه كاستثمار طويل الأمد في الاستقرار الأسري، وتقليل المشكلات الاجتماعية، وتحسين جودة التنشئة، فقد تتغير المعادلة تمامًا. هناك أيضًا جانب كان لا يُنظر إليه ولا يُعار له اهتماماً حتى انتبه المجتمع والدولة له ودقوا ناقوس الخطر بسببه؛ عندما تكون كثير من المشكلات السلوكية والنفسية لدى الأطفال ترتبط بغياب الوقت الكافي مع الوالدين، لا سيما في السنوات الأولى، ومع تزايد الاعتماد على الخدم، تتحول التربية تدريجيًا إلى "خدمة مُستأجرة"، بدل أن تكون مسؤولية أسرية مباشرة. السؤال الذي يجب أن نطرحه بوضوح: أيهما أخطر على المجتمع أن ندفع للأم مقابل تربية أبنائها؟ أم أن نواصل تجاهل هذا الدور حتى ندفع لاحقًا ثمن التفكك الأسري والمشكلات الاجتماعية؟ ربما حان الوقت لإعادة تعريف "العمل"، فليس كل عمل يُقاس براتب شهري من شركة، وليس كل إنتاج يُقاس بأرقام في تقارير، هناك عمل يُقاس بأثره في الإنسان، في استقراره، في قيِمه، وفي مستقبله. دعم ربات البيوت ليس تراجعًا، بل قد يكون خطوة جريئة نحو الاعتراف بأن بناء الأسرة هو أهم وأسمى وأعظم من أي عمل مؤسسي، فهو مشروع بناء إنسان متمسك بدينه وقيمه وأخلاقه وعاداته وتقاليده، وهي غاية أي دولة وكيان يرغب في الاستثمار الحقيقي في بناء المواطن الذي هو طريق مستقبلها وآمالها. لكن هذا الطرح، رغم وجاهته، لا يمكن أن يُمرّر دون نقاش صريح حول مخاطره المحتملة. فالدعم المالي غير المدروس قد يتحول من أداة تمكين إلى أداة تقييد، إذا أصبح ضغطًا اجتماعيًا يدفع المرأة قسرًا للبقاء في المنزل بدل أن يكون خيارًا حرًا. هنا تكمن الحساسية: كيف نضمن أن هذا الدعم لا يُستخدم لإقصاء المرأة من سوق العمل، بل لمنحها مساحة اختيار حقيقية؟ الحل لا يكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تطبيقها، فبالإمكان تصميم برامج دعم مرنة، تتيح للمرأة الانتقال بين العمل والتفرغ الأسري دون خسائر كبيرة، وتربط الدعم بمراحل عمرية محددة للأطفال، خاصة في السنوات الأولى الأكثر تأثيرًا في تكوينهم، كما يمكن أن يكون الدعم تدريجيًا أو جزئيًا، بدل أن يكون نموذجًا جامدًا "إما عمل أو منزل”. من جهة أخرى، لا بد من الاعتراف بأن سوق العمل نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تكون هناك وظائف أكثر مرونة للأمهات؟ لماذا لا يُعاد تصميم بيئات العمل لتكون صديقة للأسرة بدل أن تكون في صراع معها؟ دعم ربة المنزل لا يجب أن يكون الحل الوحيد، بل جزءًا من منظومة أوسع تعيد التوازن بين الحياة المهنية والعائلية. الأهم من ذلك، أن النقاش يجب أن يخرج من ثنائية "مع أو ضد"، فالقضية ليست صراعًا بين نموذجين للحياة، بل محاولة لإيجاد مساحة عادلة تعترف بقيمة كل دور، هناك نساء يجدن ذواتهن في العمل، وأخريات يجدنها في تربية الأبناء، وكلا الخيارين يستحق الاحترام والدعم. وهناك امثلة من دول متقدمة كألمانيا مثلاً التي تقدم برامج مثل بدل الوالدين (Elterngeld) والتي تمنح دخلًا شهريًا للأم أو الأب عند التفرغ لرعاية الطفل، وقد يصل إلى نسبة كبيرة من الراتب السابق، ويهدف إلى تشجيع الإنجاب وعدم إجبار الوالدين على العودة السريعة للعمل، وأيضاً دولة مثل النرويج تقدم ما يسمى بدل رعاية الطفل (Cash-for-care)، أما فنلندا فتقوم بتوفير بدل رعاية منزلية للأم التي تعتني بأطفالها في البيت وتدعم خيار التربية المنزلية. خلاصة القول، لعل ما نحتاجه فعليًا هو تغيير في الثقافة قبل السياسات، بأن نتوقف عن التقليل من قيمة العمل المنزلي، وأن نكف عن ربط قيمة الإنسان بوظيفته فقط، حينها فقط يمكن لمثل هذا المقترح أن يُفهم في سياقه الصحيح، لا كخطوة إلى الخلف، بل كتصحيح لنظرة مختلة. فاصلة أخيرة قد لا يكون مهماً بأن تكون صيغة ومغزى السؤال المراد أن نسأله بـ "هل ندفع راتبًا للأم ربة البيت" ؟ بل بالسؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله أنفسنا وهو: هل نستمر في تجاهل أهم وظيفة في المجتمع فقط لأنه خيار استراتيجي وحل لمعظم المشكلات الحالية مثل قلة معدل الخصوبة وتعزيز التماسك الأسري؟!!
1425
| 18 مايو 2026
في كل عام، حين تقترب العشر الأُوَل من ذي الحجة، تمتلئ المنابر بالكلام عن فضل الصيام، وكثرة الذكر، وثواب العمل الصالح. لكن ثمة زاوية أقل ضجيجًا، وأكثر عمقًا: لماذا تبدو هذه الأيام وكأنها إعادة ترتيب داخلية للإنسان نفسه، لا مجرد موسم عبادات؟ العجيب أن العشر من ذي الحجة تأتي في زمن لا يشبه رمضان. رمضان يشبه مدينة مضاءة بالكامل؛ الجميع صائم، المساجد ممتلئة، والإيقاع العام يساعدك على الطاعة. أما العشر من ذي الحجة فتشبه مصباحًا صغيرًا في غرفة واسعة، لا يراك فيه أحد. هنا تظهر حقيقة العلاقة بين الإنسان وربه: هل يعبد الله لأن الجو العام ديني، أم لأنه يبحث فعلًا عن معنى أعمق لحياته؟ هذه الأيام لا تغيّر جدول الأعمال فقط، بل تغيّر ترتيب القلب. الإنسان المعاصر يعيش غالبًا تحت ضغط السرعة: إنجازات، رسائل، أخبار، سباق لا ينتهي. حتى روحه أصبحت تتعامل مع الحياة بمنطق “التحديثات السريعة”. لكن العشر من ذي الحجة تأتي كأنها توقّف هذا الضجيج، وتقول للإنسان: “لست آلة إنتاج… أنت روح أيضًا”. ولعل أجمل ما في هذه الأيام أنها تجمع بين حركتين تبدوان متناقضتين: الصعود والتجرد. الحاج يصعد إلى عرفات، لكنه يتجرد من الزينة واللقب والمكانة. الجميع في الإحرام متشابهون، كأن العالم يُعاد ضبطه على الحقيقة الأولى: البشر متساوون حين يقفون أمام الله. حتى الأضحية، التي يراها البعض مجرد شعيرة موسمية، تحمل رسالة نفسية هائلة. القصة ليست في الذبح نفسه، بل في فكرة “التخلّي”. إبراهيم عليه السلام لم يُختبر لأنه يملك ولدًا فقط، بل لأنه كان مستعدًا أن يقدّم أغلى ما يحب إذا تعارض الحب مع أمر الله. هنا يصبح السؤال الشخصي لكل إنسان: ما الشيء الذي يسيطر على قلبي أكثر مما ينبغي؟ المال؟ المكانة؟ الخوف؟ العادة؟ العشر من ذي الحجة ليست فقط أيامًا نضيف فيها أعمالًا صالحة، بل أيام نحاول فيها إزالة ما تراكم فوق أرواحنا. واللافت أيضًا أن هذه الأيام تربط الأرض بالسماء بطريقة مدهشة. ملايين الحجاج يتحركون في مكان واحد، في توقيت واحد، بملابس واحدة، يرددون كلمات واحدة منذ قرون طويلة. المشهد يبدو وكأنه نبض بشري ضخم يذكّر العالم بأن الإنسان، مهما انشغل بالتكنولوجيا والسياسة والاقتصاد، ما زال يحمل داخله حنينًا قديمًا إلى المعنى. لهذا يشعر كثير من الناس في هذه الأيام بشيء لا يستطيعون تفسيره تمامًا. ليست مجرد مشاعر دينية عابرة، بل إحساس بأن الروح تستيقظ بعد تعب طويل. كأن القلب كان مغلقًا بسبب غبار الحياة، فجاءت هذه الأيام لتفتح النوافذ. العشر من ذي الحجة ليست موسمًا إضافيًا في التقويم الإسلامي، بل فرصة نادرة لاستعادة الإنسان من نفسه. أن يتذكر أن عمره ليس قائمة مهام، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما جمعه، بل بما أصلحه داخله. وربما لهذا السبب أقسم الله بها في القرآن؛ لأن بعض الأزمنة لا تكون عظيمة بسبب عدد أيامها، بل بسبب قدرتها على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل، بهدوء يشبه نزول المطر على أرض عطشى منذ زمن طويل.
1230
| 19 مايو 2026
تابعت عبر تطبيق (تابع QMC) التابع للمؤسسة القطرية للإعلام عشر حلقات جميلة للفنان القطري القدير والمبدع السيد غانم السليطي. حيث طرح فيها بعض المشاكل الأسرية والاجتماعية بطريقة جميلة أوصل من خلالها رسائل إلى المشاهدين عن بعض المشاكل التي تصيب بعض الأسر وكيف يتم حلها أو تداركها من البداية قبل أن تشتعل شرارتها وتكبر فتحرق استقرار أسرة مطمئنة. وكان الفنان غانم السليطي قد تطرق لكثير من القضايا الاجتماعية والأسرية والإدارية والسياسية وغيرها في مسلسله الشهير فايز التوش والذي كان يعرض في رمضان بدايةً من 1984 م ولعدة أجزاء لعدة سنوات وقد نال المسلسل نجاحاً باهراً لجرأته في طرح القضايا المتنوعة بطابع كوميدي. وأعتقد أن الكثير من القضايا التي تطرق لها في ذلك الوقت قد تم حلها أو تم حل الكثير منها، منها على سبيل المثال حفريات الطرق التي كانت منتشرة وبصورة كبيرة في شوارع الدولة دون تدخل سريع لإصلاحها بسبب البيروقراطية الإدارية أو لعدم اهتمام المسؤولين بها وربما رمي كل جهة المسؤولية على جهة أخرى، ولكن تبقى الكثير من المواضيع شبه متكررة من ذاك الوقت إلى وقتنا الحالي مع التطور الكبير في استخدام التكنولوجيا ودخول الحاسوب في كل الجهات الرسمية، على سبيل المثال تأخر مواعيد مقابلة الأطباء في المستشفيات الحكومية، العلاج بالخارج وازدواجية المعايير بمن يتم الموافقة عليهم ومن لا يستحقون (والواسطة في هذا الشأن)!!، تأخر بعض المعاملات وطلب بعض الشهادات المعينة في بعض الجهات لعدة أيام مع العلم بأنها سهلة ويسيرة ولكن تبقى الإجراءات عائقاً لها والروتين الحكومي البائس هو المسيطر، كذلك تطرق في مسلسله لسلطة بعض المسؤولين الذين يعتبرون الوظيفة والمنصب الذي يشغلونه كأنه ملكية خاصة ويتعاملون مع الموظفين والمراجعين باستعلاء ولا يطورون طريقة العمل اليومي، وتحدث عن من يتاجرون بوظيفتهم ويستغلونها لمصالحهم الشخصية دون خوف ومراعاة لضميرهم وللقانون أو حتى الخوف من الله سبحانه وتعالى، وغيرها الكثير من القضايا التي كانت تشغل الرأي العام. فكم نحن بحاجة إلى قوانين تردع بعض المسؤولين وتسقطهم من كراسيهم التي يعتبرونها عروشاً للسلطة. وكم نحن بحاجة لإعادة تقييم أداء الإدارات والمديرين في كل الوزارات والهيئات حيث إن من المسؤولين من يجب أن يترقى لمناصب عليا بسبب جهدهم في خدمة المجتمع من خلال وظائفهم وبعضهم الآخر يجب أن يُزال من مكانه ويُطرد لأنه غير كُفْء لهذه الوظيفة. نقطة أخيرة: أبدعت يا بو فيصل في طرحك لتلك القضايا ومحاولة البحث عن حلول فلك كل التحية والتقدير على حسك الوطني وحبك لدولتك، فإن تم إصلاح بعض الأمور فهذا من فضل الله ومن ثم سعيك للتغيير للأفضل. وإن بقيت بعض الأمور على حالها فليس العيب منك ولكن ينطبق قول الشاعر (قد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي) ولكن يبقى الأمل وتحدونا الأماني والتغيير للأفضل. ختاماً: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.
972
| 16 مايو 2026