رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
عطفا على المقال السابق الذي تناول الحديث عن حرية الاعتقاد وإشكالية عقوبة المرتد، والذي بينت فيه ألا تعارض بين حرية الاعتقاد من جهة، ووجود عقوبة للمرتد من جهة أخرى، فقد دار نقاش بيني وبين بعض الزملاء حول المقال السابق في عدة نقاط، رأيت من المفيد طرحها تتمة للفائدة، واستكمالا للمناقشة، ويرى زميلي ما يلي :
- تشبيه الردة بالخيانة العظمى، تشبيه غير مسلم وغير واقعي، بدليل وجود غير المسلمين في الدولة الإسلامية، ولم نعتبر إيمانهم بغير الإسلام ناقصا لولائهم للدولة.
- في البلاد غير الإسلامية حاليا لو منعوا مواطنيهم من الدخول في الإسلام اعتبرنا ذلك موجبا للجهاد للدفاع عن حرية الدعوة، واختيار هذه الشعوب الدين الذي تدين به، واستنكرنا منع الحكام شعوبهم من اختيار الدين الذي يرونه لأنفسهم.
- هل يمكن اعتبار الشرط في صلح الحديبية أساسا للتعامل مع المرتد، من يريد أن يسلم أهلا به، ومن أراد الكفر لا حاجة لنا به.
وقبل الشروع في الرد على ذلك، هناك منطلقان للحديث عن حرية الاعتقاد، وتجريم الردة، والعقوبة عليها.
- الأول: المسلمون ينطلقون من عقائد ثابتة أخبر بها القرآن والسنة من أن الكتب السماوية السابقة أصابها التحريف والتبديل، وأنه لا يوجد كتاب سماوي الآن يوثق بصحته، وأن يد التغيير والتحريف قد عملت في هذه الكتب؛ فلم يعد هناك ما يوثق بصحة نسبته إلى السماء سوى القرآن الكريم، وهذا ما أثبته القرآن الكريم في قوله تعالى " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " البقرة 79. كما اعترف بعض الأحبار والرهبان والقساوسة بوقوع هذا التبديل والتحريف في كتبهم..وهذا المعتقد ينعكس على الانطلاق في قضية المرتد، وأن الإسلام الدين الحق، ويتعذر أن يقال في المرتد: إنه تبين له الحق في غير الإسلام أما قضية الدعوة إلى غير الإسلام فأكبر أهدافها هو محاربة الإسلام والعمل على وقف انتشاره، لاستشعار أصحابها بالخطورة السياسية التي سيترتب عليها انحسار نفوذهم، وليست الهداية والحرص على خلاص الناس من النار هما الغاية والهدف في حقيقة الأمر.
الثاني: إن المرتد الذي اقتنع بينه وبين نفسه ببطلان دين الإسلام وكونه دينا غير سماوي لاقتناعه بدين آخر أو عدم اقتناعه بدين آخر مطلقا يتحمل نتيجة وتبعة موقفه ما دام صاحب حق..ويتحمل العقوبة وأرجح أن تكون تعزيرية..أو يضحك على المجتمع ويقول الشهادة ويبقى على معتقده الذي يرى صوابه ويلقى الله عليه.
وما من صاحب عقيدة صادق إلا ويتحمل من أجل عقيدته؛ فليتحمل إذن إن كان صادقا بحق، ويبقى الحكم على ما أسرت نفسه إلى من يعلم السر وأخفى في الآخرة.
أما إجابتي على ملاحظات زميلي فأذكرها على النحو التالي:
- تشبيه الردة بالخيانة لمسلم كان مسلما ثم ارتد واقعي جدا؛ ولا يقاس عليه غير المسلمين في الدولة الإسلامية؛ لأن هؤلاء متروك لهم حرية البقاء على دينهم، ومكفول لهم حرية الاعتقاد دون إكراه أو إجبار، بخلاف من أسلم طائعا مختارا عالما بالعقوبة إن هو ارتد، أو كان مسلما في الأصل ثم ارتد، فهذا قد أتى جريمة وفق التشريع الجنائي الإسلامي.
والشارع الحكيم يميز في الأسماء والألفاظ تفريقا دقيقا لما يترتب عليها، فيقول: المشرك والكافر والمنافق والمرتد، ثم يميز أهل الكتاب فمنهم المعاهد والمستأمن والمحارب، وإن كانوا جميعا كفارا في المعتقد. وكل هؤلاء لا سبيل للدولة عليهم – باستثناء المحارب - إلا إذا أظهروا العداوة للمجتمع وأتوا أعمالا إجرامية من شأنها تقويض أركان الدولة، ومن يفعل ذلك يعاقب بعقوبة المحارب، وسواء كان المحارب مسلما أو غير مسلم، وﻻ معاقبة على ذات الكفر بدليل وجود اليهود والنصارى والمجوس في ديار المسلمين لا يتعرض لهم أحد، يمارسون شعائرهم، ويظهرون معتقداتهم، وهذا يؤكد أن المرتد يعد خائنا لا بد أن تكون له عقوبة أيا ما كانت، حتى نحافظ على كيان الدولة الموصوفة بالإسلامية، وقد اتفقت كل المذاهب الإسلامية على تجريم الردة وإن اختلفوا في العقوبة وتفصيلها.
أما المرتد سرا فشأنه شأن المنافق، فهو وإن كان كافرا باطنا إلا أنه لا سبيل للتنقيب عما في قلبه، وهذا تطبيق لقاعدة أهل السنة التي تقول: الأحكام تجري على الظاهر والله يتولى السرائر.
- في البلاد غير الإسلامية لا يعيرون مسألة دين المواطنين - أو عدم انتمائهم لدين أصلا - اهتماما إلا أن يسلم الكثيرون، ويشكل الدخول في الإسلام ظاهرة، حينذاك يظهرون العداوة ويتخذون الإجراءات والتدابير للحد من انتشار الظاهرة أو تقليصها.
وفي الواقع حاليا من يسلم من غير المسلمين، أو من يكفر من المسلمين في بلاد غير المسلمين لا أحد يتدخل في هذا الشأن، ولا أحد منا يطالب بالجهاد دفاعا عن حرية الدعوة، نحن نطلب فقط الأمان في بلادنا ويتركوننا وحال سبيلنا، ويفتحون باب الحريات.
- أما اعتبار الشرط في صلح الحديبية أساسا للتعامل مع المرتد، من يريد أن يسلم فأهلا به، ومن أراد الكفر فلا حاجة لنا به.. فأستطيع أن أقول الآن، في حالة توافر الحريات للمسلمين ولغيرهم على حد سواء، وليس فقط تتوافر الحريات لغير المسلمين ونحرم منها نحن، وتتوافر لدينا من القدرات والإمكانات، والمنابر الحرة لشرح الإسلام وتوضيحه، وقتها يمكن أن أقول: إن هذا الشرط يمكن أن يكون مقبولا، وهو ما يتماشى مع الواقع الذي أقرت فيه وثيقة صلح الحديبية، حين قامت للمسلمين دولة على أساس الإسلام، توافرت فيها الحريات، لأننا نوقن حينها أن من يسلم سيسلم بإرادة حقيقية، ومن يرتد يرتد عن بينة، ليس عن ترغيب أو ترهيب، أما الآن فليس من العدل ولا من الإنصاف أن نطرح ذلك، وأدوات التأثير والقوة جميعها بيد غير المسلمين، فضلا عن ضعف المسلمين وفقرهم وجهلهم بكثير من أحكام الإسلام، بفعل أعداء المسلمين، واتباعهم سياسة تجفيف منابع الدعوة، والحيلولة دون توضيح صورة الإسلام الصحيحة، فضلا عن خدمة بعض الدول المسلمة للغرب في هذا المضمار، ومحاربتهم للإسلام والمسلمين، وفتحهم الباب على مصراعيه للتنصير والتشيع والإلحاد والطعن في الإسلام وإثارة الشبهات، في وقت العلماء فيه إما في السجون أو في القبور أو في المنفى، كما لا يخفى على أحد.
فقهاؤنا والقصاص بين المسلم والذِّمِّيِّ
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); اعتاد البعض أن يتخذ من النقائص منهجا عاما ويلصقها بالإسلام وفقهائه، ويجيد الاصطياد... اقرأ المزيد
5758
| 30 ديسمبر 2016
كيف تسقط الأمم؟ وكيف تنهض؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); في تاريخ الأمم يحتاج اللاحق إلى مواصلة جهود وأعمال المؤسسين، لتستمر دولتهم قوية... اقرأ المزيد
1922
| 23 ديسمبر 2016
لا تبك يا حلب.. يا أرض الإباء
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); "الغرب انحاز للشيعة في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ولا شك أن العالم... اقرأ المزيد
597
| 16 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2355
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2271
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1179
| 11 أكتوبر 2026