رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

خليفة آل محمود

- محامٍ ومدون سياسي

مساحة إعلانية

مقالات

1503

خليفة آل محمود

سوريا.. التجربة المخيفة

19 يناير 2025 , 02:00ص

في ظني تعد أكبر معضلة في الملف السوري عند الكثير من الدول أنها حالة فريدة تحدث لأول مرة منذ نهاية حقبة الاستعمار في الخمسينات من القرن الماضي، وبانهيار الجيش السوري تلاشت التوأمة ولأول مرة منذ زمن طويل بين الجيش والسلطة، وسقط حصان طروادة الذي لطالما وظفوه في إجهاض تجارب ناجحة بدءاً من الجزائر وانتهاء بمصر، فقد ألغى الجيش بقوته خيار الصندوق وإرادة الناس، قبل أن استمرّ في مقالي أود أن أذكر هذه المعلومة ففي عام ١٩٥٢ استقلت اليابان وبعدها بأشهر قليلة حدثت ثورة يوليو في مصر، الفرق بين الحالتين أن الجيش في اليابان خرج من عباءة السلطة، وفي مصر أصبحت المؤسسة هي السلطة وهي من تقود الجميع، اليوم في عام ٢٠٢٥ نشاهد نتائج التجربتين بين الريادة في عالم الاقتصاد والرفاهية للمواطن، وبين مجموعة ما زالت تبحث لها عن بصيص أمل في نفق مظلم طويل من دون خريطة طريق حقيقية.

كل تجاربنا الثورية التي قادها العسكر أثبتت حقيقة واحدة، أن الجيش إن لم يكن في مكانه الصحيح فإننا في ورطة كبيرة جدا يدفع ثمنها الجميع، وأن تمركز الجيوش في العواصم هو خطأ على الخريطة وفي الواقع، فمكانه الصحيح على الحدود.

في أحيان كثيرة نجد أننا أمام سلاح ضد الوطن لا لصالحه، لذا لا غرابة في أن الهزائم هي القاسم المشترك بين حروبهم الخارجية كلها، أما الانتصارات فقد تحققت على شعوبهم المدنية المجردة من كل سلاح يذود عنهم، وأقرب مثال لذلك ما حدث في سوريا حين انهار الجيش بعد أن حول الوطن إلى ركام وارتكب مجازر يندى لها الجبين، أما القضية التي لطالما تغنى بها وهي فلسطين فقد كان الحارس الأمين على الحدود الإسرائيلية، قصف وبقسوة إدلب وحلب وحماة وحمص والكثير من المدن والقرى واستخدم الأسلحة المحرمة والبراميل القاتلة، في حين لم يوجه رصاصة واحدة نحو الاتجاه الغربي، وجدير بالذكر أن الجيوش تلك في عبثها تتوارى خلف مبررات لشرعنة عملها، ابتداء من تحرير فلسطين وانتهاء بحفظ الوطن ورد المجموعات الإرهابية التي تريد السوء بالوطن على حسب زعمهم، المهم أن يكون له شرعية وجودية يبرر من خلالها كل ذلك التجاوز في القانون وتعطيل التنمية، وقتل الناس وتشريع قوانين الطوارئ، ولعل المشهد الأكثر سريالية كما يقال حين كان الثوار السوريون يخطفون جنوداً إيرانيين لاستبدالهم بسوريين بعضهم أطفال ونساء يحتجزهم جيش النظام السوري الذي يدعي أنه جيش وطني، ويصف نفسه بحماة الديار.

* تحج الوفود اليوم إلى دمشق وتدعي أنها مشغولة بإنقاذ سوريا، ويقدمون النصائح وما يفترض أن يكون عليه النظام السياسي، صمتوا دهرا ونطقوا كفرا كما يقال، ويلوحون بعصا العقوبات إن مارس السوريين استقلالهم في اتخاذ القرار، نسوا أو تناسوا أنهم في حالة «تكويع» كبرى، أتذكرون حين خرج وزير خارجية دولة عظمى في بداية الثورة ولم يخف معاضدته للسلطة خشية أن يصل السنة العرب إلى السلطة في دمشق نعم بهذه الفجاجة والوضوح، لو كنت من سكان القمر لظننت أن السنة ٨٪؜ فقط من السكان والعلويين ٩٠٪؜ وليس العكس، والغريب أن يصدر التصريح من دولة نسبة المسلمين فيها تقارب الـ ٢٥٪؜ وليس لهم أي وجود سياسي مؤثر فيها.

* الخوف من التجربة السورية ليس البعد الإسلامي لقادته ولتجربتهم الراقية جداً التي أذهلت الجميع في الثورة والحرية فحسب، ولكن أكثر ما يخشاه أعداء الحرية تقديم نموذج تنموي ناجح حقيقي، وطن متميز يعرف كل شخص فيه مكانه المناسب و يسهم في تطور بلده بحق، سوريا البلد الحضاري الرائع، صاحب التاريخ الناصع البياض، لطالما استخدم اسمها فزاعة في أيدي الكثيرين لتخويف من حولهم، «انظروا إلى سوريا، هل تريدون أن تصبحوا مثلها»، كل الإخفاقات الإدارية والسياسية تنتهى بكل سذاجة بذكر هذا المثل، باختصار هم يقصدون ارتضوا بالأمن الذي نوفره لكم وانسوا كل شيء، ذلك التوجيه يخاطب به الشعوب الجائعة والمحرومة من كل حق سياسي واجتماعي واقتصادي، اليوم تحول السلاح ضدهم وصارت سوريا مثلا لتجربة فريدة يطمح إليها كل حر، لم يعودوا يكررون هذا الاسم فقد اقترن هذا الاسم بالتغيرات الكبيرة، ما يفزعهم اليوم التفاتة شعوبهم تجاه دمشق والتماس أي خبر حول ما سيحدث فيها، لذا محاولة وأد التجربة تجرى على قدم وساق وسيبذل من أجلها الغالي والنفيس لأنها بقانون السياسة الذي يتفق مع قانون الغابة «صراع البقاء».

* عوداً على بدء وبعد سنوات طويلة من عسكرة الدول، ووصول الجنرالات لسدة الحكم، نحن اليوم أمام مشهد لشجرة زرعت من سنوات طويلة ولكنها تترنح أمام عواصف التغيرات، زرعت من سنوات طويلة بيد دول لها أطماع في المنطقة، قبل أن أنهي أشير إلى أن هناك هدفا معنويا غاية في الخبث، فتلك المجموعات الساذجة في تفكيرها والمعدومة في القدرات الاقتصادية والإدارية التي قادت الدول لسنوات طويلة، تجعل الكفة راجحة لصالح طرف آخر لطالما كان هو الراعي الرئيسي لمثل هذه التجارب، يقول السياسي الكبير الفلسطيني إدورد سعيد:

وقد نجحت إسرائيل على مدى طويل، لأن المساواة مع دولة إسرائيل أمر غير وارد على الإطلاق، وبأنه لا سلام إلا بالشروط التي تمليها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وقد ساعدت حالة التردي العربية الشاملة على ترويج هذه الأكذوبة، حيث امتصت سنوات الحروب الفاشلة، والجماهير غير المعبأة، وانتشار الفساد، حيوية مجتمعاتنا، وهي مجتمعات معوقة أصلاً بسبب غياب الديمقراطية والمشاركة، والأمل الذي تخلقه هذه المشاركة في نفوس الجماهير، ليختم إدورد ويقول: هذا الفشل اللامحدود مسؤوليتنا جميعا.

مقالات ذات صلة

مساحة إعلانية