رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الشعب الفلسطيني يعيش حالة مأساوية بسبب الاحتلال الإسرائيلي والعجز العربي، لكن المصيبة الكبرى هي افتقاره لقيادة تدافع عن مصالحه ووجوده وحقه في الحياة، ولعل ما يجري في مخيم اليرموك في سوريا أفضل دليل على ذلك.
فنظام الأسد الإرهابي يحاصر المخيم منذ أكثر من عام ونصف، ويشدد عليه الخناق ويمنع دخول الماء والغذاء والدواء منذ 6 أشهر، ويشن على المخيم حرب إبادة تستهدف أكثر من 20 ألف فلسطيني (40 ألف فلسطيني حسب أرقام غير رسمية)، أدت إلى موت 49 فلسطينيا جوعى حتى الآن في الشهور الثلاثة الأخيرة، بمعدل وفاة كل يومين، مما دفع الأمم المتحدة من التحذير من كارثة إنسانية كبيرة في المخيم.
مصيبة الشعب الفلسطيني في "قيادته المفترضة"، أنه اختار زعيم سلطة رام الله محمود عباس، موفدا إلى سوريا لفك الحصار عن مخيم اليرموك، هذا الموفد "مناضل" اسمه أحمد مجدلاني، يشغل منصب "عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والأمين العام لجبهة النضال الشعبي"، لا ندري أين ناضلت، ولا عن أي شعب دافعت، وهي مثلها مثل تنظيمات فلسطينية أخرى جميعها مجرد أسماء، جميع عناصرها لا يكفون لملء حافلة واحدة، وهي لم تكن أكثر من امتداد لهذا النظام العربي أو ذاك، ودائما ما كانت خنجرا في خاصرة الشعب الفلسطيني، فالقوى المحسوبة على الفلسطينيين والتابعة لنظام الأسد في سوريا شنت حروبا على المخيمات الفلسطينية في لبنان.
وأسهمت بحصارها، كما تفعل حاليا"القيادة العامة" بقيادة أحمد جبريل التي تشارك قوات الأسد وميليشيات الدفاع العلوية، وعناصر حزب الله اللبنانية والميليشيات العراقية والحرس الثوري الإيراني بحصار مخيم اليرموك.
"المناضل" مجدلاني اتهم تنظيم القاعدة والمجموعات المسلحة في الجيش الحر بمهاجمة المخيم منذ عام، وهو ذات التصريح الذي أطلقه وليد المعلم، وزير خارجية الأسد في موسكو، وقال مجدلاني ما نصه: "المجموعات المسلحة المتطرفة التابعة لتنظيم القاعدة "داعش والنصرة" في سوريا تتحمل مسؤولية إعاقة إدخال المواد الغذائية إلى مخيم اليرموك، ما أدى إلى وجود كارثة إنسانية داخله.. وهذه الجماعات قامت بتشريد نحو 360 ألف لاجئ فلسطيني من 11 مخيما، و3 تجمعات للاجئين، منذ ديسمبر (كانون الأول) 2012، أغلبهم من مخيم اليرموك"، ولم يفوت مجدلاني الفرصة بالطبع لمهاجمة حماس قائلا: "تنظيمات محسوبة على حركة حماس أمثال أكناف بيت المقدس والعهدة العمرية متحصنة أيضا داخل مخيم اليرموك، وأنا أطالب حماس بإصدار بيان تعلن فيه التبرؤ من هذه التنظيمات".
وأضاف: «حاولنا إخراج الحالات الإنسانية والطبية والطلاب من داخل المخيم، وهو أمر رفضته هذه الجماعات، وواجهته بإطلاق نار، ونحن نعلم من أطلق النار».
كانت هناك محاولة لإدخال مواد غذائية إلى المخيم بالتعاون والتنسيق مع الأونروا والدولة السورية التي وفرت الأمن والحماية لقافلة المساعدات بوفد عسكري يترأسه ضابط رفيع في الجيش السوري، وعبر الطريق التي اختارتها الأونروا ذاتها، وقبيل وصولنا إلى المنطقة المتفق عليها بدأ القصف علينا وجرى إطلاق النار من داخل المخيم».
الرد على تصريحات مجدلاني جاءت من الأمم المتحدة والمعارضة السورية ، وقال متحدث باسم الأمم المتحدة "إن إطلاق رصاص أرغم الأمم المتحدة على إلغاء توصيل شحنة أغذية ولقاحات لشلل الأطفال إلى المخيم المحاصر بعد أن طالبتها الحكومة السورية بالمرور عبر طريق غير مباشر وخطير"،
واتهم عمال إغاثة السلطات السورية بتعطيل الإمدادات إلى المناطق المحاصرة ومنها مخيم اليرموك وتهديد القوافل بالطرد إذا حاولت تفادي العقبات البيروقراطية لمساعدة عشرات آلاف المحاصرين".
وقالت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين (أونروا) إن النظام السوري صرح لقافلة من ست شاحنات بإمداد ستة آلاف شخص بالغذاء وعشرة آلاف شخص بلقاحات شلل الأطفال وبإمدادات طبية لمخيم اليرموك، وقال كريس جانيس المتحدث باسم الأونروا في بيان"إن السلطات السورية طلبت استخدام المدخل الجنوبي لليرموك".
وأضاف " هذا يعني قيادة الشاحنات لمسافة 20 كيلومتراً "عبر منطقة تشهد صراعاً مكثفاً ومسلحاً.."، ومن المعروف أن هذا الطريق تسيطر عليه المليشيات المؤيدة لنظام الأسد.
أما المعارض السوري المستقل فواز تللو فقد وصف تصريحات المجدلاني بأنها مجانبة للحقيقة، وأن مسؤولية ما يحدث في المخيم والمناطق السورية المحاصرة يتحملها نظام الأسد وليس الجيش الحر.
وأكد تللو أن تصريحات مجدلاني جاءت بعد فشله في إقناع النظام بفك الحصار عن المخيم وإغاثة الفلسطينيين وإدخال المساعدات للمحاصرين الذين يموتون جوعاً يومياً.
واعتبر أن هذه التصريحات تصب في مصلحة النظام الذي استخدم تصريحات المجدلاني كغطاء سياسي يبرر له إلقاء البراميل المتفجرة على الفلسطينيين في المخيم بحجة محاربة التنظيمات الإرهابية، وهذا ما حصل فور انتهاء المؤتمر الصحفي للمجدلاني، وأضاف تللو أن تصريحات المجدلاني ستبرر استمرار حصار المخيم الذي بدأ سكانه يموتون من الجوع".
تصريحات المجدلاني التي يبرئ فيها نظام الأسد من جريمة حصار وإبادة الشعب الفلسطيني في مخيم اليرموك، عينة ذات دلالة على الأداء البائس لقيادة منظمة التحرير، ودليل على أن هذه القيادة لا تمثل الشعب الفلسطيني، فلو كانت تمثله لما تركت الفلسطينيين في مخيم اليرموك تحت رحمة ميليشيات الأسد الإجرامية ولا بادرت إلى منح النظام المجرم "صك تبرئة" وغطاء لقصف المخيم بالبراميل المتفجرة.
إن الشعب الفلسطيني منكوب بقيادته المفترضة، بمقدار نكبته من الاحتلال الإسرائيلي ومن إجرام نظام الأسد، وهذا ما يبرر رفع الصوت عاليا للمطالبة بقيادة شرعية تمثل الشعب الفلسطيني.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1656
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1212
| 01 أكتوبر 2026