رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعلنت الرياض عن إطلاق التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب، ليكون التحالف العسكري الإسلامي الثاني الذي تطلقه منذ تولي الملك سلمان بن عبد العزيز حكم المملكة العربية السعودية.
وإذ ضم التحالف الإسلامي الأول –عاصفة الحزم-نحو 10 دول أو أكثر قليلا، وإذ كان مرتبطا بمواجهة الانقلاب العسكري والثورة المضادة للثورة اليمنية –دون غيرها -فقد جاء التحالف الإسلامي العسكري الجديد ليضم 34 دولة إسلامية، كما جاء إعلانا بحركة عسكرية تتوسع بقدر توسع ظاهرة الإرهاب في دول العالم الإسلامي.
لقد جاء الإعلان عن قيام التحالف ليطرح دلالات مهمة أو غاية في الأهمية. فالمملكة العربية السعودية باتت تعزز وضعيتها كدولة قائدة في العالم الإسلامي، وعلى صعيد إستراتيجي عسكري مبادر تحرك صعودا من الساحة العربية والإقليمية إلى الوضع الدولي، إذ الدول الإسلامية المنضوية في التحالف العسكري الجديد تتوزع على قارتي آسيا وإفريقيا.
لقد تحركت المملكة من مربع الدولة القيادية إلى موضع الدولة القائد في تشكيلها وقيادتها التحالفين، والأكثر دلالة أن المملكة لم تعد تستخدم أدوات القوة الناعمة فقط-كما كان معتادا لعقود-بل صارت دولة تستخدم أدوات القوة الصلبة أيضا، والأهم أن العالم الإسلامي يرسل رسائل مهمة على القبول بهذا الدور الجديد للمملكة، سواء لطبيعة التعاطف مع دور المملكة، بحكم الشعور بفراغ كبير على الساحة العربية الإسلامية.
وهي قفزة جديدة وتطور كبير، على صعيد العالم الإسلامي، فإذا انهار النظام الرسمي العربي وصار خارج سياق المعادلات الإقليمية، فالآن يتحرك العالم الإسلامي باسمه ومكوناته وبالقوة العسكرية وفق نمط تحالف هو الجديد من نوعه، على صعيد الحالة العسكرية، وعلى صعيد الحركة على مستو دولي. وبذلك يمكن القول إن المملكة صارت في وضع مبادر لإعادة صياغة العلاقات الإسلامية-الإسلامية، بل إعادة صياغة العلاقات والتوازنات الدولية، وهذا هو سر قلق روسيا وإيران على الأقل.
وإذ جاء التحالف العسكري الإسلامي عنوانا لمواجهة الإرهاب، فقد جاء لافتا عدم ورود أسماء دول مثل إيران والعراق وسوريا، بما يشير لاستمرار أو تصعيد الرؤية السعودية لمواجهة محاولات إيران اختراق الدول الإسلامية وتفكيكها كمجتمعات ودول.
وهنا يبدو أول التحديات التي تواجه التحالف العسكري الإسلامي، إذ الأمر يتطلب وضوحا في الموقف من الميلشيات التي ترعاها إيران، إذ هي تمارس أشنع حالات الإرهاب.لقد كان طبيعيا أن لا يجري التمييز بين الإرهابيين –سنة كانوا أم شيعة أو من أي دين أو عرق-غير أن البعد الغائب دوليا وإقليميا،هو اعتبار تلك الميلشيات إرهابية، إذ انحصر الجهد الغربي والروسي على مواجهة تنظيم الدولة والقاعدة –واعتبرهما تنظيمين إرهابيين- فيما جرى الترحيب بممارسة الإرهابيين الحوثيين والميلشيات الفطرية التكاثر إيرانيا في العراق وسوريا، دون تجريم لما تقوم به من أعمال القتل الجماعي والحرق والإبادة. أول التحديات يتعلق بتصنيف الميلشيات الإيرانية في العراق وسوريا وغيرها كتنظيمات إرهابية.
وثاني التحديات التي تواجهه التحالف الإسلامي ليس مواجهة الإرهاب وفق التوصيف الغربي أو الروسي،فقط، بل مواجهة العملية الأمريكية والروسية والأوروبية التي تخلط بين الإسلام والإرهاب. أما التحدي الثالث فيتعلق بمواجهة الإرهاب الذي يمارس ضد المسلمين تحت ظلال اتهام لهم جميعا بممارسة الإرهاب، والأمر هنا لا يتعلق بالخطاب الموجه للغرب وروسيا وإيران، فقط، بل يرتبط بمواجهة عملية واضحة لأعمال الإبادة الجارية للسنة تحت عنوان مكافحة الإرهاب. التحالف أمام تحدي مواجهة المذابح التي تجرى للمسلمين في العالم، إذ لا إطلاق تحالف عسكري إسلامي، دون اعتبار ما جرى ضد المسلمين في إفريقيا الوسطى أو ميانمار أو غيرها، عملا من أعمال الإرهاب. وذلك وحده هو ما يحول هذا التحالف العسكري الإسلامي من تحالف دول إلى تحالف يحظى بمشروعية جماهيرية ودعم وتأييد من الرأي العام الجاهز لتلقي مثل تلك الرسالة.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
المتأمِّل الفَطِن في المسار العام للسياسة السعودية اليوم يجد أنه مسارٌ مرنٌ ومنضبطٌ في آنٍ معًا؛ مرنٌ من حيث قدرته على التناغم مع المنظومة الدولية القائمة والمفروضة، ومنضبطٌ من حيث حفاظه على أهدافه العليا في استقرار المنطقة. ومن هنا تنبثق جملةٌ من التساؤلات الضرورية: ما موقع دول المحور اليوم؟ وما موقفها مما يجري في المنطقة من حولها؟ وهل ثمة تأثيرات سلبية للمليشيات العسكرية في دول الجوار على طموحاتها ورؤيتها ونهضتها الاستثمارية؟ وكيف تتعامل المملكة العربية السعودية مع دول المحور تجاه ما يجري في الساحتين الإقليمية والدولية، لاسيما في ما يتصل بتمويل الجماعات الانفصالية المسلحة وتقويض أمن اليمن والسودان؟ وفي تقديري أن هذه القضايا جميعها مطروحة على طاولة الاجتماعات السياسية والاقتصادية، عبر لجان التنسيق المشترك التي عقدتها السعودية مؤخرًا مع قطر وتركيا. ومما لا ريب فيه أن تثبيت السعودية وقطر وسلطنة عُمان لدعائم البيت الخليجي، وتحصين هويته التنموية وأهدافه الجيوسياسية من التصدّع، لا يعني بالضرورة استتباب الأمن والاستقرار الكامل، إذ لا يمكن لهذه الدول أن تنعم بالاستقرار وتحقق طموحاتها التنموية بمعزل عن محيطها الساخن، ولا سيما في البلدان العربية. ولا شك أن السعودية تُدرك هذه الحقيقة سلفًا؛ فالاستقرار لا يتجزأ، بمعنى أن استقرار أي بلد لا يكتمل إلا باستقرار البلدان المجاورة، أي عبر الاستقرار الإقليمي، ومن ثم العالمي. وعلى الرغم من الضغوط الكبيرة التي فرضها القطاع الاستثماري الواعد الجديد على المملكة، وما شكّله من ضغطٍ على إمكاناتها المتاحة، فإنها تراقب عن كثب عدة ملفات ساخنة في آنٍ واحد، بل تؤدي دورًا مؤثرًا في اتفاقيات التهدئة. فهي فاعلٌ ومتفاعلٌ في الوقت نفسه؛ فاعلٌ إيجابي عبر أدوار الوساطة والتنسيق وجمع الأطراف المتناقضة على طاولة المفاوضات، ومتفاعلٌ من خلال مرونتها وقدرتها على امتصاص الصدمات المباغتة، خاصة في ما يتصل بالملف اليمني، فضلًا عن مرونتها في التعاطي الدبلوماسي مع الخصوم. إن رياح التغيير السعودية لا تصطدم برياح التغيير الإقليمية أو العالمية، بل تتفاعل معها إيجابيًا، وتتحاشى انعكاساتها السلبية، وهي نقطة تُحسب لصالح الدبلوماسية السعودية، خلافًا لما يراه بعض المراقبين من أنها تحاول التنصّل من القضايا ذات الشأن. فهذه النظرة قاصرة؛ إذ إن المملكة العربية السعودية، وإن تأثرت بسخونة الملفات المحيطة بها، فإن رؤيتها وطموحاتها الواعدة لا تزال قائمة وتسير بثبات، لما تتسم به من مرونة تسمح بالتعامل مع الملفات بصيغ متعددة، واستبدال أدوات السياسة وفق ما يطرأ من متغيرات سياسية أو عسكرية أو اقتصادية.
690
| 21 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
672
| 25 يناير 2026
يُعدّ مبدأ العطاء أحد الثوابت الإنسانية التي تقوم عليها المجتمعات المتماسكة، وقد جسّد الحديث النبوي الشريف «خيرُ الناس أنفعُهم للناس» رؤية أخلاقية عميقة تجعل من نفع الإنسان لأخيه الإنسان معيارًا حقيقيًا للقيمة والأثر. ولا يقتصر هذا النفع على الدعم المادي أو المبادرات الظرفية، بل يتجسد بصورة أعمق في الإيمان بقدرات الآخرين، وتمكينهم من أداء أدوارهم بثقة ومسؤولية. إن الإيمان بقدرات الأفراد يمثل أحد أهم أشكال الدعم المستدام، إذ يسهم في بناء شخصية قادرة على العطاء والمبادرة، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية المجتمعية. فحين يشعر الإنسان بأن هناك من يثق بإمكاناته ويقدّر جهوده، يصبح أكثر قدرة على تجاوز التحديات، وأكثر التزامًا بالمشاركة الإيجابية في خدمة مجتمعه. وتشير التجارب التنموية إلى أن المجتمعات التي تقوم على ثقافة الثقة والدعم المتبادل، تحقق مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي والاستقرار المؤسسي. فالدعم المعنوي، المتمثل في التشجيع، والتقدير، ومنح الفرص العادلة، يعد عنصرًا أساسيًا في إطلاق الطاقات الكامنة، خاصة لدى فئة الشباب، الذين يمثلون عماد الحاضر وأمل المستقبل. كما أن الإيمان بقدرات الآخرين يسهم في ترسيخ قيم التعاون والعمل الجماعي، ويعزز رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في مساراتها التنموية. فالتنمية الحقيقية لا تُبنى بالإنجازات الفردية المعزولة، بل تقوم على منظومة متكاملة يشعر فيها كل فرد بأن له دورًا مؤثرًا ومسؤولية مشتركة. وفي ظل ما يشهده العالم من تحديات متسارعة، تبرز الحاجة إلى خطاب مجتمعي يعلي من قيمة الدعم الإنساني القائم على الثقة والتمكين، بوصفه مدخلًا لبناء مجتمعات قادرة على الصمود والتجدد. فالكلمة الإيجابية، والثقة الصادقة، والإيمان بالقدرات، قد تكون في كثير من الأحيان نقطة التحول في مسيرة فرد، وأثرها يمتد ليشمل المجتمع بأسره. ختامًا، يظل نفع الناس للناس هو جوهر الرسالة الإنسانية، وأحد أهم مقومات النهضة المجتمعية. فحين نؤمن بقدرات بعضنا البعض، وندعم مسارات النجاح، نكون قد جسّدنا المعنى الحقيقي للخيرية، وأسهمنا في بناء مجتمع أكثر تماسكًا واستدامة
627
| 22 يناير 2026