رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

سلمان فارس الأحبابي

- كاتب وباحث في الشؤون الدولية

مساحة إعلانية

مقالات

657

سلمان فارس الأحبابي

حين يرحل الكبار.. ويبقى الأثر

18 يوليو 2026 , 11:52م

هناك رجال تصنعهم المناصب، وهناك قادة يمنحون المناصب معناها. وعندما يغيب من الفئة الثانية، لا يكون الحزن مجرد استجابة لخبر رحيل، بل شعور عميق بفقد مرحلة كاملة من الذاكرة الوطنية والإنسانية. هكذا يبدو وقع رحيل فقيد الوطن الكبير صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي ترك في وجدان أبناء قطر والمقيمين على أرضها مكانة صنعتها سنوات من العطاء، ورؤية تجاوزت حدود الحاضر، وقرب من الناس لم يكن يوماً مشهداً عابراً، بل سلوكاً أصيلاً ارتبط باسمه.

لم يكن الراحل قائداً يُقاس بما أنجزه من مشاريع فحسب، بل بما أحدثه من تحول في مسيرة وطن آمن بإمكاناته، فانتقل بثقة إلى آفاق أرحب من الحضور الإقليمي والدولي. ففي عهده شهدت قطر نقلة نوعية على مختلف المستويات، ورسخت مكانتها لاعباً مؤثراً في محيطها والعالم، واستثمرت في الإنسان قبل العمران، وفي بناء المؤسسات قبل تشييد المباني، حتى غدت تجربتها التنموية والسياسية محط اهتمام وتقدير على الساحة الدولية.

لكن ما يجعل أثر القائد باقياً ليس الإنجاز وحده، وإنما ذلك الخيط الإنساني الذي يربطه بالناس. فقد عرفه أبناء الوطن قريباً من شعبه، يشاركهم أفراحهم، ويقف إلى جانبهم في تحدياتهم، ويؤمن بأن قوة الدولة تبدأ من كرامة الإنسان ورفاهيته. وفي ذاكرة كثيرين، لم تكن صورته صورة الحاكم البعيد، بل صورة الأب الذي حمل هموم وطنه، وأدرك أن بناء الثقة بين القيادة والشعب هو أساس كل نهضة حقيقية. ومن هنا، لم يكن حب الناس له وليد الخطابات، وإنما ثمرة سنوات من الحضور الصادق والحرص على الإنسان، وهو ما جعل مشاعر الفقد تتجاوز حدود الجغرافيا، لتصل إلى كل من عرف قطر، أو عمل فيها، أو لمس أثر نهجها الإنساني ودورها على امتداد العالم.

وفي لحظات الوداع، قد تعجز الكلمات عن مواساة القلوب، لكن عزاء الأوطان يبقى في استمرار الرسالة وحفظ الأمانة. ولعل من أعظم ما يبعث على الطمأنينة أن المسيرة التي أسس لها الأمير الوالد، رحمه الله، تواصلت بقيادة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، الذي واصل البناء على ذلك الإرث، محافظاً على ثوابته، ومضيفاً إليه برؤيته وطموحه، لترتقي قطر بثبات نحو آفاق جديدة من التنمية والريادة والحضور الدولي.

إن القادة العظام لا يغيبون برحيلهم، لأن ما يتركونه لا يُختزل في صفحات التاريخ، بل يعيش في وجدان الشعوب، وفي مؤسسات الدولة، وفي القيم التي غرسوها جيلاً بعد جيل. وسيظل اسم سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، مرتبطاً بمرحلة فارقة في تاريخ قطر الحديث، وبقصة وطن آمن بنفسه، فانطلق بثقة نحو المستقبل. نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه عن وطنه وشعبه خير الجزاء، وأن يديم على قطر نعمة الأمن والاستقرار، وأن يحفظ قيادتها، ويبارك مسيرتها، ويجعل إرث الخير الذي تركه باقياً في حاضر الوطن ومستقبله.

مساحة إعلانية