رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
انتهت أسطورة الأمن القومي الأمريكي بتدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك في 11 سبتمبر 2001 بهجمات إرهابية صاعقة، على إثر ذلك تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق لبحث وجمع أكبر قدر من المعلومات حول تخطيط وتمويل وتنفيذ تلك الهجمات، وانتهت اللجنة إلى تقرير من أكثر من 800 صفحة، ظهر الجدال بشأنه مؤخرًا مع مناقشة الكونجرس الأمريكي لمشروع قانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" الذي يهدف إلى توفير العدالة لضحايا الأعمال الإرهابية التي تُرتكب على الأراضي الأمريكية وتوفير الغطاء القانوني لأهاليهم لإقامة دعاوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية ضد الأشخاص أو البلدان المشتبه في تمويلهم لتلك العمليات الإرهابية. هذا القانون الذي هدد البيت الأبيض باستخدام حق النقض «الفيتو» ضده، يتيح لعائلات الضحايا مقاضاة دول أجنبية خصوصًا المملكة العربية السعودية التي حمل جنسيتها 15 شخصًا من 19 نفذوا الاعتداءات.
المثير في ذلك الموضوع هو حجب الفصل الأخير من التقرير عن الجمهور من قِبل إدارة الرئيس السابق جورج بوش لأسباب تتعلَّق بالأمن القومي، ليستمر التقرير محاطا بجدار من السرية حتى الآن، ويتكون ذلك الفصل من 28 صفحة وأصبح يُعرف في الأوساط الإعلامية بتقرير الـ28 صفحة، ويتناول - بزعم الإدارة الأمريكية - دور المملكة العربية السعودية في تلك الهجمات؛ لذلك يطالب أقارب ضحايا هجمات 11سبتمبر بحقهم في الاطلاع على ذلك الجزء من التقرير، لإتاحة الفرصة لهم بحسب قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب لممارسة حقهم القانوني في رفع دعاوى على المملكة العربية السعودية لمطالبتها بتعويضات مالية عمَّن فقدوهم في أحداث التفجيرات استنادًا لما أثبته تقرير الـ28 صفحة.
ماذا لو صادق البرلمان الياباني على قانون يسمح لليابانيين بمحاكمة أمريكا ومطالبتها بتعويضات عن خسائر هيروشيما وناجازاكي، وماذا لو فعلت كل الدول التي عانت من ويلات الاستعمار الشيء نفسه، ماذا لو تبنى البرلمان الجزائري قانونا يستطيع الجزائريون من خلاله المطالبة بتعويضات عن جرائم 130 سنة من الاستعمار ومليون ونصف مليون شهيد؟ ماذا عن العراق؟ وأفغانستان، فيتنام..إلخ.
ما تقوم به أمريكا هذه الأيام فيما يخص قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب هو بكل بساطة وسيلة جديدة للضغط والابتزاز وهو قانون عار من كل منطق قانوني أو شرعي. وإذا كان القانون الذي وافق عليه مجلس النواب والكونجرس موجها للسعودية مباشرة فالمحاكم الأمريكية لم تنجح منذ الحادثة إلى يومنا هذا رغم جهودها المضنية والمكثفة في إدانة شخصيات اعتبارية سعودية؛ وربطها بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. قضايا أهالي الضحايا فشلت لأسباب قانونية صرفة، ويفترض أن تشكل مجتمعة، سابقة تمنع المتضررين من رفع مزيد من القضايا ضد جهات لا علاقة لها بالإرهاب وأحداث تفجير برجي التجارة العالمية، فالسعودية اليوم تعاني معاناة كبيرة من الإرهاب والعمليات الإرهابية ورغم أن 15 شخصا ممن تفذوا أعمال 11 سبتمبر 2001 هم سعوديون فهذا لا يعني أن المملكة مسؤولة عن أعمالهم ومطالبة بالتعويض وهي الدولة التي تبرأت منهم.
إن فتح باب مقاضاة الدول بعد رفع الحصانة عنها من قبل الأفراد سيفتح باب جهنم على الأمريكيين أنفسهم، وهو ما حذر منه المتحدث باسم البيت الأبيض، حين قال:«لدي قلق كبير أنه سيكون هناك تأثير سلبي على الأمن القومي الأمريكي وعلى أمن المواطنين الأمريكيين في جميع أنحاء العالم، والسبب أن دول العالم قد تستخدم هذا التشريع ذريعة لسن قوانين مماثلة تضع الولايات المتحدة والشركات، والمواطنين في خطر». المملكة العربية السعودية ليست بحاجة إلى إعادة تأكيد براءتها من أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأي تهمة أخرى على علاقة بالإرهاب، طالما أن المحاكم الأمريكية أثبتت ذلك من قبل، إضافة إلى موقف المملكة المعلن من الإرهاب ومحاربتها له، وتضررها المباشر منه، غير أن التعامل مع المتغيرات التشريعية والقانونية يجب أن يتم وفق معايير دقيقة تضمن تحييد الخطر مهما تضاءلت نسبة حدوثه.
مشروع «العدالة ضد رعاة الإرهاب» قد يكون حبل المشنقة الذي يلف على رقبة صاحبه، فقضايا الإرهاب المعلنة لا تخلو من الجانب الاستخباراتي الذي يُعتقد أن الأجهزة الغربية فاعلة فيه، إضافة إلى إرهاب الدول الذي يكيف اليوم على أنه تدخل لحماية الشعوب وإنقاذها وفرض الديمقراطية، وهو لا يعدو أن يكون تدخلا لتدمير الدول والشعوب وإسقاط حكوماتها ونهب ثرواتها. سيأتي اليوم الذي يحاكم فيه كل من تسبب في تدمير العراق وسوريا وليبيا ونشر جماعات الإرهاب فيها، والتخطيط لتدمير مصر والأردن والجزائر وتونس وفق قانونهم المسمى بـ« العدالة ضد رعاة الإرهاب»، سينقلب السحر على الساحر وتنجلي الحقيقة أمام العالم بأسره.
وبقراءة الواقع السياسي الأمريكي نجد أن إثارة هذا الموضوع في هذا الوقت تحديدًا، واختلاق ذلك الجدل، جاء بشكل مُخطَّط ومتعمَّد لأسباب عدّة نلخصها فيما يلي: التغطية على الفشل الأمريكي في إدارة أزمات منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي خلال فترة رئاسة باراك أوباما، خصوصًا في ظل ما وصلت إليه العلاقات الأمريكية العربية من توتر يحدث لأول مرة في التاريخ خصوصًا مع السعودية، الضغط على الرياض بعدما عصَفَت سياسة الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود بالأهداف الأمريكية في اليمن والبحرين، ورفضها التفاوض مع إيران كقوة إقليمية في المنطقة. تحقيق مكاسب مالية ضخمة لشركات التأمين الأمريكية ومكاتب المحاماة العملاقة التي تولَّت مهمة الدفاع عن ضحايا الهجمات لتعويض ما دفعته من أموال طائلة للضغط على الكونجرس للموافقة على إصدار مشروع القانون المذكور.
لقد اتخذت أمريكا من هجمات 11 سبتمبر ذريعة لإحداث التغيير اللازم لإحكام السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، فقد قامت في أبريل 2005 بإعداد خطة "الثورة الخلاَّقة" لتشكيل الشرق الأوسط الجديد كردَّة فعل مباشرة على ذلك الهجوم الإرهابي، بهدف استبدال الأنظمة العربية القائمة باعتبارها سببًا مباشرًا لأعمال العنف والإرهاب والتطرف الذي يهدّد الأمن القومي الأمريكي والعالم بأنظمة تعددية ديمقراطية. وكانت مملكة البحرين من الدول المستهدفة ضمن ذلك المخطط، لتكون منطلق إسقاط منظومة مجلس التعاون الخليجي، إلا أن ذلك لم يتحقَّق رغم الضغوط الكبيرة التي تعرَّضت لها مملكة البحرين من أطراف دولية وإقليمية معروفة وواجهتها المملكة بحكمة ومرونة ودبلوماسية، وفي تعليق عن القانون قال الأمين العام لجامعة الدول العربية: "إن القانون يتضمن أحكاما لا تتوافق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة أو مع القواعد المستقرة في القانون الدولي، ولا يستنِد إلى أي أساس في الأعراف الدولية أو القواعد المستقرة للعلاقات بين الدول ولا تقر، تحت أي ذريعة، فرض قانون داخلي لدولة على دول أخرى". أما الرئيس الأمريكي باراك أوباما فعلق قائلا: "إذا فتحنا الباب لحرية مقاضاة الحكومات الأخرى فإننا سنفتح الباب أمام الأفراد في الدول الأخرى لمقاضاة الولايات المتحدة".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12126
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
9117
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3432
| 22 أكتوبر 2026