رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حسن المدني الندوي

- باحث أكاديمي في الجامعة الإسلامية بإندونيسيا

مساحة إعلانية

مقالات

246

د. حسن المدني الندوي

الرسالة الآفاقية للأسوة الحسنة

16 أكتوبر 2026 , 12:00ص

إن معراج أي أمة وذروة ارتقائها يكمنان دائماً في تصورها للكمال، ولا شك أن تصور الكمال لدى المسلمين يرتكز بأكمله على نقطة مركزية واحدة، ألا وهي: الذات المحمدية على صاحبها أتم الصلاة والسلام. لقد أوجز القرآن الكريم هذا التركيز العميق في مصطلح قرآني بليغ وهو «الأسوة الحسنة». ففي سورة الأحزاب، وتحديداً في تلك الآية التي تنزلت في اللحظات العصيبة والملتهبة من غزوة الخندق، حيث كان الخوف يضرب حصاره حول المدينة المنورة والقلوب تبلغ الحناجر، جاء القول الإلهي الحاسم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. لم تكن هذه الآية الكريمة مجرد عبارة ثناء عابرة، بل كانت بمنزلة حجر الأساس لبناء وتوجيه حضاري متكامل. ولكن المأساة تكمن في أننا، وعبر رحلتنا الطويلة عبر القرون، أخطأنا قراءة هذا النقش الأول؛ فظننا أن «الأسوة» هي مجرد الوعاء أو القالب الشكلي، في حين أنها كانت المضمون والجوهر. لقد فضلنا القالب على الروح، وهذا هو الخسران المبين الذي يترك غصة ونواحاً صامتاً في قلب كل طالب علم يمتلك بصيرة ووعياً. 

وإنه لمن فواجع التاريخ الإسلامي أن نرى كيف بالغ كُتّاب السيرة والمحدثون الأجلاء في التركيز على الأوصاف والشمائل الظاهرية للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قدموا لنا تراثاً هائلاً وضخماً في السيرة النبوية يعج بآلاف الروايات المتعلقة بهيئته، وقيامه، ولباسه، وطعامه، وطريقة جلوسه، وغيرها من الأمور الثقافية والبيئية. والمشكلة ليست في نقل هذه التفاصيل، بل في أننا جعلنا من التقليد الأعمى لهذه الجزئيات مرادفاً لمفهوم «الأسوة الحسنة». لقد كان هذا النهج السطحي والمجافي لجوهر الحقيقة مكلفاً للغاية، إذ دفعنا ثمنه بأن أقصينا تماماً تلك الرسالة الأبدية والآفاقية التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم لإنقاذ البشرية جمعاء وإصلاح حالها. ففي الوقت الذي كان فيه الهدف الأسمى لمقدمه صلى الله عليه وسلم هو إقامة مجتمع متوازن، عادل، ومبني على المساواة في هذا العالم المادي، وكان مقصده الأول تحرير رسالة الله الخاتمة والأبدية من قيود الزمان والمكان لإيصالها إلى عقول وقلوب البشر؛ غرقنا نحن اليوم في أكوام الروايات المنقولة وتفاصيل الإسلام الشكلي، لدرجة أننا بتنا نعجز عن فهم المعنى الحقيقي لـ «روح الإسلام». وهو ما عبر عنه الفيلسوف الشاعر محمد إقبال بأصدق الكلمات حين استشعر هذا الألم المستمر قائلاً: «لقد ضاعت الحقيقة في زحام الخرافات، وتاهت هذه الأمة في غياهب الروايات».  

لفك هذه العقدة المستعصية، يجب أن نتأمل بعمق في الموضع القرآني الذي ورد فيه هذا المصطلح. إذا عدنا إلى الآية ٢١ من سورة الأحزاب، وتتبعنا سياقها التاريخي والتفسيري عند كبار المفسرين كالإمام الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والرازي في «التفسير الكبير»، سنجد حقيقة واضحة: لقد نزلت هذه الآية في الأجواء المرعبة والخانقة لغزوة الخندق (الأحزاب). 

كان ذلك هو الوقت الذي تجمعت فيه كل قبائل العرب، بتواطؤ مع يهود المدينة، لمحو الدولة الإسلامية الوليدة من الوجود. اجتمعت قسوة الطقس، والجوع، ومؤامرات المنافقين لتصنع حصاراً رهيباً وصفه القرآن البليغ بقوله: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}. في خضم هذا الرعب والظلام الدامس، يُقال للمسلمين: إن لكم في رسول الله «أسوة حسنة». في هذا الموقف بالذات، لم تكن الأسوة الحسنة تعني أبداً طول ثوبه، أو طريقة لفه لعمامته، أو تفضيلاته في الطعام؛ بل كانت تعني ذلك العزم الحديدي، وتلك الاستقامة الراسخة كالجبال الرواسي، والتوكل المطلق على الله، والشجاعة الباسلة، ووقوفه جنباً إلى جنب مع الصحابة يحمل التراب كأي عامل كادح في حفر الخندق. الأسوة كانت في عدم التخلي عن العدل والإنصاف رغم الجوع القارس، وفي رفع معنويات أمته كقائد عظيم في أشد الأزمات حلكة.

هذه هي الأسوة الحسنة الحقيقية؛ تلك التي تتجاوز قيود الزمان والمكان لتصبح منارة مشعة لكل حاكم، وقائد عسكري، وإنسان بسيط في كل عصر. أما تقزيمها وحبسها في دائرة ضيقة من العادات والسنن الشكلية، فهو في الحقيقة جناية علمية كبرى بحق القصد القرآني. وإذا قلبنا صفحات التاريخ القديم، ستتجلى لنا الحقيقة ساطعة بأن الجاذبية الحقيقية للإسلام لم تكن قط في طقوسه الظاهرية، بل في رسالته التأسيسية القائمة على التوحيد والعدل والحرية.

وخلاصة القول أن «الأسوة الحسنة» ليست اسماً يطلق على محاكاة إقليم بعينه، أو تقليد أمة محددة، أو استنساخ ثقافة معينة. بل هي حقيقة حية، خالدة، وديناميكية تنبض بالحياة. إنها التجلي البشري للأخلاق الإلهية الكونية. وإذا أردنا اليوم أن نخرج من مستنقع الأزمات المعقدة، والشتات الفكري، والتدهور الروحي الذي نعيشه، فلا بد لنا من كسر قيود هذا التصور المحدود والمتعصب للأسوة الحسنة، والذي فرضته علينا قرون من التقليد الأعمى والجمود الفكري. يجب علينا أن نكتشف من جديد روح الأسوة الحسنة؛ تلك الروح المتجسدة في إعلاء العقل، وإرساء التسامح، والرحمة، والعدالة الاجتماعية، واستعادة الكرامة الإنسانية. وما لم نتعلم كيف نميز بين الأوعية العربية التي تعود للقرن السابع الميلادي وبين الرسالة الإلهية الأبدية التي تحتويها، فسنظل هكذا واقفين في مفترق طرق التاريخ، تائهين حيارى، ولن يفيدنا بكاؤنا ونحيبنا حين نردد: «دع أنهار الدماء تسيل من العيون، فهذا مساء الفراق». إن الروح الحقيقية للأسوة الحسنة وخلود الرسالة المصطفوية تكمن فقط في أن نحطم هذا القالب الشكلي الخارجي، لنتبنى ونعتنق ذلك اللب والجوهر الذي يمثل سبيل النجاة ومصدر الرحمة لكل إنسان في كل زمان ومكان.

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية