رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما يحدث الآن في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا له مكونات جيوسياسية، في هذا الجانب، فإن الولايات المتحدة وأوروبا سيرون أنفسهم بمرآة ماضيهم تحت قيادة بوتين، لم تعزز روسيا اقتصادها فحسب، بل زادت قوتها العسكرية أيضاً، ربما لم تكن لديها القوة العسكرية من قبل ولكنها قوة إقليمية.
لقد كان فلاديمير بوتين دقيقاً جدا في خطابه في أعقاب ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا عندما قال: "مجرد معرفة تاريخ شبه جزيرة القرم فإنه يتضح جلياً أن شبه جزيرة القرم كانت دائما ولا تزال جزءا لا يتجزأ من روسيا، وبالتالي ينبغي ألا يندهش القادة الغربيون مما حدث مؤخرا هناك".
حرب القرم عام 1854، نشأت مع نشوء نزاع بين المسيحيين الأرثوذكس الذين تحميهم الأرثوذكسية الروسية من جهة، وبين الكاثوليك الذين كانوا تحت الحماية الفرنسية. كان النزاع حول من سيحصل على السيطرة على كنيسة المهد وكنيسة القيامة في القدس.
إلى جانب ذلك، كانت لحرب القرم مكونات جيوسياسية تسيطر على البحر الأسود. بعد كل ما حدث، ما يجري فعلا في أوكرانيا والقرم حالياً هو شبيه لما حدث في تلك المنطقة في عام 1830، عندما تدخلت روسيا القيصرية في بولندا لسحق التمرد. في ذلك الوقت كان هنالك العديد من الآراء، وقد ذكر الشاعر الروسي الشهير ألكسندر بوشكين موضحاً لتلك الآراء: "هذه معركة بين عرق "السلاف". وإن الغضب القديم جداً لن يقرره المعارضون لروسيا". ففي تلك المناطق يوجد حجم كبير من العلاقات الاقتصادية والثقافية والدينية والعائلية مع روسيا، وكما قال بوشكين، تلك الشعوب أيضا مثلها الأعلى هو عالم "السلاف".
أحداث الأشهر الأولى من عام 2014 حين تم ضم شبه جزيرة القرم إلى روسيا، والوضع الحالي في أوكرانيا، قد يؤديان إلى تقسيم هذه الأمة إلى ثلاث ولايات مختلفة. الأولى هي شرق أوكرانيا، تلك المنطقة الأكثر تقدماً صناعياً، ويعد حوالي 80٪ من سكانها ناطقين باللغة الروسية ويرغبون في الانضمام إلى روسيا. في المقابل، هنالك وسط أوكرانيا حيث تقع العاصمة الفعلية كييف وهنالك نجد وضعاً مختلفاً، فاللغة الرئيسية هي الأوكرانية ولكن هناك خليط من الناس، البعض يفضل أن يكون جزءا من أوروبا، والبعض الآخر يفضل أن يكون جزءًا من روسيا. ربما في المستقبل، سوف تكون هذه المنطقة منطقة عازلة بين روسيا وأوروبا من حيث قواعد حلف شمال الأطلسي. وبالتالي فإن إستراتيجية بوتين لوسط أوكرانيا ستكون مختلفة وتوجيهها نحو تحقيق نظام فيدرالي، حيث ستكون مختلف المحافظات تتمتع باستقلالية كبيرة عن الحكومة المركزية. في إطار هذا المخطط يمكن أن يكون لدى روسيا نفوذ سياسي كبير.
وأخيراً الولاية الثالثة هي أوكرانيا الغربية مع وجود مدينة "لفوف" كمركز حضري رئيسي، حيث معظم السكان يرغبون في أن يكونوا جزءاً من أوروبا.
منذ انفصال أوكرانيا عن الاتحاد السوفيتي، كانت إدارة الاقتصاد كارثية وهذا هو أحد أسباب الحركة الانفصالية على الأرض. وجاء الأمر الآخر عندما أطيح بالرئيس يانوكوفيتش وتم تثبيت حكومة الأمر الواقع، في تلك اللحظة تم تشكيل الوضع السياسي من قبل قوى وطنية وقوى الوضع القائم، وكان من الممكن تجنب الوضع في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا لو أدركت الولايات المتحدة وأوروبا مسبقاً أن عملية توسيع حلف شمال الأطلسي لقواعده لها حد أقصى وهو أوكرانيا. فمن الأولى أن نفهم أن روسيا لن تسمح أبداً بذلك. فقبل نصف قرن حدث ما حدث عندما حاول الاتحاد السوفيتي تثبيت قاعدة الصواريخ في كوبا التي ليست سوى 90 ميلا من البر الرئيسي للولايات المتحدة الأمريكية. الولايات المتحدة لن تسمح أبداً بمثل هذا الشيء.
كما حدث في الماضي، ما يحدث الآن في شبه جزيرة القرم وأوكرانيا له مكونات جيوسياسية. في هذا الجانب، فإن الولايات المتحدة وأوروبا سيرون أنفسهم بمرآة ماضيهم. في الماضي صنعت الولايات المتحدة الأمريكية النتيجة المباشرة لثيودور روزفلت لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، الآن روسيا تصنع النتيجة المباشرة لأوراسيا.
وتظهر تحاليل الأوضاع أن الرئيس بوتين قد لعب لعبة الشطرنج هذه بمهارة. وبدلاً من ذلك فإن الرئيس أوباما حتى هذه اللحظة لعب بشكل يظهر قيودا في حركته. أحد أسباب ذلك هو الانقسامات في آراء أقرب مستشاريه. لقد لعب هذه اللعبة دون "عصا" تيدي روزفلت، ومضرب البيسبول الذي كان في يده عندما دعا رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان. ولعل الرئيس أوباما يدرك أن خياراته في شبه جزيرة القرم محدودة، وهو يعلم أيضاً أنه ليس صحيحاً أن الولايات المتحدة على المدى القصير يمكن أن تستبدل الغاز الذي تستورده أوروبا من روسيا. ولكن وراء كل تلك العناصر الوضع الحقيقي هو أن الولايات المتحدة لا تريد أن تكون لها حرب ساخنة ولا حرب باردة مع روسيا.
أكثر من ذلك بكثير معرفة أنه على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، ما لديك هو شريك أوروبي ضعيف اقتصادياً وعسكرياً ولديه مصالح اقتصادية مع روسيا. فلنأخذ ألمانيا كمثال، الألمان يعلمون أنهم يعتمدون على الغاز الروسي، ولكن أيضاً لديهم حوالي 7000 شركة لديها أعمال تجارية مع روسيا. وإذا نظرت إلى الوراء والتاريخ والقيم الداخلية للمجتمع الألماني، ستستنتج أنهم يقعون بين الشرق والغرب. هذا هو السبب أن نتائج استطلاع أجري حديثاً أشار إلى أن نسبة 49% من الألمان يريدون لبلادهم اتخاذ موقف وسط في هذه المسألة مع روسيا. ولكن هذا أيضاً يحدث مع الفرنسيين، حيث إن لديهم عقودا تصل إلى 1.6 مليار دولار مع روسيا لمعدات عسكرية، وفي الواقع فإن لديهم قيادة سياسية ضعيفة جداً لن تكون قادرة على اتخاذ قرار بشأن هذه المسألة الصعبة.
مع ذلك فإن تحت تلك العوامل، الحقيقة الواقعية هي أن الأهمية المستقبلية للمنطقة البحرية في شبه جزيرة القرم تكمن في أنها من المحتمل أن تكون غنية بالنفط والغاز، النفط والغاز اللذان ينتجان في هذه المنطقة وفي منطقة القطب الشمالي لابد من نقلهما عبر هذا الطريق البحري إلى الأسواق الرئيسية في آسيا وأوروبا.
بالإضافة إلى احتياطات نفط شبه جزيرة القرم، هنالك منطقة القطب الشمالي، وهي منطقة تحتوي على أكبر احتياطات على مستوى العالم من النفط والغاز المكتشف وغير المكتشف. أكثر من نصف تلك الاحتياطات تقع في المنطقة التي تنتمي إلى روسيا، وذلك النفط سيتعين أيضاً نقله عبر الطريق البحري الشمالي من شبه جزيرة القرم.
في ظل الظروف الراهنة، تحتاج الولايات المتحدة إلى حل قضايا إيران وسوريا للحفاظ على السلام في أفغانستان بعد الانسحاب، وكذلك حل القضية الفلسطينية مع إسرائيل. في تلك المسائل سيتعين على الولايات المتحدة طلب مساعدة من روسيا.
هذا يعيد إلى الواجهة أنه من الأفضل كثيرا بالنسبة للولايات المتحدة الاتفاق مع روسيا بشأن تلك القضايا مقابل السماح لشرق ووسط وغرب أوكرانيا أن يقرروا ما إذا كانوا يرغبون في البقاء موحدين أو أنهم يرغبون في الانضمام إلى الاتحاد الروسي، وهذه مبادلة جيدة لكلا الجانبين. البديل الآخر بالنسبة للولايات المتحدة هو أن تبدأ حرب باردة جديدة مع روسيا مع كل ما تحمله من آثار سلبية لكلا الجانبين ولبقية العالم، وهذا الخيار الأخير ينبغي تجاهله بشكل واضح.
سيتعين على الرئيس أوباما التغيير وتحسين إستراتيجيته الحالية من أجل تحقيق أفضل نتيجة في لعبة الشطرنج.
إن لاعبي الشطرنج الجيدين يلعبون على كلا جانبي لوحة الشطرنج، وعندما يرون أن الفوز مستحيل، يركزون على إنهاء المباراة على "الطاولة".
لو كنت الرئيس أوباما، فإن لعبتي ستكون موجهة لأكون قادراً على صنع ما يسمى "المقايضات" مع بوتين والنتيجة ستكون عادلة.
خبرة قطر في مونديال 2026
تنتظر جماهير الساحرة المستديرة مباريات منتخباتها في كأس العالم 2026، وفي ذاكرتها فعاليات أفضل نسخة مونديالية في التاريخ،... اقرأ المزيد
231
| 09 يونيو 2026
دعم مساعي تحقيق السلام الشامل
تعكس المواجهة العسكرية التي جرت بين إسرائيل وإيران خلال الساعات الماضية، مدى هشاشة الوضع في المنطقة، حيث تستمر... اقرأ المزيد
102
| 09 يونيو 2026
انقض غزلك!
ليس بالضرورة أن تكون الخطوب الجسام، أو عاديات الأيام، هي ما يستنزف روح المرء أو ما يقضم من... اقرأ المزيد
174
| 09 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في حياتنا اليومية نمرّ بمواقف كثيرة تجعلنا نقف بين صوتين داخلنا؛ صوت القلب وصوت العقل. أحيانًا يميل الإنسان إلى مشاعره فيتخذ قرارات سريعة بدافع الحب أو الغضب أو الحزن، ثم يكتشف بعد فترة أنه أخطأ التقدير. لذلك قيل دائمًا: “فكّروا بعقولكم وليس فقط بقلوبكم”، لأن العقل هو النور الذي يرشد الإنسان عندما تتشابك المشاعر وتختلط الحقائق. القلب جميل، وبدونه تصبح الحياة جافة وخالية من الإحساس، فهو مصدر الرحمة والحنان والمحبة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح القلب وحده هو القائد لكل قراراتنا. فكم من إنسان سامح كثيرًا حتى كُسر، وكم من شخص وثق بمن لا يستحق فقط لأنه استمع لعاطفته، وكم من قرار اتُّخذ في لحظة انفعال فترك أثرًا طويلًا من الندم. المشاعر وحدها لا تكفي لنعيش بأمان، لأن العاطفة قد تعمينا أحيانًا عن رؤية الحقيقة. أما العقل فهو القادر على الموازنة، وعلى رؤية الأمور من جميع الزوايا. العقل لا يعني القسوة كما يعتقد البعض، بل يعني الحكمة والوعي والتفكير قبل اتخاذ أي خطوة. الإنسان العاقل لا يندفع خلف كل كلمة يسمعها، ولا يصدق كل مشاعر يعيشها، بل يتوقف قليلًا، يفكر، يحلل، ثم يقرر. وهذا ما يجعل قراراته أكثر استقرارًا وأقل ألمًا. وكثيرًا ما تظهر أهمية العقل في الأوقات الصعبة، خاصة عند مرض شخص قريب وعزيز على قلوبنا. ففي لحظات الخوف والقلق قد نتخذ قرارات بدافع المشاعر فقط، دون تفكير هادئ أو استشارة صحيحة، ثم نندم لاحقًا عندما تظهر نتائج تلك القرارات. أحيانًا يحكمنا الخوف فنرفض علاجًا، أو نوافق على أمر دون دراسة، أو ننهار نفسيًا فنفقد القدرة على التفكير السليم. لذلك في أوقات الألم نحن بحاجة لأن نتمسك بالعقل أكثر، لا لأننا بلا مشاعر، بل لأن الموقف يحتاج حكمة حتى لا تكون نتائج القرار وخيمة علينا وعلى من نحب. كثير من المشاكل الأسرية أو الاجتماعية بدأت بسبب لحظة غضب لم يتحكم فيها العقل. كلمة قيلت دون تفكير قد تهدم علاقة سنوات، وقرار متسرع قد يغيّر حياة كاملة. لذلك نحن بحاجة لأن نعطي لعقولنا فرصة قبل أن نتصرف. ليس ضعفًا أن نتأنى، وليس برودًا أن نفكر، بل هو نضج يحمي الإنسان من أخطاء كثيرة. وفي المقابل، لا يعني استخدام العقل أن نتخلى عن مشاعرنا أو نصبح بلا قلب. الإنسان المتوازن هو من يجعل العقل قائدًا، والقلب داعمًا. فالعقل يحدد الطريق الصحيح، والقلب يمنح هذا الطريق إنسانية ورحمة. عندما يتعاون الاثنان، يعيش الإنسان بسلام داخلي ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثبات. في النهاية، القلب قد يقودنا للحب، لكن العقل يحمينا من الألم. والقلب قد يدفعنا للتسامح، لكن العقل يعلّمنا متى نتوقف. لذلك اجعلوا مشاعركم جميلة، لكن لا تسمحوا لها أن تعميكم عن الحقيقة. فالحياة تحتاج قلبًا يشعر… وعقلًا يفكر.
4980
| 02 يونيو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2697
| 02 يونيو 2026
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام رمضان؟ ولماذا نستطيع في تلك الأيام أن نترك عادات سيئة، ونلتزم بالصلاة، ونقرأ القرآن براحة وطمأنينة… ثم بعد انتهاء الموسم نعود أحيانًا كما كنَّا؟ هذه المواسم ليست عبثًا، بل جعلها الله محطات متكررة لإعادة ترتيب حياتنا من الداخل. رمضان كان ثلاثين يومًا من التدريب الحقيقي على الصبر والانضباط وتزكية النفس، ثم جاءت العشر المباركة والحج بعده بفترة قصيرة لتعيد شحن القلب من جديد وكأن الله يمنحنا فرصة أخرى حتى لا تبهت أرواحنا وسط زحمة الحياة. لكن السؤال الأهم: كيف نستفيد فعلًا مما مضى؟ وكيف نجعل أثر رمضان والحج يستمر معنا؟ وكيف نحافظ على أنفسنا من العودة للعادات والسلوكيات السيئة التي حاولنا تركها؟ رمضان لم يكن مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل كان تدريبًا عمليًا على التحكم بالنفس. خلال ثلاثين يومًا تعلّمنا أن الإنسان قادر على تغيير عاداته إذا امتلك الإرادة. استطعنا أن نبتعد عن أشياء اعتدناها سنوات، وأن نقترب من القرآن والصلاة والدعاء والهدوء الداخلي. ثم جاءت أيام الحج والعشر المباركة لتذكّرنا بمعنى الطهارة الحقيقية، والتجرد لله، والشعور بأن الدنيا أصغر من أن تستحق كل هذا التعلق والانشغال، لبسنا الإحرام ومشينا ورمينا واستعدنا ذكريات جدنا إبراهيم الخليل صلوات ربي وسلامه عليه وعلى نبينا محمد. هذه المواسم ليست لحظات مؤقتة فقط، الدين يهتم بالسلوك بالعادات والتعامل بعلاقتك مع الآخر، الدين ليس ركوعا وسجودا فقط، الدين معاملة ونهج حياة. ولذلك فإن أهم محطة يجب أن نتوقف عندها بعد رمضان والحج هي "المراجعة". ماذا تغيّر فينا؟ ما العادة التي استطعنا كسرها؟ ما العبادة التي قرَّبتنا من الله؟ ما الشيء الذي شعرنا معه براحة وطمأنينة حقيقية؟ كثير من الناس يظنون أن التغيير يعني أن يصبح الإنسان كاملًا، بينما الحقيقة أن الاستمرار أهم من الكمال. فالله يحب العمل الدائم وإن كان قليلًا. ليس المطلوب أن تعيش بنفس قوة رمضان طوال السنة، لكن المطلوب ألا تنقطع تمامًا بعده هذا شي مهم جداً. ولكي نحافظ على الأثر الجميل لهذه المواسم، نحتاج إلى بناء عادات صغيرة وثابتة، فمثلاً صفحة قرآن يوميًا، ركعتا قيام ولو لدقائق، أذكار الصباح والمساء، صدقة بسيطة، أو حتى المحافظة على الصلاة في وقتها. هذه الأعمال الصغيرة تشبه القطرات التي تحافظ على حياة القلب مهما كانت الحياة مزدحمة. ومن الأمور المهمة أيضًا أن ننتبه للبيئة التي حولنا. فالإنسان يتأثر بمن يجلس معهم وبما يراه ويسمعه يوميًا. لذلك فإن الصحبة الصالحة، والمجالس الطيبة، والابتعاد عن كل ما يعيدنا للعادات السيئة… كلها أسباب تساعد على الثبات والاستمرار. كما يجب أن نفهم أن العودة لبعض الأخطاء لا تعني الفشل. كل إنسان يضعف ويتعثر، لكن الفرق الحقيقي بين الناس هو سرعة العودة إلى الله وعدم الاستسلام. الطريق إلى الله ليس طريقًا بلا أخطاء، بل طريق مليء بالمحاولات والرجوع والتوبة والاستمرار. لقد خلق الله لنا رمضان كفلتر ينظف القلب خلال ثلاثين يومًا، ثم أتبع ذلك بالعشر المباركة والحج بعد شهرين تقريبًا حتى تبقى الروح متصلة بالله وحتى لا نغرق طويلًا في انشغالات الدنيا. وكأن هذه المواسم محطات صيانة للقلب يعود فيها الإنسان إلى نفسه، ويعيد ترتيب أولوياته ويتذكر لماذا خُلق وإلى أين يسير. فالسعيد حقًّا ليس من تأثر في رمضان فقط، أو بكى في عرفات فقط، بل من حمل أثر تلك الأيام معه بعد انتهائها. من أصبحت عبادته سلوكًا وأخلاقه نهج حياة وقلبه أهدأ وعلاقته بالله أقرب وأصدق. نسأل الله أن يجعل أثر رمضان والحج باقيًا في قلوبنا وأن يرزقنا الثبات بعد الطاعة والاستمرار بعد المواسم لأن الفرص لها عدد فلا تضيعها لكنك لن تجد ما تقوله لربك إذا وقفت بين يديه.
2298
| 02 يونيو 2026