رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عامر العيص

مساحة إعلانية

مقالات

78

عامر العيص

وداعاً يا أمير العرب

16 يوليو 2026 , 11:38م

أمير الشرق، تبكي فراقك أمة العرب لا قطر وحدها؛ تبكيك غـزة هذا المساء، وتستعبر دمشق، وترثيك بيروت، تحزن عليك صنعاء، وتترحم عليك تونس، وتتألم مصر، تودعك بالدمع عيون إفريقيا، وتتألم لفقدك آسيا، ويحزن عليك الشرق دون أن يعرف التوسط!

لستُ قطرياً ولم أزر قطر لكنني عربي أحب كل الصادقين من رجال هذه الأمة، وأفخر بقادتها العظماء الذين يأتي في طليعتهم أمير قطر الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي عاصرتُ -كما عاصرتم- إنجازات عالمية كُتبت للعرب على يده، وسجل عبر عقود من المحن مواقف عظيمة في الدفاع عن شرف هذه الأمة بكل صدق وشجاعة وثبات.

لا يستطيع المرء أن يكون عربي الهوى في هذا الزمن إلا وتحتل قطر وأميرها الراحل القلب والعقل، ويفرض عليك هذا الأمير محبته وإجلاله؛ رجلٌ همته لم تقف عند حدود قطر، كان أكبر من الجغرافيا، وأعظم أثراً من المساحة، كان عظيماً في كل مواطن العظمة، وكان شاسعاً كما تقتضي الرجولة والشهامة العربية!

شعرتُ للوهلة الأولى من وقوع عيني على خبر رحيله فقدمت الشك على التصديق، لعل هذه الحسابات التي تنشر نبأ وفاة الأمير الوالد حمد بن خليفة تصنع اسمها بالكذب على الأسماء الكبيرة،

أقنعتُ نفسي أن موت الرجل كذبة إلكترونية وإشاعة عابرة، وربما وددتُ من كل قلبي أن يكون خبر وفاته مجرد إشاعة!

سرعان ما فتشتُ عن البث المباشر لقناة الجزيرة أبحث عن الخبر اليقين! فلما فتحتُ الجزيرة استعبر القلب ودمعت العين وهي تقرأ يقين وفاتك، فتمثلتُ قول الشاعر:

طوى الجزيرةَ حتى جاءني خبرٌ *** فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ

حتى إذا لم يدع لي صدقُه أملاً *** شرقتُ بالدمع حتى كاد يشرقُ بي!

كيف هان على الجزيرة أن تذيع خبر موتك اليوم، وأنت الذي كنت خبر حياتها قبل ثلاثة عقود؟!

كيف لم تتلعثم الجزيرة في إذاعة وفاتك وأنت من وهبت الجزيرة حق الكلام؟! كيف لم ينطفئ ضوؤها ولم يشعر بالارتعاش أثيرها، وأنت الذي منحت هذه الشمس الضوء ومنحت هذا الأفق الشروق؟!

الجزيرة التي ركنت أخبار العالم جانباً وجعلتك النشرة الوحيدة لانك العالم كله!

لا ألوم الجزيرة إذا انصرفت نحوك بكل أخبارها وتلت نعيك في كل نشراتها القادمة، ولا غرو أن تصرف كاميراتها عن كوكب الأرض لتنعي كوكب العرب!

فلتلتحف الجزيرة بالحزن، ولترثي الأمير حمد بن خليفة أكثر مما رثت الخنساء أخاها صخراً، فما ولدت قبيلة صخر مثل حمد وإن ولدت الأكابر! فليسد الحزن وحق لكم البكاء، فلا الخنساء بحجم الجزيرة في الصوت والأثر، ولا صخر مثل حمد في الكرم والخلود.

أعيدي نشرات الحزن فلن تبكي هذه الشاشة مثل حمد؛ طالما بكت الجزيرة كل الراحلين شرقاً ومغرباً، اليوم فقط رأيت الجزيرة تبكي نفسها كما تبكي البنت الرؤوم أباها العظيم.

الجزيرة التي ولدت على أرض قطر بإرادة الأمير حمد في خريف عام 1996م، فطاب الزرع وطاب الحصاد، فكان "كل الصيد في جوف الفَرَا".

الجزيرة لم تكن مجرد قناة عادية في تاريخ العالم العربي، إنما كانت إحدى التحولات الكبرى وأحد مشاريع الأمة في الدفاع عن الحق والكرامة والوجود، كانت بمثابة الضوء الذي تسلل إلى عقل الإنسان العربي ليفسح أمامه الطريق لنهضة تلحقه بركب العصر، الجزيرة كانت يقظة عربية لا يستطيع أن ينكر هذه الحقيقة إلا جاحد أو حاسد، فرحم الله الشيخ حمد الذي أبدع هذا الصرح.

رحيلك يا أمير العرب سوف يحزن ملايين العيون في أرض الرباط في فلسطين، تلك الأرض الجريحة الأسيرة التي كنت سند الحق فيها يوم ركن هذا العالم للباطل.

لن ينسوك يا حمد:

أنت الزعيم العربي الوحيد الذي زرت غزة وهي تحت الحصار،

أنت الذي احتضنت وواسيت ورحمت، وكلما أراد العدو أن يطفئ غزة بالهدم والتدمير عاد حمد بالبناء والتعمير،

كلما بكت عيون أبناء غزة دموعاً ودماً كانت تمتد يد قطر لتعالج الجرح وتمسح الدمع وتبذر الأمل.

حسبك من الحب في هذا العصر أن تحبك غزة، ويكفي من الصدق أن يشهد لك قادتها، سوف تدعو لك أمهات الشهداء، سوف تُرفع الأكف تطلب لك الرحمة والمغفرة لأنك كنت ابن فلسطين كما كنت ابن قطر.

فإن لم تبكِ العيون على رجل مثل الشيخ حمد، فبربكم على من تبكي؟!

دعوتُ خَدنَيّ من دمعٍ ومن جَلَدٍ *** فأسعفَ الدمعُ لكن خانني الجلدُ

تذكر كتب الأدب العربي قصة أعرابي فقير جائع زار ذلك الأمير الكريم، فلما دخل على الرجل وشرح حاجته، أجزل له الرجل في العطايا وبالغ في كرمه ومده بالآلاف المؤلفة من الدراهم، أضعاف ما كان يتوقع ويريد.

أخذ الأعرابي المال وانصرف وهو يبكي، فقال له الرجل: «مِمَّ بكاؤك يا أعرابي؟

أهو استِقلالٌ بالمال الذي أعطيناك أم ماذا؟»

فرد الأعرابي قائلاً: «لا يا مولاي، ولكنّي أبكي على مثلك كيف يأكله التراب وتواريه الأرض».

كيف يأكلك التراب وتواريك الأرض ؟!

يا حزن القصيد ويا وجع الكلمات.

ثم ذكَّر قول الشاعر:

لَعَمرُكَ ما الرَزِيَّةُ فَقدُ مالٍ *** وَلا فَرَسٌ تَموتُ وَلا بَعيرُ

وَلَكِنَّ الرَزِيَّةَ فَقدُ حُرٍّ *** يَموتُ لِمَوتِهِ خَلقٌ كَثيرُ.

كل التعازي لسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد والشعب القطري بوفاة الأمير الوالد حمد بن خليفة، الذي تشاطرهم قلوبنا العربية الإسلامية الحزن والمواساة.

فليت كل حكامنا حمد، وليت كل دولنا قطر.

رحمة الله عليه وأسكنه الفردوس من جنانه.

مثلك حي بمآثره، حي في قلوب الناس ودعواتهم.

وداعاً يا أمير العرب.

مساحة إعلانية