رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

موسى عساف

مساحة إعلانية

مقالات

57

موسى عساف

عظم الله أجرك يا وطن

16 يوليو 2026 , 01:00ص

عندما يرحل الرجال، لا تطوى صفحة من حياتهم، بل يطوى فصل كامل من ذاكرة وطن وشعب وأمة، قادة يترك غيابهم فراغًا في قلوب من عرفوا أثرهم، أو عاشوا زمنهم، أو شهدوا كيف يمكن لرؤية رجل أن تغير وجه وطن.. هكذا كان الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله.

في صباح مثقل بالحزن، استفاقت قطر والعالم على خبر صاعق، لم يكن رحيل شخصية عامة أو قائد، بل كان وداع الأب المؤسس لمرحلة استثنائية من تاريخ قطر الحديث. رجل ارتبط اسمه بأكبر تحولات شهدتها قطر خلال العقود الأخيرة.

رحلت الابتسامة الهادئة وبقيت الإنجازات تتحدث عنه، حيث آمن الأمير الوالد بأن الأوطان تبنى بالإنسان، لذلك كان الاستثمار في الإنسان قبل الحجر، وفي العقل قبل البنيان، وفي المستقبل قبل الحاضر.

في عهده كانت قطر تعيد تعريف دور الدولة العربية في القرن الحادي والعشرين، حيث تحولت إلى واحدة من أهم القوى الاقتصادية في المنطقة بفضل رؤية بعيدة في استثمار مواردها، ورسخت حضورها السياسي والدبلوماسي، وفتحت أبوابها للعلم والمعرفة، حتى أصبحت المدينة التعليمية نموذجًا عالميًا، وأصبحت الدوحة محطة للحوار، ومنصة للدبلوماسية، وعنوانًا للمبادرات الإنسانية.

ولأن الإنسانية في صلب فكر الأمير الوالد، فلم يكن الأثر حبيس الحدود؛ فكم من طفل عاد إلى مقاعد الدراسة لأن مشروعًا إنسانيًا حمل اسم قطر.. وكم من مريض وجد العلاج.. وكم من أسرة استعادت سقف منزلها.. وكم من منكوب شعر أن هناك من يمد إليه يد العون دون سؤال عن جنسية أو دين أو عرق.

من غزة إلى السودان، ومن لبنان إلى البوسنة، ومن آسيا إلى أفريقيا، ترك الأمير الوالد بصمات إنسانية يصعب حصرها بالأرقام، لأن قيمة العطاء لا تقاس بما ينفق، بل بما يزرعه في النفوس من أمل، وما يحفظ للإنسان إنسانيته وكرامته.

من الصعب أن نتحدث عن الأمير الوالد دون أن نستحضر حضوره الإنساني، فقد عرفه من التقى به بقربه من الناس، وهدوء حديثه، وإنصاته، وتواضعه، وحرصه على تشجيع الشباب وأصحاب المبادرات، وإيمانه بأن لكل إنسان فرصة يستحقها، صفات جعلت محبته تتجاوز حدود السياسة، لتستقر في القلوب.

قطر اليوم لا تبكي قائدًا فقط؛ بل تبكي أحد أبرز رجالاتها، فيما تستعيد الأمتان العربية والإسلامية سيرة رجل أسهم في بناء الجسور، وآمن بالحوار، وجعل من التنمية رسالة، ومن الإنسان غاية.

إن بعض الرجال يكتبون أسماءهم في صفحات التاريخ، لكن قلة منهم يكتبونها في وجدان الشعوب.

ومن البحرين، التي تجمعها بقطر أواصر الأخوة والجوار والمصير المشترك، نتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة إلى حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر، وإلى الأسرة الحاكمة الكريمة، وإلى حكومة قطر وشعبها العزيز، في هذا المصاب الجلل.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجزيه خير الجزاء على ما قدم لوطنه وأمته والإنسانية، وأن يلهم أهله ومحبيه والشعب القطري الكريم جميل الصبر وحسن العزاء.

رحم الله الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني...

ورحم الله الرجال الذين إذا رحلوا، بقيت أوطانهم تروي حكاياتهم جيلاً بعد جيل.

مساحة إعلانية