رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دمج وزارة الثقافة والتراث ووزارة الرياضة والشباب لا يخدم مصالح قطر كقوة ناعمة
يجب تصحيح الصورة المغلوطة بقصد أو بدون قصد عن دولة قطر وعن هويتنا وتراثنا بعيداً عن معترك السياسة والاقتصاد
علام "سَيُلَّحِق" الوزير؟ على الفعاليات الرياضية أم الثقافية؟ على التمثيل الخارجي أم الحضور المحلي؟
أصدر سمو الأميرالمفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الشاب الحكيم ذو النظرة الاستشرافية، خليفة أمير المجد حمد -حفظهما الله- مطلع هذا العام أمراً بتعديل مجلس الوزراء تضمن دمج عدد من الوزارات ذات الصِّلة في خطوة موفقة لترشيد الاستهلاك ونبذ الازدواجية من جهة وكردة فعل ذكية لتدهور أسعار النفط من جهة أخرى.
ولكني أود أن أبدي وجهة نظري المتواضعة من منطلق ميولي الثقافية واهتمامي بالتراث والمتاحف والحضارات الإنسانية وحرصي على صورة قطر وشعبها أمام العالم. كما أُدَّعِم وجهة نظري بتحليلي للانطباع المتأصل عند الكثير من الأجانب عنا من خلال حديثي معهم في أسفاري أو أثناء الدراسة أو عبر مشاهدة قنواتهم وبنتائج دراسة كلفنا بها في الفوج الأول للقيادات الصاعدة.
فأنا أجد أن دمج وزارة الثقافة والتراث ووزارة الرياضة والشباب لا يخدم مصالح قطر كقوة ناعمة ولا يعزز المكانة الدولية التي تبوأتها، حيث أصبحنا الشغل الشاغل للإعلام العالمي ومحط أنظار العالم أجمع بلا مبالغة. إن هاتين الوزارتين تحديداً هما الأهم للحكومة القطرية حاضراً، فجميعنا يعلم زخم الروزنامة الرياضية القطرية ويعي الحاجة لاستقلالها بوزارة مختصة. من الصعب ضم مسؤوليات ومهام هاتين الوزارتين الحيويتين اللتين تقع على عاتقهما مسؤوليات جِسَام من تمثيل الدولة في الفعاليات العالمية المستمرة طوال العام إلى تصحيح الصورة المغلوطة -بقصد أو بدون قصد- عن دولة قطر وعن هويتنا وتراثنا بعيداً عن معترك السياسة والاقتصاد.
وعلام "سَيُلَّحِق" الوزير؟ على الفعاليات الرياضية أم الثقافية؟ على التمثيل الخارجي أو الحضور المحلي؟ هل سينظر سعادته في أحوال المثقفين وهمومهم أم سيدرس قضايا الرياضيين المختلفة جملةً وتفصيلاً! فالثقافة شأن مستقل له خصوصياته الحساسة ولا يمكن توحيد أمورها مع الرياضة. ثم يُتهم الوزير ظلماً بالتقصير في الحضور أو بالتركيز على جانب وإهمال الآخر، يقول -سبحانه- "ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه" ولا أشكك في أداء سعادة الوزير صلاح بن غانم العلي، فهو -وإنجازاته تشهد- من خيرة الرجال، ولم يقصر ولم يهمل أي فئة تحت مظلة وزارته، ولكني أتكلم عن دمج الوزارتين بصورة عامة وعن صفة وزير الثقافة والرياضة وليس عن شخص سعادته الذي هو قدوة في المهنية.
في وجهة نظري لابد من استعادة وزارة الثقافة في الحكومة القطرية، ولكن بمسمى جديد ومضمون أعم وأشمل، ليصبح مسمى الوزارة "وزارة الثقافة والسياحة والتراث". أجد أن هيكل الوزارة يحتاج للتوسيع ليضم تحت مظلته كافة الجهات المعنية بتراث وحضارة وهوية الدولة، ولعل أبرز هذه الجهات: هيئة متاحف قطر وهيئة السياحة ومركز التراث والهوية وإدارة سوق واقف. فإن لم شمل هذه الجهات ذات الفحوى والسمات المشتركة سيحقق نفعاً جماً وسيمنع الازدواجية -أو التعددية- فيما يخص صورة وهوية دولة قطر والمواطن القطري كما وسيقي من اللَبس والدخائل على عناصر ومكونات تراثنا.
كان لي شرف الاختيار ضمن الفوج الأول بمركز قطر للقيادات، حيث قسمنا إلى مجموعات للعمل على المشروع النهائي. المشاريع كانت عبارة عن دراسة عدد من التحديات لرؤية قطر ٢٠٣٠ ووضع التوصيات المناسبة، وقد وقع على عاتق فريقي الذي انتخبني الإخوة والأخوات الأفاضل فيه لقيادته لإنجاز المشروع، دراسة تحدي "الحفاظ على الهوية القطرية والتقاليد". المهم أنه خلال الدراسة لاحظنا تعدد الجهات المعنية بالتراث والثقافة، طبعاً وزارة الثقافة والفنون والتراث كانت أبرزها ولكن في المقابل وجدنا أيضاً على مسرح الأحداث لاعبين كبارا آخرين منهم: هيئة متاحف قطر، هيئة السياحة، مركز قطر للتراث والهوية، سوق واقف، كتارا! فكان منهكاً لفريق العمل التوجه لكل من هذه المؤسسات على حدة والحصول على المواعيد وعمل مقابلة مع كل مسؤول وفي النهاية يكون الكلام مكرراً!.
ماذا لو جاء باحث أجنبي ليكتب عن تراث قطر، خصوصاً مع سطوع نجمها كقوة ناعمة ومنارة لاستضافة أحداث عالمية كبرى، إلى أين سيتوجه وكم من الوقت سيلزمه لينجز بحثاً منطقياً عن هويتنا وتراثنا! وماذا لو أقيم حدث عالمي يخص التراث فلمن ستوجه الدعوة؟ وعلى سبيل المثال لو ستشارك وزارة -ولتكن الاقتصاد- في معرض تجاري وأرادوا أخذ بعض الكتيبات عن قطر لإهدائها للمشاركين الأجانب، فمن أين سيحصلون على المطبوعات التثقيفية؟ من مركز التراث أو وزارة الثقافة ولا هيئة المتاحف أو... والمؤسف ومن أوجه الهدر التي يمكن تفاديها - سواء هدر الجهد أو المال أو الوقت- أن لكل من هذه الجهات مطبوعات تصدر عنها، تعددت أشكالها ومضمونها واحد.
وأثناء عملنا بالمشروع صادف أيضاً أن طرح مركز قطر للتراث والهوية ورشة حول الرواية الشعبية، ومن الطرائف أن إحدى إدارات وزارة الثقافة طرحت بعدها بأسابيع قليلة نفس الورشة تماماً، ولكنها على ما أذكر تحت مسمى "ندوة الرواية الشعبية"! ثم -مثلا- إذا طالعنا كتيبا عن المأكولات الشعبية القطرية فسنجد حتماً اختلافاً في المسميات وعناصر أخرى في إصدار كل مؤسسة لأن فرق العمل مختلفة.
إذاً ضم هذه الجهات في وزارة مستقلة "وزارة الثقافة والسياحة والتراث" بات ضرورياً لما في ذلك من ترشيد للموارد وتضافر للجهود لتوحيد الرؤية والأهداف والرسالة وصورتنا في المحافل العالمية المختلفة، فدولة قطر تحت المجهر لبروزها كقوة ناعمة وكوجهة سياحية مما يستدعي انتقاء الصورة التي نُصَدِرها عنا والحرص على تكوين انطباع إيجابي عند من يزورنا، فهناك الكثير من الأفكار المغلوطة عن ثقافتنا وعن المرأة القطرية ومكانتها.
ويمكن ضم هذه الجهات في شكل إدارات مستقلة تتمتع بصلاحيات عمل كبيرة، بهدف تشجيع الابتكار وكسر البيروقراطية وهو أمر محبذ في مجال الثقافة والفنون، ويمكن حتى أن يكون لكل إدارة شعارها تحت الشعار الرئيسي للوزارة وتحت الإدارة اللامركزية العليا للوزارة التي في النهاية ستضمن توحيد المضمون والصورة الكبيرة وإن اختلف الشكل من إدارة لأخرى، وهنا تجدر الإشارة إلى حسن اختيار وزير ويفضل وزيرة من الجيل الحديث الداعم لمثل هذا المنهج، وتَكُون عالية الثقافة والتأهيل لتبرز بشخصيتها الجوانب المشرفة لهويتنا وما وصلت له المرأة القطرية من علم وانفتاح على العالم، مع حفاظها على تقاليدها التي تفخر بها والتي لم ولن تكون عائقاً لتطورها. وتتمتع بحس فني يؤهلها للتحاور في هذا المجال، وملمة بثقافات الشعوب واهتماماتهم لتخاطبهم عن تراثنا باللغة الأقرب إلى قلوبهم، وتَكُون مهتمة بالمشاركة بل مبادرة لعمل معارض وندوات تتحدث فيها وتبرز من خلالها تقاليدنا العريقة وثقافتنا المستنيرة، والله الموفق.
هل وصلنا إلى مرحلة المعاناة من العنصرية والتهميش في عقر دارنا؟!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أساس البلاء أن مدير مكتب اليونسكو في الخليج العربي شخص أجنبيلقد أصبح الأجانب... اقرأ المزيد
1583
| 14 أبريل 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9390
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2139
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026