رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهد هذا الأسبوع ذكرى مرور عام على الاضطرابات التي حدثت في البحرين العام الماضي، والتي كانت قد اندلعت عندما أطلق ناشطون بحرينيون دعوات عبر صفحتهم على موقع الفيسبوك "ثورة 14 فبراير في البحرين"، دعوا فيها إلى احتجاجات شعبية واسعة في البلاد، مستلهمين انتفاضات الربيع العربي الذي انتشر وعم أنحاء كثيرة في مختلف بلدان الشرق الأوسط، في محاولة للحاق بركب قطار التغيير السريع الذي انطلق من أولى محطاته في تونس.
خرج آلاف البحرينيين إلى الشوارع في تظاهرات ومسيرات احتجاجية في 14 فبراير من العام الماضي، مما دفع السلطات لإرسال قوات الشرطة ومكافحة الشغب لتفريق المتظاهرين، وأدى ذلك إلى صدامات دامية بين الجانبين كانت نتيجتها مقتل عدد من الأشخاص وإصابة مئات آخرين.
واستمرت الاحتجاجات الشعبية طوال الأيام اللاحقة، وطلبت الحكومة البحرينية الاستعانة بقوات درع الجزيرة المشتركة، وذلك بهدف تأمين المنشآت الاستراتيجية وحماية البنية التحتية الرئيسة من الفوضى التي اجتاحت البلاد وللمساعدة في حفظ الأمن.
ومع ذلك، فإن وصول قوة درع الجزيرة زاد من تفاقم الوضع وتزايد الاحتجاجات، مما اضطر جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة في نهاية الأمر إلى إعلان حالة الطوارئ في البلاد. وفي 18 فبراير من العام الماضي، تم تدمير "دوار مجلس التعاون"، مركز الاعتصام الرئيس للمتظاهرين الكائن في قلب المنامة والمعروف باسم "دوار اللؤلؤة"، من قبل القوات الحكومية.
وفي يونيو من العام الماضي، تم رفع حالة الطوارئ، وقام الملك حمد بتكوين اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق وذلك للتحقيق في الأحداث التي وقعت في البحرين في الفترة من فبراير 2011، والنتائج المترتبة على تلك الأحداث.
ولكن، ورغم مرور عام على تلك المظاهرات والاحتجاجات الشعبية في البحرين، فإن الأزمة في البلاد ما تزال تراوح مكانها ولم تحل.
وقد بدأت الحكومة البحرينية بالفعل بإجراء بعض الإصلاحات بما في ذلك الحد من السلطة التنفيذية، ومنح البرلمان دورا أكبر في وضع الموازنة العامة للدولة واقتراح القوانين، بجانب منح أعضاء مجلس النواب المزيد من الصلاحيات التي تمكنهم من محاسبة واستجواب الوزراء، بالإضافة لحصول النواب على المزيد من الحماية التي تعزز حصانتهم البرلمانية وتقيهم شر الإقالة.
ورغم هذه التطورات الجديدة، إلا أن تطبيق هذه الإصلاحات على أرض الواقع لا يزال بطيئا، وأن كثيرا من المحتجين ما عادوا يصدقون هذه الوعود.
إنه لأمر مؤسف حقا، فالبحرين كانت من أوائل الدول في مجلس التعاون الخليجي التي بدأ فيها تطبيق إصلاحات سياسية، وفي عام 1973، أشرقت على البحرين أشعة شمس مشرقة لحياة نيابية واعدة بصدور أول دستور برلماني سياسي، وفي نفس العام قامت أول انتخابات برلمانية. وفي الواقع، فإن سجل البحرين الحافل بالإصلاحات السياسية هو أفضل بكثير من بعض دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي عام 2000، بعد أن خلف جلالة الملك حمد والده في الحكم، قام بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات فمنح العفو للمعارضين، وحل محاكم أمن الدولة ووضع ميثاق العمل الوطني البحريني، وهي وثيقة تمت الموافقة عليها في استفتاء شعبي عام والتي أشارت بوضوح إلى الإصلاحات الدستورية في البلاد.
وهنا يكمن السؤال: ما الذي حدث إذاً في البحرين؟ فكما هو الحال مع انتفاضات مماثلة في المنطقة العربية، بدأت الاحتجاجات في البحرين لأسباب اجتماعية واقتصادية وارتفاع معدل البطالة في البلاد، ووفقا لكتاب حقائق العالم (ورلد فاكت بوك) الذي تصدره وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)، فإن معدل البطالة في البحرين قدر بنسبة 15? في عام 2005. وهناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء في البلاد، كما أن البحرين أيضا تعاني من التنامي المضطرد في معدل المديونية العامة الذي يبلغ حاليا 75.3? من إجمالي الناتج المحلي للبلاد.
يجب أن تجد البحرين حلولا ومعالجات لمشاكلها الاقتصادية باتباع سياسات اقتصادية إصلاحية وتعزيز عدالة اجتماعية تلبي تطلعات الشعب وتهدئ من روع الاحتجاجات الشعبية القائمة.
وقد تم بالفعل وضع " نسخة خليجية من خطة مارشال" لمساعدة البحرين وسلطنة عمان، الدولة الخليجية الأخرى التي ضربها زلزال الاحتجاجات، من أجل مساعدة اقتصادات الدول المعنية وذلك بضخ سيولة ضخمة لتضييق الفوارق التي أفضت إلى الانتفاضات والاحتجاجات الشعبية في البلدين. وتم تخصيص مبلغ 10 مليار دولار للبحرين لتطوير المساكن والبنية التحتية خلال عشرة أعوام، كما تعهدت خطة مارشال الخليجية بإيجاد فرص عمل للمواطنين.
إذا كانت الحكومة البحرينية تريد حل الأزمة، فإن عليها في المقام الأول معالجة السبب الرئيس الذي قاد للاحتجاجات هناك - والذي هو في الأساس ذو طبيعة اقتصادية، فهناك حاجة إلى تحسن اقتصادي سريع، وينبغي تطوير البنية التحتية في البلاد، ومنح الناس مساكن جيدة، وعليهم إرساء قيم العدالة والمساواة والبعد عن التمييز بكل أشكاله وتحسين المعايير الاجتماعية والمعيشية كما يجب إتاحة المزيد من فرص العمل للمواطنين، ففي ظل إصلاحات الربيع العربي، ليس بالحرية وحدها يحيا المواطن.
ومع ذلك، فلا تعتبر خطوات الحكومة البطيئة في طريق الإصلاح السبب الوحيد في استمرار أزمة البلاد وعدم حلها، فهناك مشكلة أخرى تواجه البحرين وهي أن المحتجين وجماعات المعارضة أنفسهم أظهروا نوعا من عدم المرونة في مطالبهم، الأمر الذي لم يترك مجالا للتوصل إلى أي حل وسط يرضي الطرفين.
عندما بدأت الاحتجاجات في البحرين، أظهر المتظاهرون، الذين جاؤوا من خلفيات طائفية وطبقية متنوعة، رغبتهم فقط في إجراء إصلاحات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق. وخلال مقابلة مع قناة الجزيرة في بداية الاحتجاجات، قال نبيل رجب، رئيس مركز البحرين لحقوق الإنسان: "إن كل المطالب تتعلق بحقوق الإنسان وليس لها علاقة بالأسرة الحاكمة أو نظام الحكم".
ولكن، ومع استمرار الأزمة في البلاد، اتخذ الأمر بعدا طائفيا وأصبح هناك منحى سياسيا في الأزمة من خلال تأليب السنة ضد الشيعة والعكس، وبكل تأكيد لم يكن الحال هكذا في بداية الاحتجاجات.
وبدخول الطائفية إلى الحيز السياسي وتسللها وسط احتجاجات البحرين، زادت الفجوة اتساعا بين البحرينيين، الذين قدموا للتظاهر من خلفيات طائفية مختلفة، ونمت الشكوك بين الطائفتين، ووصل الأمر إلى الحد الذي جعل إحدى الطائفتين ترفض شراء المنتجات التي تباع من قبل الطائفة الأخرى والعكس، وكذلك فإن بعض المناطق في البلاد نجدها مقسمة حسب الانتماء الطائفي.
يجب على الحكومة السعي الجاد لإيجاد حل من شأنه أن يجمع ويوحد الشعب البحريني، وإلا فستصبح البحرين في نهاية المطاف مثل لبنان، حيث هناك فجوة كبيرة بين الجماعات السنية والشيعية. يجب على الحكومة الإسراع في تنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدستورية قبل أن تدمر بذور الفتنة الطائفية البلاد وتمزقها.
ويتوجب إنشاء قانون يسمح بتشكيل أحزاب سياسية متعددة على أساس المعتقدات السياسية وليس على أسس دينية طائفية، يجب على الحكومة أيضا توفير المساواة على أساس المواطنة وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية لجميع البحرينيين بغض النظر عن انتمائهم الطائفي أو الطبقي الاقتصادي، بحيث يشعر الجميع بحضن الوطن الدفئ الذي يسع الجميع دون تمييز، ينصتون فيه إلى نبضات الحس القومي لبلادهم.
إذا لم تبادر البحرين إلى معالجة المشاكل التي تواجه أولئك المحتجين، فسيأتي الوقت الذي لن يكون فيه حتى خيار الملكية الدستورية حلا لنظام الحكم الذي يمكن أن يحكم ذلك الشعب، وسيضطر الشعب إلى المطالبة بمساحة أكبر لن يرضى الشعب بأقل منها.
ويتطابق هذا الرأي مع التحذير الذي أطلقه نبيل رجب، في مقابلة له مع قناة الجزيرة في بداية الاحتجاجات، حيث قال: "إذا ظلت الحكومة تلجأ إلى العنف في قمع المحتجين، فقد يضطر الناس للمطالبة بتغيير كل من هم في السلطة".
يجب على جميع دول مجلس التعاون الخليجي أيضا أن تأخذ قضية الطائفية على محمل الجد، حيث إنها تولد الشقاق والفرقة بين أبناء الوطن الواحد، لقد رأينا على أرض الواقع الكثير من الأمثلة والنماذج كيف أن هذه الطائفية قد تسببت في الحروب الأهلية ودمرت حياة الملايين من الناس. لا ينبغي أن ندع المؤامرات والدسائس، التي تصدر من قِبل جماعات بعينها، تؤثر على السلام الداخلي والأمن القومي.
كما يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب دورا قويا جدا في تعريف الناس بمخاطر الطائفية، وتثقيف الشباب وجعلهم في أوج الاستعداد دائما لمجابهة خطر الطائفية. إن الاستهداف المبطن الذي تمارسه تلك الجماعات يتطلب وجود حملات تثقيف عام صارمة، للحيلولة دون انتشار الفتن الطائفية، فنحن أحوج ما نكون الآن لوحدة الصف والعمل المشترك لمواجهة التحديات الماثلة أمام أمتنا العربية.
يجب أن تظل عيون دول مجلس التعاون الخليجي متيقظة في كل الأوقات للحد من انتشار وباء الطائفية وتكاثر خلاياها البكتيرية الضارة بمجتمعاتنا وشعوبنا، فإن الأزمة في البحرين قد تنتشر إلى دول أخرى مجاورة مثل السعودية والكويت، كما تنتشر النار في الهشيم.
ومع ذلك، فلقد شعرنا نحن أيضا بالصدمة حين علمنا أن بعض المنظمات غير الحكومية العاملة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، تتآمر حاليا ضد البحرين، ولقد تم الكشف عن هذه الحقيقة مؤخرا من قبل القائد الأعلى لقوة دفاع البحرين، المشير الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، من خلال مقابلة له نشرتها صحيفة "الأيام" البحرينية.
وكشف المشير عن حقائق تعلن للمرة الأولى، مفادها أن هناك حاليا 22 منظمة غير حكومية متورطة في هذه القضية وتعمل ضد مملكة البحرين، "تسعة عشر منها مقرها في الولايات المتحدة الأمريكية وثلاثة في إحدى الدول الخليجية"، دون أن يشير إلى اسم تلك الدولة الخليجية.
ومن المثير للسخرية أن تكون منظمات في دول الخليج جزء من مؤامرة لزعزعة استقرار البحرين رغم أن دول الخليج العربي من وضع خطة المارشال الخليجية في العام الماضي لمساعدة البحرين اقتصاديا.
لقد ظلت دول الخليج العربي متقاربة وثبت ذلك في أوقات الضيق والشدة، يجب أن يكون هناك التزام من الجميع بالتعاون – بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأن تقف الدول الأعضاء صفا واحدا ضد كل التهديدات الداخلية والخارجية، فلا خير فينا إن لم نساعد بعضنا البعض في أوقات الحاجة والشدة.
خالد عبد الرحيم السيد
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4800
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
801
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2520
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2238
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1473
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1128
| 11 أكتوبر 2026