رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
التدين مصطلح يذكره الكثير فيقال، فلان متدين أو فلانة متدينة، فماذا تعني هذه الكلمة التي قد يطلقها البعض عندما يرى تديناً ظاهراً في المظهر دون أن يدرك شيئاً عن المخبر، أو علم شيئاً عن المخبر دون أن يلتزم بالمظهر، ولذا أحببت أن أضع صورة للمتدين المتوازن في نفسه والمثالي مع زوجه وأهله، والمنتج المتعاون في عمله، وطبيب قلوب في علاج أمراض مجتمعه، لعلها تساهم في وضوح معنى التدين، فيكون مظهرنا ومخبرنا معاً ترجمة حقيقية لهذا المعنى الجميل "التديــــن".
أولا: شخص متوازن في نفسه:
أول صفة للشاب المتدين بحق هي التوازن، ففي الجانب الروحي تراه رقيق الروح، شفاف النفس، صافي القلب، دائم التطهير لنفسه من أمراض النفس، كالغل والحسد، مستعيناً بالعبادات لتحقيق ذلك، فهو ما بين صلاة ودعاء، واستغفار وقنوت وإنابة وتفكُّر في الآخرة.
وفي الجانب العقلي تراه مثقفا يأخذ بجانب العلم، بمفهومه الشامل، وإن تخصص أدرك أن فرض الكفاية على المجتمع أصبح فرض عين عليه يعرف مبادئ العلوم، وإطار السياسة العامة التي يسير عليها مجتمعه، منفتح على تخريج ثقافات العالم يعرف غثها وسمينها، وما يأخذ منها وما يذر.
وفي الجانب الجسدي يأكل من الطيبات كما أراد القرآن الكريم: "كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ" (البقرة: 57)، ويبادر إلى العلاج مع أول بوادر المرض ويتريض باستمرار، تطبيقاً للحديث الشريف الذي رواه مسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف".
وفي الجانب الأخلاقي تراه متميزا في سلوكه بالأمانة والصدق، والتواضع والعزة والحياء، يقابل السيئة بالحسنة، يعدل في الرضا والغضب، مقتصدا غير مسرف، لا يعرف الكآبة وطول العبوس في وجوه الناس، ليس فظاً غليظا، ولا محباً للشذوذ والمخالفة، بل يحب الألفة والموافقة، وصدق رسول الله، الذي قال: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" (مجمع الزوائد للهيثمي، رقم: 8/191، رجاله رجال الصحيح).
ومن التوازن أن يقدر الأمور حق قدرها، فيصغر عنده كل أمر صغير، ويعظم كل أمر عظيم، فلا يعطي للشكل اهتماماً فوق الجوهر، ولا يعطي للجلباب أو اللحية اهتماماً أكبر من فلسطين والعراق وأفغانستان والسودان والصومال وما يحدث في العالم، لا يهتم بهيئات الصلاة على حساب الخشوع والخضوع.
ثانيا: زوج مثالي:
والشاب المتدين في بيته، وسط أهله وأسرته، يعرف حق والديه ولو كانا مشركين، كما جاء في القرآن الكريم: "وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا (لقمان: 15)، وهو مع زوجته، زوج مثالي، يستقطع من وقته لأسرته، وهو خير الناس لأهله، يحنو على زوجته، ويكرم نزلها، ويعفو عن أخطائها، يتجمل لها كما تتجمل له، ويتقي الله فيها، ولا ينسى فضلها، لا يظلمها إن أساءت ولا يدعها كالمعلقة لكراهية أو عبادة أو صوم، أو جلباً لمال من بلد آخر دون داع، ولا يترفع عن ممارسة بعض أعمال المنزل مع أسرته، إن أمكن ذلك فقد كان النبي، (في حاجة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه).
والأب المتدين مع أولاده يلاعبهم صغاراً، ويؤدبهم أشبالاً، ويؤاخيهم شباباً، يمنحهم من عاطفته، كما يمنحهم من ماله، وينفق قدر سعته عليهم، وينأى عن النزاع مع زوجته أمامهم، ويحذر من سوء الحديث إليهم، ويربيهم على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، والاعتماد على النفس، والقدرة على مواجهة المواقف، والإيجابية تجاه الواقع، والحرص على أداء الحقوق والواجبات، مع البعد عن الابتذال والإسراف والخلاعة والميوعة، وتضييع الوقت فيما لا ينفع وهذا الزوج والأب المثالي ينطبق عليه حديث الرسول: "خيركم.. خيركم لأهله" (الجامع الصغير للسيوطي، رقم: 4102، صحيح).
ثالثا: منتج ومتعاون في عمله:
والمسلم المتدين يتهيأ لعمله، كما يتهيأ لصلاته، فيرى في عمله عبادة كصلاته وصومه، يبدأ عمله في موعده، حتى لو لم يتابعه أحد، لأن الله يراقبه، ويقوم بعمله بهمة ونشاط، ويبعد عن الروتين والبيروقراطية، فلا يقتصر على أداء ما يطلب، بل يقترح ويبتكر ويتفوق، وعلاقته مع زملائه أبعد ما تكون عن الوشاية، والحقد والحسد والغل والكذب، ولا يعرف الاحتكار أو الجشع، أو الغش والخداع، أو الرشوة إن كان تاجراً أو رجل أعمال، فالغاية عنده لا تبرر الوسيلة.
أما إذا كان موظفاً، فيقوم على أداء حوائج الجمهور بطيب خاطر ولا يعطلهم، يبتسم في وجوههم، فقد أخبرنا الرسول الكريم أن تبسمك في وجه أخيك صدقة، وهو لا ينافق المسؤول أو رئيسه، ولا يبارك أخطاءه، ولا يزكي سوء الخلق، بل ينصح في أدب جم، ويقاوم التسلط والتجبر على نفسه أو على زملائه.
رابعاً: طبيب قلوب لأمراض مجتمعه:
وعن سلوك الشاب المتدين في مجتمعه وأمته، أنه يعرف أولا أن لجيرانه حقا عليه، وجاء في الحديث الشريف الذي رواه البخاري: "ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه"، فالسلوك الطيب تجاه الجار أمر مطلوب، حتى ولو كان لا يصلي، أو يرتكب منكراً كشرب الخمر، بل إن هذا يوجب مزيداً من اهتمام المتدين بهذا الجار حتى ينقذه مما هو فيه، فالداعية "طبيب قلوب" عالج نفسه أولا، ثم أخذ في مداواة الناس، من كل ما يخالف تعليم الشرع، وهو يدعو غيره إلى الخير برفق ولين ورحمة وتودد: "ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ" (النحل: 125)، ودون غلظة: "وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ" (آل عمران: 159).
والمتدين الداعية، الذي يدعو غيرة إلى التمسك بتعاليم الدين، لابد أن يراعي سنة الله في التدرج، وهو يحترم الأعراف التي لا تخالف الشرع، مثل الملابس وغيرها، ويحرص على موافقة الناس فيما ليس بمعصية المتدين على طريق الإسلام الصحيح، يحرص على هندامه، والاعتناء بملابسه دون إسراف أو خيلاء أو تكبر، فالرسول (أخبرنا أن الله جميل يحب الجمال.
والشاب المتدين يرى حق مجتمعه عليه، قبل أن يطالب بحقوقه، وينشر الخير، وينادي بالفضائل، ويحث على النظافة والعفة والطهر والنقاء، وهو دائما إيجابي تجاه مجتمعه، يتقدم بكل حل مفيد لمشاكل مجتمعه، وهو يسارع عند المغرم، ويعف عند المغنم، ويحترم كل الناس، فيوقر الكبير، ويحنو على الصغير، يحركه في كل ذلك إيمان عميق بالله، يصل إلى مرتبة الإحسان، فهو يتصرف في كل سلوكه بما يتطلبه دينه من أخلاقيات الإسلام، فمن الإساءة أن يعبد المسلم الله، ويخشع في صلاته، ثم يعامل الناس بأخلاقيات بعيدة عن تعاليم الدين.
لو توافرت للدعاة إلى الله والمتدينين، هذه الفضائل، وكان دعاة الإسلام قدوة، لشقَّت الشريعة الإسلامية طريقها إلى التطبيق العملي بسرعة، وفي يسر ودون صعوبة، فشريعتنا الغراء نظام متكامل، وقبل أن تكون حدوداً تقام، فهي أولا طهارة قلب لمن تعلق بها، وأخلاق تنعكس على السلوك في المجتمع، وصدق الله العظيم وهو يخاطب رسوله: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ" (الأنبياء:107).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1503
| 29 مايو 2026
لم تعد الغربة مرتبطة بالأماكن البعيدة، أحيانًا تبدأ الغربة من أقرب المسافات… من داخل المنزل نفسه. من تلك اللحظة التي يجلس فيها الجميع معًا، لكن دون حديث حقيقي، ودون شعور حقيقي بالحضور. أصبحنا نعيش حياة سريعة لدرجة أننا فقدنا التفاصيل الصغيرة التي كانت تصنع دفء العائلة. كل شخص يحمل همومه الخاصة، وضغوطه، وعالمه المغلق، حتى تحوّلت البيوت تدريجيًا إلى أماكن للراحة الجسدية فقط، لا للاحتواء النفسي. الأب يعود متعبًا من مسؤوليات الحياة، والأم تُرهقها الضغوط اليومية دون أن تجد من يسألها عن تعبها، والأبناء يعيشون داخل عوالم رقمية طويلة، يهربون إليها أكثر مما يقتربون من أسرهم. ومع الوقت، أصبح الحوار أقل، والمشاركة أضعف، والمشاعر مؤجلة دائمًا إلى وقت لا يأتي. المشكلة ليست في قلة الحب، فالكثير من العائلات تحب بعضها بصدق، لكن التعب غلب التعبير، والانشغال سرق التفاصيل، والاعتياد جعل الجميع يظن أن وجود الآخر أمر مضمون لا يحتاج إلى اهتمام أو احتواء. نحن لا ننتبه عادةً إلى أن العلاقات لا تنهار فجأة، بل تبهت بصمت. تبدأ بتأجيل الجلسات العائلية، ثم يتحول السؤال عن الحال إلى مجرد عادة سريعة، ثم يعتاد كل شخص على وحدته داخل البيت نفسه. حتى المناسبات العائلية لم تعد كما كانت، أصبحت الهواتف حاضرة أكثر من الأحاديث، والصور أكثر من المشاعر، والوجود الشكلي أكثر من التواصل الحقيقي. المؤلم أن بعض الأشخاص لا يشعرون بالوحدة خارج المنزل… بل داخله. يشعرون أنهم غير مفهومين، أو أن أحدًا لا يلاحظ صمتهم، أو تغيرهم، أو حتى تعبهم النفسي. وهذا النوع من الوحدة من أكثر المشاعر قسوة، لأن الإنسان يتوقع من منزله أن يكون مساحة أمانه الأولى. هناك شعور قاسٍ لا يستطيع الإنسان شرحه بسهولة… أن يعود إلى منزله، إلى المكان الذي يفترض أن يحتويه، ثم يشعر وكأنه لا ينتمي إليه. لا بسبب خلاف كبير، ولا قسوة واضحة، بل بسبب ذلك الفراغ الصامت الذي يكبر يومًا بعد يوم بين أفراد الأسرة الواحدة. أن تكون حاضرًا بجسدك، لكن غائبًا شعوريًا. أن تتحدث ولا يشعر أحد بما خلف كلماتك. أن تتعب بصمت، وتبتسم بصمت، وتنهار داخليًا دون أن يلاحظك أحد، الأسرة لا تحتاج إلى الكمال، ولا إلى حياة مثالية، بل تحتاج إلى إنصات، واهتمام، وحديث صادق، ووقت حقيقي يشعر فيه كل فرد أنه ليس مجرد شخص يعيش في المكان… بل روح لها قيمة ومكانة. فالإنسان قد يتحمل قسوة الحياة كلها، لكنه يضعف حين يشعر أنه وحيد بين أهله.
792
| 24 مايو 2026
في وقت مبكر من شهر مايو الجاري عقد الاتحاد الأوروبي أول قمة مع أرمينيا وصفتها الصحف العالمية بالقمة التاريخية، والقفزة التاريخية لما تمخض عنها من نتائج من شراكة اقتصادية وأمنية، ومساعدات عسكرية كبيرة لأرمينيا، وضوء أخضر للانضمام للاتحاد، وبذلك نجح الاتحاد في اختراق القوقاز، أو بصريح العبارة ضرب النفوذ الروسي هناك، وهو ما منح لتلك القمة تحديداً صفة التاريخية. وتتأتى تاريخيتها أيضا من مناقشة الاتحاد مسألة الاستقلالية بصورة أكبر وأكثر جرأة وتوسعاً، كرد فعل على قرار ترامب سحب قواته من ألمانيا، تمهيدا لمزيد من الانسحابات من أوروبا، وتقليص الدور الأمريكي في الناتو بعد موقفه من أزمة مضيق هرمز. في القمة صرح أكثر من زعيم أوروبي ومن بينهم ماكرون حول مفترق الطرق الذي تعيشه أوروبا، واستمرار التحدي الروسي الخطير، وموقف الولايات المتحدة المتذبذب، مع الحث على ضرورة تقوية أوروبا عسكريا وتعزيز تضامنها. لكن اللافت أيضا أن الزعماء الأوروبيين وزعماء الاتحاد قد أشاروا إلى واقع "التعددية القطبية" الذي يعشه العالم الآن، مما يفرض على أوروبا تعزيز استقلالها لتصبح أحد أهم أقطاب ذلك النظام المتعدد. ولعل المغزى الأكبر يكمن في إقرار الاتحاد بأن زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة قد ولى، ومن ثم قد ولى أيضا زمن الاعتماد التام على الحماية الأمريكية، ناهيك عن أن الحماية الأمريكية لأوروبا تمر بمرحلة تحول إثر الانشغال بالصين والشعبوية الترامبية. وربما هنالك مغزى آخر يرمي إليه الأوروبيون وهو ضرورة الانفتاح على شراكات شاملة جديدة لاسيما أمنية. وهو ما تبدى بوضوح في استضافة كندا للقمة في واقعة نادرة الحدوث عامة، إذ نادرا ما يتم استضافة ضيف في القمم الأوروبية الخاصة من خارج أوروبا، كندا لم تحضر كمتفرج فقط، بل شاركت الأوروبيين رؤية النظام الدولي المتعدد الأقطاب، مع وعود ضمنية لتعزيز الشراكة مع أوروبا في مجالات مختلفة من بينها أمنية. القمة قفزة هامة لأوروبا بلا شك من حيث تحدي النفوذ الروسي في القوقاز، استقطاب قوى خارجية للأمن والاقتصاد الأوروبي، والإقرار بواقع التعددية الدولية وتراجع الدور الأمريكي وحتمية تقليل الاعتماد عليه، قفزات جيدة قطعاً في مسيرة تقوية واستقلال أوروبا، ومع ذلك، سيظل السؤال المعضلة للأوروبيين أنفسهم قبل المراقبين، هل ستنجح أوروبا في تحقيق الاستقلالية التامة لا سيما الأمنية؟ مسألة الاستقلالية الأمنية التامة لأوروبا قد استحوذت على مئات الأوراق البحثية، لكن اللافت أنها قد أجمعت على أنها حلم ليس مستحيلاً لكنه شديد الصعوبة، ويحتاج إلى وقت طويل ليس أقل من عقدين حال توافر عمل وإرادة جبارة، وهذا من حيث المبدأ. لكن أيضاً يجب الاستناد أو الإحالة إلى تطور القوة والاستقلالية الأوروبية منذ الحرب الأوكرانية 2022، حيث قد عزمت أوروبا على ذلك بصورة جدية غير مسبوقة، لكن ما تم خلال تلك الفترة قد دعم فرضية الصعوبة بصورة جازمة، بل أيضا قد رسخ للكثيرين حتى دول أوروبية استحالة تحقيق الاستقلالية تماما لأنه قد تم اختبار تحدياتها على أرض الواقع. إذ قد تبدى جلياً الانقسام المزمن بين اتحاد من 27 دولة، وشكوك حول قيادة بديلة لواشنطن، وتحدي إنفاق دفاعي مطرد يناهز المليارات سنويا، وتحدي تصنيع عسكري استراتيجي يحتاج عقودا من النمو بجانب تريليونات الدولارات، وتباين حاد في المصالح والرؤى الأمنية بعض الدول الأوروبية مثل المجر لا تعتبر روسيا عدواً. وفوق كل ذلك- وهو الأهم- استمرار الثقة المطلقة في الناتو ومن خلفه واشنطن من جانب جل الدول الأوروبية ربما الاستثناء فرنسا، فالدول الأوروبية تؤمن ضمنيا أنه لا بديل مطلقا عن الناتو ولا تتصور بديلا آخر، وان قيادة أوروبية بديلة مجرد هراء. خلاصة الأمر، أوروبا حقا في ورطة شديدة فهي تتمنى فعليا عدم فك الارتباط بالناتو والولايات المتحدة، لكنها تصطدم يوميا بواقع متغير لا سيما واقع الولايات المتحدة، لكن ذلك لا يرجح استقلالية الاتحاد مطلقاً، بقدر ما يرجح مزيدا من الانقسام، وتزايد النزعة الاستقلالية الفردية للدول الأوروبية عن الناتو والولايات المتحدة.
669
| 26 مايو 2026