رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبح عدد من الباحثين اليوم يذهبون إلى أن اشتعال بلدان الربيع العربي ضد الطغاة من حكامهم و خصوصا في سورية لم يعد مجرد ثورات متحركة متحرقة لتغيير واقعها الفاسد إلى واقع جديد يحقق طموحات شعوبها, بل إن أصابع الأفاعي الخفية في العالم وعلى رأسها الصهيونية العالمية المنطلقة مما يسمى الكيان الإسرائيلي هي المؤثر الحقيقي الفاعل في ما يجري من تبدلات , وتداعيات ما كان لهؤلاء الباحثين وغيرهم أن يتصوروها, ولكن المشهد الدراما تيكي المتقلب لحظيا قد بات يدل دلالة ساطعة على ذلك و دون أدنى شك, فإسرائيل وأوربا وأمريكا, وروسيا العوبتها الدائمة و الصين الدولة الكبرى ولكنها التابعة حسب المصالح كذلك أما إيران وأذنابها ممن يعملون أدوات لتحقيق تلك الأهداف فقد بات دورهم جليا في تخريب الاستقرار في العالم العربي والإسلامي خصوصا والدولي عموما, وأصبحت الثورات المضادة تفعل الكثير لإعادة التموضع المركزي القوي للاستعمار في سورية والعراق ومصر واليمن وليبيا وتونس تحديدا. و كم كنا ننصح من بدايات الثورات و خصوصا في سورية أن الأمر أكبر بكثير من هؤلاء الحكام المستبدين و أنهم ليسوا سوى عبيد يعملون في الحلبة بأمر الأسياد الذين يجدون و يجتهدون لتثبيتهم نظرا لأنهم حراس مصالحهم, أو استبدا لهم بمن هو أسوأ منهم على غرار ما جري في مصر و اليمن والعراق...وقد كان بعض الباحثين و المتعالمين يتهمنا وقتها أننا نعتبر أن كل فعل مؤامرة ولانخرج عن هذا الحبس المظلم ولا نصدق الغرب و على رأسه أمريكا و كذلك روسيا خصوصا في التفاعل مع الشعوب المظلومة المقهورة, وكأن مثل هؤلاء يهمهم أدنى شيء من خواطرهم و يحزنون على قتلهم وسجنهم و تشريدهم بالملايين , يا عجبا ألف مرة, فإن هؤلاء هم الذين يوقدون المعركة ثم يدعمون و لا يتفرجون, كيلا نتنفس أية حرية في بلادنا و إن نظرتهم إلينا كعرب لا تعدو إلا أن تُقرأ فيما حدده المؤرخ الصهيوني المعروف (بيرناردلويس) منذ عام 2005 بما نصه: "إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضرهم, وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات و تقوض المجتمعات ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم و استعمارهم, وتدمير ثقافتهم و تطبيقاتها الاجتماعية ... وإنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية الإسلامية إلى وحدات عشائرية و طائفية, ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم و ردود الأفعال عندهم"! هكذا تماما يخططون و ينفذون و شعوبنا المسكينة والكثير من الكتاب والعلماء والمفكرين واقعون تحت تأثير الدولة القطبية أوالنظام التابع لها إقليميا بشكل أو بآخر, أو يرزحون تحت نير المال السياسي من مثل هؤلاء و أضرابهم من جنود المشروع الصهيوني الإيراني الغربي ولا يمتلكون الإيمان العميق الذي كان عليه علماء السلف الربانيون لترجمته في الشعوب على أرض الواقع, أو أولئك الذين مازالوا ينخدعون بالغرب العلماني تحت مسميات براقة مختلفة, والكل غارق في الجهل أوالتجاهل , و لايغلبون الروح الوطنية ويقظة الضميرعند أكثرهم. وقد حدثني - كمثال على ذلك- الأخ الصحافي الإعلامي الماهر عبيدة نحاس أثناء اجتماعهم واستعمال "الفيتو" الروسي الصيني ضد إدانة اللانظام السوري على قتل شعبه حيث قال, مندوب روسيا في الأمم المتحدة, - قبل التصويت - بعد أن لفت نظره الأستاذ عبيدة إلى مايجري من شلالات الدم في سورية وأن عليهم التخفيف من ذلك, قال : نحن لا يهمنا هذا الأمر وليذهب الشعب السوري إلى الجحيم! نعم إن كل الذي يهمهم إبقاء الأسد لإبقاء مصالحهم والمصالح الصهيونية في المنطقة! أليس بوتين هو الذي صرح لليهود عقب زيارته إلى "تل أبيب" مؤخرا: إن العلائق التي تربطنا باليهود لا يمكن لأحد في العالم أن يقطعها!!
وهكذا فمخططاتهم أريد لها أن تسير بخطى سريعة منذ سنوات. وفي هذا السياق فلعله لا يخفى علينا الموقف الصهيوني من المشهد السوري وأنه يعمل على تفتيت وحدة الشعب . وهو الذي أوجد حكاما لديهم أكبر القابلية لطاعته كيف يشاء وحفاظا على كراسيهم و نهب ثروات الوطن, و الأمر متفق عليه بينهما وهو أنهم قوات ممانعة أي ممايعة و مقاومة أي مقاولة!, وإن أنسَ لا أنسى أبدا قول وزير الخارجية الأمريكي الصهيوني الأسبق "هنري كيسنجر" وهو يقول لنائب رئيس وزراء إحدى الدول الإسلامية في حديث عن حكام العرب: إن حافظ الأسد كان يطيعنا في كل شيء, و نحن لم نقل له عن شيء إلا أجاب بنعم, نقول ذلك حتى يعي المخلصون المعادلة ويعرفوا العدو الحقيقي لهم ولايصطفوا بشكل أو بآخر مع مخططات الصهاينة كما أكد الأستاذ "سمير جبور" في مقاله القيم :تفتيت سورية مصلحة استراتيجية صهيونية. كما في جريدة : رأي اليوم 9/7/2015 , ونقل الكاتب عن الباحث الصهيوني لويس السابق ذكره: نخطط خريطة تقسيم العراق و سورية إلى أقاليم متمايزة عرقيا أو دينيا أومذهبيا و أن اسرائيل في حالة ترقب لما ستؤول إليه الأمور لتحديد خياراتها في ضوء موازين القوى الحالية والتي يتقدمها في منطقة الشرق الاوسط ثلاثة محاور الأول: المحور الشيعي بقيادة إيران, والثاني : المحور السني بقيادة السعودية والثالث: قطب ما يسمى داعش" ويذكر" ديكل وعيناف الباحثان الإسرائيليان: أن إسرائيل تستثمر الفوضى بالتعامل مع هؤلاء المتنافرين و تداورهم لمزيد من مكاسب مصلحتها وخصوصا ما يجري جنوبي سورية حيث تتعاون إسرائيل مع الأردن لتعزيز تحالف استراتيجي بينهما تحت عدة صور ويجري هذا بينما نرى الدعوات الجديدة المتوالية في إسرائيل لإنقاذ الأسد و قد كتب عن هذا الأستاذ "وديع عواودة" في الجزيرة نت 9/7/2015 مؤكدا أنه قد ازداد عدد الجنرالات والمعلقين الصهاينة الذين يدعون حكومتهم إلى مساعدة حكومة بشار سيما بعد تراجع اللانظام مؤخرا جنوبا وشمالا ووسطا في سورية بينما تقدم الثوار حتى نحو الحدود مع إسرائيل , وهذا ما دفع القوى الصهيونية أن تزيل أول أمس مخيمات النازحين السوريين من أصلها , عند الحدود. وقد دعا الجنرال الاحتياطي في الاستخبارات العسكرية "عيزر تسفرير" : بصوت مرتفع إلى إنقاذ الأسد ,وخشي من أن يكون بعد سقوطه ثقب أسود, وقال : إن التنظيمات السنية الإسلامية تتشارك في عدائها لإسرائيل والغرب معا , وقد وافقه على نظره "موشيه معوز" الخبير بالشأن السوري محذرا من تبعات انتصارات الراديكاليين على المناطق المجاورة مثل لبنان والأردن , معتقدا أن إنقاذ الأسد يزيد في فتح القنوات مع المحور الشيعي , أقول : وهذا ليس غريبا فإنه - على مدار التاريخ - لم تتوقف محطات اليهود والروافض عن العمل معا ضد أهل السنة وقد شرحنا ذلك في مقالات سابقة. على أن الباحث في جامعة ابن جوريون في بئر السبع " يورام ميتال" أكد أنه لا بد من الوقوف على سياسة الأمر الراهن التي عليها رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" بمعنى الحفاظ على الجولان وهو ما يضمنه لهم بشار وليس مجاميع الثوار, وهكذا تلتقي محاور الشر ضد الثورة والثوار ويسمحون لما يسمى حزب الله و الميلشيات العراقية و غيرها من الشيعة بقتالهم دون أن يوسموا بالإرهابيين!أقول: ولكن الحق لا بد أن يظهر في نهاية المطاف و ما علينا من جديد إلا أن نعود فنقرأ كتاب عباس محمود العقاد رحمه الله – التفكير فريضة إسلامية . وهو ما حضنا عليه الله في كتابه ورسوله في سنته والعلماء و المفكرون من السلف و الخلف الذين دأبوا على صون الأوطان من خطر المنافقين من أبناء الجلدة كما صانوها من الأعداء المتربصين حتى بلغوا بها مشارف المجد و السؤدد متذكرين حِكَم الدكتور مصطفى السباعي- رحمه الله - : " لا يدوم لطاغية سلطان و يكفيه سوءا أنه الذي يعمل للقضاء على كل روح الكفاح ضد المستعمرين في الأمة و يعمل على إذلال الشعب لأنه متأله مغرور ولكن من اطمأن إلى طغيانه و قوته فهو مغلوب و من اطمأن إلى جاهه فهو مخلوع " من "هكذا علمتني الحياة " ص: 307- 309 . ولاشك أن التاريخ يعيد نفسه .
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
3687
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2610
| 31 مايو 2026
لم يكن مجرد مسؤول تولّى حقيبة الطاقة والصناعة في مرحلة مفصلية وحرجة من تاريخ بلدنا الغالي، بل يُعدّ أحد أبرز الشخصيات التي أسهمت في إعادة تشكيل قطاع الطاقة والصناعة؛ من خلال دوره في بناء منظومة إدارية ومؤسسية متكاملة عززت مفاهيم الانضباط الإداري، والكفاءة التشغيلية، وحوكمة القرار، بما انعكس إيجاباً على الأداء الإداري والتشغيلي للمؤسسة، ورسّخ أسس العمل المؤسسي القائم على المسؤولية والشفافية، وكان له أثر واضح على أسلوب الإدارة لدى كثير من القيادات القطرية. ارتبط اسمه بمرحلة التحول الكبرى في صناعة الغاز الطبيعي المسال والصناعات الأخرى كالبتروكيماويات والكيماويات والألومنيوم، حين بدأت قطر تشق طريقها بثبات نحو موقع الريادة العالمية في أسواق الطاقة، مستفيدة من رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، ومن إدارة اتسمت بالحزم والانضباط والقدرة على اتخاذ القرار. في الثمانينيات، وفي بداية رحلتي المهنية كمهندس في مدينة مسيعيد الصناعية، ما زلت أتذكر يوم تعيينه وزيراً للطاقة والصناعة. في البداية، بدا الأمر خبراً اعتيادياً، كحال التغييرات الروتينية التي تشهدها المؤسسات عادةً، وظننا أن المسألة لا تتعدى دورة إدارية طبيعية لتولي المهام والمسؤولية. لكن ما إن تسلّم مهامه حتى بدأت ملامح التغيير تظهر بصورة واضحة وسريعة داخل المؤسسة العامة للبترول (QGPC) آنذاك والشركات التابعة لها؛ حيث شعرنا نحن المهندسين والعاملين في الميدان الصناعي بأننا أمام مرحلة حاسمة واستثنائية، أعادت صياغة الفكر الإداري، ورسخت الانضباط المؤسسي، وعززت ثقافة تحمل المسؤولية والمحاسبة. ولعلّ أبرز ما ميّز شخصيته وحقبته، يمكن تلخيصه بإيجاز في النقاط التالية: * أولاً: تميز بشغف استثنائي بالعمل، فكان بحق (Workaholic)؛ من حضور دائم ومتابعة دقيقة لا تعرف التراخي أو الملل. ورافقت هذا الشغف شخصية قيادية حاسمة، تمتلك جرأة اتخاذ القرار دون تردد كلما تعلّق الأمر بمصلحة العمل والمؤسسة، بعيداً عن حسابات المجاملة الضيقة. * ثانياً: كان حزمه مقترناً بالنزاهة والشفافية، حتى مع المقربين منه. ويُذكر في هذا السياق توجيهه الصارم للشركات التابعة ومديري "قطر للبترول" بعدم التعامل مع الشركة المملوكة لأحد أقاربه، في رسالة عملية مفادها أن القانون فوق الجميع، وأن "الواسطة" تنتهي تماماً عندما تتعارض مع هيبة المؤسسة. وبفضل هذا النهج، غدا مكتبه ملاذاً للإنصاف؛ فكان الموظف المظلوم، مهما صغرت درجته، يدرك أن حقه سيعود، وأن المسؤول المتجاوز سيُحاسب دون مواربة، مما رسّخ مقولة شهيرة بين الموظفين: «إذا لك حق عند أبو حمد.. لا تبوق ولا تخاف». * ثالثاً: الأمانة والنزاهة عنده لم تكونَا مجرد شعارات تُرفع، بل عقيدة عمل صارمة تُطبَّق على الجميع دون استثناء. فلم يكن أحدٌ يجرؤ على تخطي القوانين أو الالتفاف على السياسات المعتمدة، سواء كان مسؤولاً تنفيذياً، أو مديراً، أو حتى من كبرى الشركات العالمية والشركاء الدوليين (الشركات الخمس الكبرى). وقد كلّف التجاوز عدداً من القياديين والمديرين مناصبهم - مهما علت رتبهم أو اتسع نفوذهم - بمجرد ثبوت حيدهم عن الأنظمة ولو في صغائر الأمور؛ في رسالة حازمة بأن هيبة المؤسسة وسلطان القانون فوق الجميع. ولم يكن للمحسوبية، أو صلات القرابة، أو أي اعتبارات شخصية موطئ قدم في قاموس "أبو حمد"، إذ ظل معيار الكفاءة المطلقة والانضباط الميداني هو الفيصل في التقييم واتخاذ القرار. * رابعاً: شهدت حقبته قراراً حاسماً بدمج العمليات البرية والبحرية والمقر الرئيسي تحت مظلة واحدة، بهدف توحيد الرؤية وخلق كيان مرن ومتكامل ينافس عالمياً، وهو التوجه الذي أثمر خفضاً ملموساً للنفقات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء في خطوة وصفها الخبراء بأنها "سبقت زمنها". وتزامن ذلك مع إعادة الهيبة والصلابة لإدارة التدقيق الداخلي، ومنحها صلاحيات واسعة لضمان تطبيق الأنظمة بدقة وحزم. * خامساً: آمن إيماناً عميقاً بالثروة البشرية الوطنية؛ فمنح القيادات القطرية الفرصة الكاملة لإدارة الشركات التابعة لـ "قطر للبترول" رافضاً حصرهم في الأدوار الثانوية. وصاغ مفهوم "التقطير والتوطين" كسياسة إستراتيجية بعيدة المدى، دعمها بمنظومة مبتكرة للابتعاث والتأهيل الأكاديمي الخارجي لبناء جيل ينافس بالمعايير العالمية. ولم تغب المرأة القطرية عن هذه الرؤية، إذ فتح أمامها أبواب قطاع الطاقة والصناعة بفاعلية، في وقت لم يكن فيه هذا التمكين مألوفاً أو يسيراً كما هو اليوم. * سادساً: امتاز بشخصية متواضعة وقريبة جداً من الناس، تسندها ذاكرة استثنائية ومخزون معرفي هائل؛ فإذا تحدّث في التاريخ، أو الرياضة، أو النفط، أجبر الحضور على الإنصات والاستفادة، ليرسّخ عملياً مقولة "المكان لمن حضر" بحضوره الفذ لا بمنصبه فقط. وحتى أولئك الذين اختلفوا مع قراراته، كانوا يقابلونها باحترام جمّ، ليقينهم بأنها تنبع من اعتبارات العدالة والمصلحة العامة لا من المزاجية أو المحاباة والظلم. * سابعاً: تمتع بسرعة بديهة في المواقف الطارئة؛ ويُروى أنه في إحدى المناسبات الرسمية الكبرى، تأخرت الكلمة المكتوبة والمعدة له، فارتجل الخطاب كاملاً بأسلوب مترابط، بليغ، ومقنع، أذهل الحضور وأثبت سعة اطلاعه وثقته العالية بأدواته القيادية تحت الضغط. ولم تنعكس هذه السمات على الداخل الإداري فحسب، بل امتدت لبناء شراكات واستثمارات إستراتيجية طويلة الأجل مع أضخم الشركات العالمية، مما أمّن لقطر تدفقات مالية مستدامة ساندت مشاريع البنية التحتية والنهضة التنموية، ورسّخت مكانة الدولة كمورد طاقة موثوق به عالمياً. وسيبقى - رحمه الله - في وجدان من عاصروا تلك الحقبة، كبير مهندسي النهضة الطاقوية القطرية، والشخصية المحورية التي نقلت قطر من مجرد دولة منتجة للطاقة إلى لاعب دولي مؤثر يملك ثقلاً يتجاوز حدود الجغرافيا. وستظل تجربته حكاية ملهمة تُروى للأجيال عن العمل الجاد وبناء المؤسسات. فإن ما تحقق من تحولات وإنجازات في تلك المرحلة الحرجة يُحسب، في المقام الأول، لنظرة وسداد رؤية وحُسن اختيار صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، حفظه الله ورعاه، باني نهضة قطر الحديثة، لشخصية سعادة عبد الله بن حمد العطية. فاللهم ارحم "عبدالله بن حمد" برحمتك الواسعة، وأكرم نزله، واجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته، واجزه عنّا خير الجزاء وأسكنه فسيح جناتك مع الأبرار والصالحين؛ فقد كان بحق: الرجل المناسب، في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ورجل المهام الاستثنائية الذي ترجل عن دنيانا وبقي أثره خالداً في وجدان الوطن.
1626
| 29 مايو 2026