رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نادرون هم الذين يمارسون نقد الذات ونقد (الآخر) بموضوعية في صفوف الإسلاميين، وليس أكثر نُدرةً منهم إلا العلمانيون الذين ينقدون العلمانية نفسها وينقدون الإسلاميين بموضوعية.
رغم هذا، ثمة أمثلة، قد تكون قليلة، لكنها مُعبرة في رمزيتها، وغنية بكمونها الثقافي في مَن يُصنفون وفق عالم التصنيفات الشائع كـ (علمانيين)، ويمارسون تلك الممارسة بشكلٍ منهجي.
قد يكون أبرز هؤلاء في الواقع السوري المعاصر الكاتب ياسين الحاج صالح، فرغم (غضبة) بعض الإسلاميين عليه، ينظر إليه علمانيون سوريون أحياناً على أنه (اعتذاري) للإسلاميين في إنتاجه الثقافي بشكلٍ عام. لكن كتابه الأخير (أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقدُ نَقدهِ) يُعتبر محاولةً مُتقدمةً جداً لتقديم نقدٍ عميق وموضوعي للتفسير المعاصر للإسلام من قبل الإسلاميين، مع الحرص في الوقت نفسه ليس فقط على نقد من أصبح نقدُ الإسلام والإسلاميين كِلاهما صناعة لهم في السنوات الأخيرة، بل وعلى نقد الغرب الذي أنتج العلمانية نفسها.
سيكون الاقتباس في هذا المقال، على طوله النسبي، ظالماً لأفكار كتابٍ استثنائي تُعتبر قراءته بشكلٍ جدي ضرورة لكل مهتمٍ بموضوعه الإسلام المعاصر والإسلاميين، وبالواقع العربي بشكلٍ عام. لكن الأمل أن تُسلط الفقرات التالية المنقولة منه الضوء على منهجٍ متميزٍ في النقد يجب أن يشيع في جميع الأوساط.
في فصلٍ بعنوان (الـ "لا" الإسلامية النافية للعالم كأساس للأخلاقية) يقول الحاج صالح: "...والحالُ أن العالم المعاصر فاسدٌ فعلاً، وإن يَكُن فساده، مثل صلاحه، تاريخياً ونسبياً ومُتغيراً، لا جوهرياً ومُطلقاً وثابتاً. في هذه النقطة، فساد العالم، الإسلاميون على حق أكثرَ من تيارات سياسية وفكرية أخرى قد تنسبُ نفسها إلى (الحداثة)، وترى في تنظيمات الغرب المعاصرة معياراً نهائياً للصلاح العالمي... إن الصفة المحافظة، كيلا نقول الرجعية، للحداثة العربية في ربع القرن الأخير، تنبع من هنا بالضبط، خاصة من دعوتها إلى تَمثُّلِ عالم يزداد جوراً، بل واعتبارها هذا العالم مثلاً أعلى، يَكتسب كلﱡ فكر وكل عمل قيمتهما من السعي إلى التطابق معه. بل تسليمها غير النقدي بضربٍ من (نهاية التاريخ)، مُجسدة في الغرب المعاصر. هذا أكثرُ من استسلامٍ سياسي، إنه مسلكٌ امتثالي وغيرُ عقلاني. وعقيم فكرياً وثقافياً أيضاً، ولعلهُ ليس إلا الوجهَ الآخر لاستسلام الحداثية للعداء للإسلامية، وتكريس ذاتِها للتعبئة والنضال ضدها. من أجل التعبئة يجب أن يكون المثال الحداثي كاملاً ومُوحداً وفوق النقد، وأن تجري أبلسة الإسلامية قدر الإمكان. إن الحداثية العربية غيرُ صراعية جوهرياً، إلا ضد الإسلاميين. ولذلك تندرج بسهولة في خطط القوة الغربية المُهيمنة، وفي خطط نُخب السلطة في بلداننا. وفوق ذلك، لا تملك أي مناعة حيال التوظيف الطائفي".
وفي سياق البحث المباشر في عنوان الفصل المذكور أعلاه يتساءل الكاتب: "السؤال اليوم هو: كيف يمكن للطاقة الهائلة التي تحوزُها الـ (لا) الإسلامية أن تتحول من طاقةٍ تدميرية لتكون أساساً صلباً لأخلاقيةٍ، يحتاجها المسلمون، ويمكن أن تُثري العالم؟ وما هو المضمون المحتمل للأخلاقية هذه؟ بدايةً، هذا شأنٌ لا يمكن لأحدٍ إنجازه غير المسلمين أنفسهم. أما الغرب بالذات فهو جزء من المشكلة. وفي أساس ذاك تعصبهُ وتصورُ ذاتهِ معياراً لكل صلاحٍ ونورٍ في العالم. وحيثما أراد أن يلعب دوراً إصلاحياً مباشراً تسبب في فسادٍ عميم، على نحو ما يبرهن الحال في أفغانستان، وأكثر في العراق بعد احتلاله عام 2003، وعلى نحو ما تُظهر أمثلةٌ رثةٌ مدعومةٌ من جهاتٍ غربية لتطوير الإسلام أو تحديثه".
الكتاب غني بأفكار تحفرُ بشكلٍ مُبدع في نقد الإسلام المعاصر ونَقد ناقديه السطحيين، وفي الفصل الأخير بعنوان (المرضُ بالإسلام) يختم الحاج صالح الكتاب بقوله: "ويتظاهر (المرضُ بالإسلام) عبر مجموعتين متمايزتين من الممارسات والأفعال التكرارية. ممارسات تقديسية، ترفع الإسلام فوق كل ما هو إنساني، وتُنكر اندراجه في أي مقولات عامة تشمله مع غيره.. لكن عبارة (المرض بالإسلام) تنطبقُ أكثر على ممارسات تأثيمية، تتمثل خاصةً في أَبلسة وتشرير وكراهية، يجعل الإسلام منبعاً أولياً وأصلياً ودائماً لكل ما هو متدهورٌ وجامدٌ في عالمنا، مرضَنا الدائم أو عاهتنا الخَلْقية المتوارَثة. يتعلق الأمر هنا بضربٍ من التثبت النفسي المفرط حول مُدرك (الإسلام). والمثابرة على تسفيهه صراحةً أو مُداورة، مع الحرص أيضاً على إفراده عن غيره وعدم إدراجه في مقولةٍ عامة، منطقية أو تاريخية... واللافتُ في الصيغة التشريرية أو التأثيمية من المرض بالإسلام أنها دخلت السوق بقوة في هذه العشرية المُنقضية من القرن، وأنها شملت عدداً غير قليل من مثقفين معروفين، وصارت تعودُ بالشعبية والشُهرة المضمونة على بعض المُشتغلين بها. الواقع أنها دعوةٌ شعبويةٌ هي ذاتها مُنفعلة وخَطابية ومُتيقنة من عقيدتها، مثل كل الدعوات الشعبوية... وليس القناع المُفضل لهذا الضرب الرائج من الشعبوية إلا نقد الشعبوية، لكن مع تعريف الشعب ثقافياً (وفي الواقع دينياً)".
وأخيراً، يحرص الكاتب على إحالة قارئه إلى قواعد منهجية تتعلق بعملية النقد حين يقول: "بَيدَ أنه يتعين هنا التمييز بين النقد الضروري للإسلام والشأن الإسلامي من جهة، وبين عُصاب الإسلام والعداء الموتور له من جهة ثانية. يَتَّسمُ هذا الشكلُ المَرَضي بِحِدة الانفعال والنضالية والغضب من جهة، وبالتكرار اللامتناهي للأشياء والمواقف نفسها من جهةٍ ثانية... من المهم قولُ ذلك بغرض قطع الطريق على من قد ينتحلُ نقدَ الدين للتغطية على ممارسةٍ عِصابية موتورة، وكذلك على من قد يعتبر نقد الشأن الإسلامي مَسلكاً عُصابياً لمجرد أن هناك أشكالاً موتورة وقهرية من عُصاب الإسلام. ومثلما أن أبلسة الغرب لم تُثمر نقداً ثقافياً وفكرياً ذا قيمة للغرب، فإن مشكلة العداء الموتور للإسلام أنه يفشل في أن يطور نقداً جدياً بدوره".
ليس ضرورياً ولا مطلوباً أن يوافق القارئ على كل أفكار الكتاب، بل إن الحوار فيها هو الهدف الرئيسي والمُعلن من كتابته ونشره. لكن أهمية الموضوع تكمن في كونه نموذجاً نادراً على النقد الموضوعي للإسلاميين ولناقديهم المُفترين على حدٍ سواء. وكما ذكرنا سابقاً، قد تكون في مثل هذه الطروحات، وفي تعاون أصحابها مع شريحة المثقفين والباحثين المستقلين من خلفية إسلامية، فرصة نادرة لفتح نافذةٍ لتصحيح مسار الثورة السورية من المدخل الصحيح، المدخل الثقافي.
في التعامل مع ترامب وسياساته: حسابات الربح والخسارة
ثمة مقولةٌ شائعةٌ، وصحيحة، في عالم السياسة والاقتصاد تحديدًا: "لا تضع بيضَك كله في سلةٍ واحدة". وعلى ما... اقرأ المزيد
811
| 12 فبراير 2017
في ملابسات تغيير استراتيجية تركيا سورياً
ثمة تغيير جذري في رؤية الأتراك للأزمة السورية وطريقة التعامل معها. بات هذا معروفًا، لكن تحليل ملابساته يبقى... اقرأ المزيد
726
| 06 فبراير 2017
العرب بين الرغبة في الإصلاح والقدرة عليه
هل يمتلك العرب تصورًا واضحًا ومحددًا لعملية الإصلاح التي باتت استحقاقًا ملحًا منذ زمن؟ قد يحسب البعض أن... اقرأ المزيد
1256
| 29 يناير 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1293
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1212
| 01 أكتوبر 2026