رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قبل أكثر من عشر سنوات، فازت دولة قطر بتنظيم بطولة كأس العالم 2022، وها نحن نقترب من ولوج السنة الموعودة التي كنا نراها بعيدة وتراها الحكومة قريبةً، خلال تلك السنوات العشر التي مرت سريعاً، حققت دولة قطر نقلة نوعية على كافة المستويات، ونجحت في تحقيق نهضة شاملة ستدوم لنا لسنوات طوال، وقد أشاد العالم بتلك النهضة التي لا تخطئها عين منصفة، كما ان دولة قطر كانت وما تزال على قدر الثقة التي أولاها العالم إياها، ولم تخيّب ظن من صوت لصالحها لاستضافة البطولة. ونجحت في الالتزام بما وعدت به، إلا ان المقطوعة التي يعزفها الجميع لابد ان يكون فيها صوت نشاز.
منذ إعلان الفوز في عام 2010 إلى يومنا هذا لم تهدأ تلك الأصوات النشاز، والتي لم تفلح في ثني قطر عن تحقيق ما وعدت العالم به، فالثقة التي أولاها العالم لدولة قطر لم تأت من فراغ، بل انها نتيجة وانعكاس لما حققته خلال العقدين المنصرمين من التزام بالمواثيق والعهود، والتزامها تجاه المجتمع الدولي، لتتبوأ بذلك مكانة مرموقة اثبتت للعالم من خلالها انها دولة ذات تأثير في المنطقة والعالم أجمع.
لقد شنت تلك الأصوات النشاز حملات إعلامية ممنهجة وحملات مقاطعة وتنديد واحتجاجات مدفوعة الأجر، بهدف النيل من سمعة قطر والتغرير بالرأي العام الدولي وايهامه بأن قطر دولة تنتهك حقوق الإنسان وغير ملتزمة بحقوق العمال، بجانب اتهامات بالتشغيل القسري للعمال أو تشغيلهم في ظروف سيئة، وقد استغلت تلك الأصوات ملفا حقوقيا بعيدا عن مثاليتهم الزائفة ود ذلك الملف ان يقول لهم دعوني.
تتكشف لنا المثالية الزائفة بالنظر إلى أن تلك الحملات التشويهية التي طالت قطر، تمت بمنهجية وتنظيم محكمين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يمكننا كشف زيف تلك الحملات إذا ما اخذنا بالاعتبار أن دول الخليج ومنذ اكتشاف النفط فيها استعانت بالعمال من دول عدة حيث أسهم اولئك العمال اسهاما بارزا في نهضة دول الخليج منذ اكتشاف النفط منذ أكثر من سبعين عاما، وخلال تلك الفترة لم نسمع لتلك المنظمات صوتاً كالذي نسمعه اليوم! فهل اصبح العمال بين ليلة وضحاها محور الاهتمام بالنسبة لبعض المنظمات الدولية ووسائل الاعلام العالمية التي تشن الحملة تلو الأخرى منذ ان فازت قطر بتنظيم بطولة كأس العالم؟ وهل اصبح العمال مهمين بالنسبة لهم اليوم ولم يكونوا كذلك من ذي قبل؟
ثم ماذا قدمت تلك المنظمات للعمال الذين يضطرون للهجرة وترك أسرهم وأطفالهم خلفهم سعياً وراء الرزق بعد ضاقت بهم الأرض بما رحبت وتدمرت أوطانهم بسبب الحروب والصراعات والجهل ناهيك عن الاستغلال الذي تعانيه بعض الدول النامية من قبل الشركات العابرة للقارات التي تؤسس المصانع في تلك الدول الفقيرة وتستغل العمال ابشع استغلال ليصنعوا سلعا تختلط بعرق جبين الكادحين ليتم تصديرها للدول المتقدمة وتباع بأثمان باهظة بعد ان دفعوا مقابلها اجورا زهيدة واثمانا بخسة للعمال المستضعفين.
عندما ننظر لهذه المسألة بروية، يتبادر إلى الذهن سؤال عن الاهداف الكامنة وراء تلك الحملات التشويهية التي تزامنت مع فوز قطر بتنظيم البطولة، فهل تهدف تلك الحملات إلى تحسين الظروف المعيشية للعمال كما تدعي، ام انها تهدف لافشال الاستضافة وسحبها من دولة قطر حسداً من عند أنفسهم وأمنيات لم يقرنوها ببرهان لو كانوا صادقين؟ وإذا كان الهدف تحسين وضع العمال كما يرفعون ذلك شعارا يخفون خلفه ما يخفون، لماذا لم يهتز لهم رمش تجاه العمال الآخرين في دول أخرى في الوقت الذي تشير فيه التقديرات إلى أن عدد العمال في بعض الدول العربية بلغ بنهاية عام 2015، 13 مليوناً وهو رقم في ازدياد بلا شك.
من جهة اخرى، عندما ننظر لتلك الادعاءات الموجهة ضد قطر حصراً نجد انها متناقضة، ففي الوقت الذي تدعي فيه تلك الحملات المغرضة انها تسعى لتحسين ظروف العمال، نجد ان هناك اصواتا متزامنة مع تلك الحملات تطالب وكما اسلفنا بسحب البساط من تحت اقدام قطر والغاء البطولة، بحجة حقوق العمال! فهل سيهنأ بال من طالبوا بتلك المطالبات بتسريح العمال واعادتهم إلى بلدانهم ليتم استغلالهم مع اقرانهم من قبل الشركات العابرة للقارات؟.
إن هذه الاصوات النشاز التي تدعي المثالية لم تأت من فراغ، بل انها استمرار للمسلسل القديم والنظرة الفوقية التي ينظر بها بعض الغربيين لدول الشرق الاوسط، فهم لا يرون فينا جميعا سوى مخازن للطاقة لا نحسن التصرف بما بين ايدينا، ونحتاج دائما إلى من يوجهنا ويعلمنا الكتاب والحكمة، وهم بحملاتهم الموجهة ضد قطر يوجهون رسالة لدول المنطقة مفادها باننا لن نسمح لدولكم بأن تتبوأ مكانة عالمية أو ان تنظم بطولة بحجم بطولة كأس العالم لكرة القدم! وفي حين أن البطولة يفترض بها ان تجمع الشعوب لا ان تفرقها، أبى البعض إلا ان يكشف عن الغل الكامن نفسه عبر اطلاق الاتهامات الواهية والأكاذيب الواهنة.
لقد سبق العديد من الدول الفوز بتنظيم بطولة كأس العالم خلال السنوات الماضية، على الرغم من انها تعاني ما تعانيه من فقر وبطالة وانتشار للجريمة والمخدرات، بجانب الملفات الساخنة لانتهاك حقوق الانسان المثخنة بالمآسي والانتهاكات، ومع ذلك لم نسمع نفس الاصوات النشاز وهي تندد بتنظيم البطولة في تلك الدول الغارقة في الفساد والجهل والمشاكل، كما لم نسمع لها صوتاً ناقداً لتعامل الدول"المتقدمة" مع ملف حقوق الانسان والمهاجرين الذين يعاملون معاملة مزرية ويتم انتهاك حقوقهم وتشغيلهم في ظروف صعبة بعد ان شُردوا من أوطانهم وذهبوا يبحثون عن حياة كريمة عادلة فلم يجدوا امامهم بعد ان ركبوا رحلات الموت إلى سواحل اوروبا سوى الويلات، كالمستجير من الرمضاء بالنار.
ومع ذلك لنا أن نتساءل هنا ماذا ستجني بعض المنظمات الدولية التي تقود الحملات المغرضة ضد قطر بفقدان العمال لوظائفهم ومصدر رزقهم، اذا ما اخذنا في الاعتبار ما تشير اليه التقديرات من ان الحوالات المالية للوافدين في دولة قطر بلغت في عام 2019- 11.9 مليار دولار، في حين ان هذا الرقم يتضاعف بالنظر الى حوالات الوافدين في دول الخليج مجتمعة، حيث يتجاوز ذلك الرقم المائة مليار دولار، ولنا ان نتصور هنا عدد الافواه التي تطعمها والاسر التي تعولها تلك الاجور المتحصلة من العمل في دول الخليج. فلماذا لم ينظر إلى هذا الجانب الايجابي بشكل معتبر ومنصف؟ ثم هل ان بعض المنظمات ووسائل الاعلام التي تقود تلك الحملات المغرضة تريد "العنب" أم انها تريد رأس "الناطور"؟! وماذا ستجني من وراء السعي لتحقيق امنياتهم التي لن ينالوها بسحب تنظيم بطولة كأس العالم من دولة قطر، وهل سينعمون براحة الضمير وهم يرتدون الملابس الأنيقة وينظّرون أمام شاشات التلفزة ويتهمون قطر باضطهاد العمال في الوقت الذي تنهار فيه المباني في بنغلادش وتقتل آلاف العمال في مصانع النسيج وهم يحيكون قميصا زهيداً ليرتديه المنظر الغربي المتحضر ويطالب بحقوق العمال في قطر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أسابيع عصيبة عاشتها بلادنا على وقع الأزمة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، وما رافقها من إجراءات أحادية قام بها المجلس الانتقالي ( المنحل ) أربكت المشهد السياسي والأمني، ومن الواضح أن اليمن يتجه اليوم بعزم وإرادة، نحو مرحلة أكثر هدوءا واستقرارا.هذه الفترة رغم قصر مدتها إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التي شكلت اختبارا صعبا لتماسك الدولة وقدرتها على الصمود، وأيضا لحكمة القيادة السياسية في إدارة لحظة شديدة الحساسية، داخليا وإقليميا.إن خطورة ما جرى في محافظتي حضرموت والمهرة لم يكن مقتصرا على تعميق الانقسام الاجتماعي أو إثارة الحساسيات المحلية، بل تجاوزت ذلك إلى تهديد وحدة البلد ووحدة مجلس القيادة الرئاسي وتماسك الحكومة، وإضعاف جبهة الشرعية برمتها في لحظة لا تحتمل فيها البلاد أي تصدّعات إضافية. هذا الوضع الصعب مثل تحديا حقيقيا كاد أن ينعكس سلبا على المسار السياسي العام، وعلى قدرة الدولة على مواجهة التحديات الوجودية التي لا تزال قائمة وفي مقدمتها الوضع الاقتصادي والإنساني المتردي وانقلاب جماعة الحوثي. وخلال هذه الأزمة، برز بوضوح مدى أهمية الموقف الدولي، الذي ظل رغم كل التعقيدات قائما على مقاربات موضوعية ومسؤولة تجاه الملف اليمني. فقد حافظ المجتمع الدولي على موقف موحد داعم للحكومة الشرعية ومجلس القيادة الرئاسي، وهو مكسب سياسي ودبلوماسي بالغ الأهمية كان مهددا بالتآكل نتيجة تداعيات الأزمة الأخيرة. ومن المهم التأكيد على أن الحفاظ على هذا الدعم والزخم الدولي المساند للحكومة لم يكن نتاج صدفة عابرة، بل هو ثمرة جهد سياسي ودبلوماسي منظم وواع، أدرك حساسية المرحلة وخطورة أي انزلاق غير محسوب نحو الصراع داخل مظلة الحكومة، مرسخا قناعة دولية بضرورة دعم الشرعية باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استعادة الدولة وصون الاستقرار. اليوم تمضي القيادة السياسية والحكومة في مسار تصحيحي شامل، يستهدف احتواء تداعيات الأزمة ومعالجة جذورها، وهو مسار يحظى بتأييد شعبي واسع، ودعم كامل وواضح من الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي. وبالحديث عن دعم أشقائنا في مجلس التعاون بقيادة السعودية فإنه من المهم أن نشير إلى أن هذا الدعم لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مساندة ظرفية مرتبطة بأحداث معينة، بقدر ما هو ضرورة استراتيجية تفرضها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار السياسي، وتشابك المصالح بين اليمن ومحيطه الخليجي. نعم، إن أهمية الدعم الخليجي لليمن تتجاوز بطبيعتها البعد الاقتصادي أو الإنساني، لتتصل مباشرة بجوهر المعادلة الأمنية والسياسية في المنطقة. فاستقرار اليمن والاستثمار في دعم مؤسساته الشرعية يظل الخيار الأكثر حكمة لضمان أمن جماعي مستدام، قائم على الشراكة والمسؤولية المشتركة. ولكي تتمكن الحكومة ومجلس القيادة من استعادة زمام المبادرة، وتعزيز حضور الدولة، فإن اليمن أحوج ما يكون اليوم إلى موقف خليجي داعم على مختلف المستويات، سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، لأن هذا الدعم يشكّل الطريق الأكثر واقعية لضمان استقرار الأوضاع، واستعادة الثقة، وانتشال اليمن من أزماته المتراكمة، بعيدا عن الحلول المؤقتة أو المعالجات التي لا تنفذ إلى جوهر المشكلات التي تعاني منها بلادنا. وعلى المستوى الداخلي، شكلت الأزمة الأخيرة فرصة لإعادة تذكير جميع المكونات والقوى السياسية بأولويات اليمن الحقيقية، وبالمخاطر الأساسية المحدقة به. فالصراع الجانبي، وتغليب الحسابات الضيقة، لا يخدم سوى مشاريع التقسيم والإنفلات ومشروع الحوثي، الذي لا يزال التهديد الأكبر لمستقبل اليمن، وهو ما يضع مسؤولية كبيرة على الجميع للتحرك وفق برنامج واضح، يعيد ترتيب الأولويات، ويضع إنهاء الانقلاب واستعادة الدولة في صدارة الأهداف، وصولا إلى مرحلة لا يكون فيها اليمن رهينة للسلاح أو المشاريع الخارجة عن الدولة، وإنما دولة مستقرة، شريكة لمحيطها، وقادرة على إدارة شؤونها بإرادة وطنية جامعة.
1638
| 14 يناير 2026
بين فرحة الشارع المغربي وحسرة خسارة المنتخب المصري أمام السنغال، جاءت ليلة نصف النهائي لتؤكد أن كرة القدم لا تعترف إلا بالعطاء والقتال على أرض الملعب. قدمت مصر أداءً مشرفًا وأظهرت روحًا قتالية عالية، بينما كتب المغرب فصولًا جديدة من مسيرته القارية، مؤكدًا تأهله إلى النهائي بعد مواجهة ماراثونية مع نيجيريا امتدت إلى الأشواط الإضافية وحسمت بركلات الترجيح. المباراة حملت طابعًا تكتيكيًا معقدًا، اتسم بسرعة الإيقاع والالتحامات القوية، حيث فرض الطرفان ضغطًا متواصلًا طوال 120 دقيقة. المنتخب المغربي تعامل مع هذا الإيقاع بذكاء، فحافظ على تماسكه وتحكم في فترات الضغط العالي دون ارتباك. لم يكن التفوق المغربي قائمًا على الاستحواذ وحده، بل على إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق في المباريات الكبرى. تجلّى هذا التوازن في الجمع بين التنظيم الدفاعي والقدرة على الهجوم المنظم. لم يغامر المغرب دون حساب، ولم يتراجع بما يفقده زمام المبادرة. أغلق اللاعبون المساحات وحدّوا من خطورة نيجيريا، وفي المقابل استثمروا فترات امتلاك الكرة لبناء الهجمات بهدوء وصناعة الفرص، ما منحهم أفضلية ذهنية امتدت حتى ركلات الجزاء. في لحظة الحسم، تألق ياسين بونو، الذي تصدى لركلتي جزاء حاسمتين بتركيز وثقة، وهو ما منح المغرب بطاقة العبور إلى النهائي وأثبت حضوره في اللحظات المصيرية. على الصعيد الفني، يواصل وليد الركراكي تقديم نموذج المدرب القارئ للمباريات بإدارة متقنة، ما يعكس مشروعًا قائمًا على الانضباط والواقعية الإيجابية. هذا الأسلوب أسهم في تناغم الفريق، حيث أضاف إبراهيم دياز لمسات فنية ومهارات فردية ساعدت على تنويع الهجمات وصناعة الفرص، بينما برز أشرف حكيمي كقائد ميداني يجمع بين الصلابة والانضباط، مانحًا الفريق القدرة على مواجهة أصعب اللحظات بثقة وهدوء، وخلق الانسجام التكتيكي الذي ساعد المغرب على التقدم نحو ركلات الجزاء بأفضلية ذهنية واضحة. ولا يمكن فصل هذا الإنجاز عن الجمهور المغربي، الذي شكّل سندًا نفسيًا هائلًا، محولًا المدرجات إلى مصدر طاقة ودافع مستمر. كلمة أخيرة: الآن يستعد المغرب لمواجهة السنغال في النهائي، اختبار أخير لنضج هذا المنتخب وقدرته على تحويل الأداء المتزن والطموح المشروع إلى تتويج يليق بطموحات أمة كروية كاملة.
1254
| 16 يناير 2026
اعتدنا خلال كل البطولات الأممية أو العالمية لكرة القدم أن نرى العدسات تتجه إلى مواقع المشاهدين في المدرجات، تسلط الضوء على الوافدين من كل حدب وصوب بكل تقاليدهم في الملبس والهيئة والسلوك. لكن أتت النسخة الحالية من كأس أمم أفريقيا والمقامة في المغرب، لتكشف عن حالة جديدة فريدة خطفت الأضواء، وأصبحت محط أنظار وسائل الإعلام العالمية ووسائل التواصل الاجتماعي. ففي جميع المباريات التي كان أحد طرفيها فريق الكونغو، كان أحد مشجعي هذا الفريق يقف طيلة وقت المباريات كتمثال جامد بلا حراك، بجسد مشدود ويد يرفعها أمامه كمن يلقي التحية، دون أن يهتف، ودون أن يتكلم، ودون أن يصفق، فقط هي تلك الهيئة الجامدة. لم يكن هذا التمثال البشري يثير الدهشة والانتباه فقط بهيئته، بل بالشخص الذي اتخذ هيئته، فقد كان يجسد بهذه الوضعية تمثالا للزعيم الكونغولي باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية عقب الاستقلال عام 1960م. «كوكا مبولادينغا»، هو اسم ذلك المشجع الكونغولي الذي تقمص هيئة الزعيم الاستقلالي لومومبا، وخطف أنظار الجماهير وعدسات التصوير، ليتحول إلى أيقونة وطنية تعبر عن رموز بلده وربط تاريخها بحاضرها، واستدعى رمزية الاستقلال ممثلًا في شخصية ذلك الزعيم الذي قاد الحركة الوطنية الكونغولية ولعب دورًا محوريًا في استقلال الكونغو بعد أن كانت مستعمرة بلجيكية، وعُرف بخطبه ومقالاته النارية التي شرح خلالها للأوساط المحلية والإقليمية والدولية جرائم البلجيك ضد الشعب الكونغولي وتورطهم في تهريب ثروات البلاد، وخاض مظاهرات شعبية ومواجهات ضد الاحتلال، وتعرض للسجن، إلى أن استقلت بلاده وشغل منصب رئيس الوزراء، إلى أن قام الانقلاب العسكري الذي أدى إلى اعتقاله وتعذيبه وإعدامه بعد عام واحد من الاستقلال. لم يختر المشجع مبولادينغا رفع العلم أو دهن وجهه بألوانه، أو أداء رقصة شعبية كونغولية، أو أي من هذه المظاهر المعتادة لتمثيل بلاده، بل اختار ذلك السكون والجمود على مدى 438 دقيقة، هي زمن المباريات التي خاضها فريقه. كان مشهدًا مؤثرًا لكل من طالعه، ولم يتوقف هذا التأثير عند حد الإعجاب بالرجل، ولكن تعداه إلى ما هو أبعد بكثير من ذلك، إذ إنه أقام جسرًا ممتدًا للتعريف ببلاده ورموزها، فقد تدفق اللجوء إلى محركات البحث عن الكونغو واستقلالها وزعيمها، فنقل رجل واحد – بذلك السلوك- وطنه إلى حيز الاهتمام العالمي، وعرّف ببلاده بشكل أقوى وأسرع وأكثر كثافة من كل ما يكتب عن الكونغو وتاريخها وحاضرها ورموزها. لقد اتضح لي من البحث أن هذا الرجل يسير على نفس النهج من التشجيع بهذه الهيئة، منذ قرابة اثني عشر عاما، بما يعني أن الرجل صاحب قضية، وصاحب رسالة وحس وطني، ويحمل بين جنباته حب وطنه وقضاياه، يرغب في أن يتعرف العالم على تاريخ بلاده المنسية ورموزها، بما ينفي عنه تهمة السعي وراء (التريندات). لقد صار الرجل أبرز رموز كأس الأمم بالمغرب، وأصبح أيقونة وطنية معبرة عن الكونغو، ما جعله محل اهتمام رسمي قوي، فقد التقط رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي صورة تذكارية معه خلال مباراة الجزائر والكونغو، وقام وزير الرياضة الكونغولي بتكريمه لتشريفه بلاده وتمثيلها خير تمثيل، وأهداه عربة دفع رباعي «جيب»، وأهداه الاتحاد الجزائري لكرة القدم قمصان المنتخب الجزائري بعدما أبكاه خروج منتخب بلاده أمام الجزائر، ووجهت اللجنة المنظمة للبطولة دعوة رسمية له لحضور المباراة النهائية، إضافة إلى أنه كان لا يستطيع أن يخرج من غرفة فندقه بسبب تدافع الناس لالتقاط الصور معه والتحدث إليه. المشجع الكونغولي الذي أحيا قصة الاستقلال، كان بصمته وجموده يؤدي طقسًا وطنيًا ويجسد شكلا من أشكال الانتماء للوطن، وغدا كجندي يحرس ذاكرة بلاده وشاهد على تاريخ يجمع بين الألم والأمل. أمثال هذا الرجل هم القوة الناعمة الحقيقية لأي دولة، أولئك هم السفراء الذين يجسدون معاني الوطنية والاعتزاز بالوطن والدعاية له والتعريف به وشرح قضاياه. إننا مطالبون كذلك كلما تخطينا حدود بلادنا أن نكون سفراء لها، ندرك أننا في أسفارنا نرسم الصورة الذهنية للآخرين عن بلادنا، فالفرد هو جزء من مجتمعه، من وطنه، سوف ينقل ثقافته وقضاياه إلى الشعوب لا بالشعارات والأغاني، إنما بالسلوك والقيم.
852
| 11 يناير 2026