رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
المتأمل في الإعلام العربي في السنوات الأخيرة وتعامله مع ظاهرة الإرهاب يلاحظ غياب إستراتيجية واضحة وهادفة ويلاحظ أن وكالات الأنباء العالمية هي التي تحدد الأجندة والأولويات حسب ما يحلو لها وحسب مفهومها للإرهاب وحسب قيمها ومعتقداتها وسياساتها وأيديولوجيتها.
من الملاحظ كذلك غياب إستراتيجية إعلامية عند الدول العربية ضحية الإرهاب الأمر الذي أدى إلى عدة مغالطات وإلى حجم كبير من التشويه والتزييف سواء للإسلام أو للعرب بصفة عامة، ومن المعروف أن أحد الأهداف الرئيسية للإرهابيين هو الوصول للرأي العام وبذلك التأثير فيه لكسبه سواء محليا أو دوليا، وهنا نلاحظ التعامل العشوائي وغير المسؤول لوسائل الإعلام العربية مع الأحداث الإرهابية المختلفة، وفي بعض الأحيان نشكك حتى في أهداف ونوايا الكثير من المؤسسات الإعلامية العربية. وسائل الإعلام العربية مطالبة بالتفاعل والتعاطي مع الأحداث الإرهابية بروح المسؤولية والمصداقية والموضوعية ودراية تامة بالخلفيات والأبعاد وعدم الخضوع والتبعية التامة لوسائل الإعلام ووكالات الأنباء الغربية، فوسائل الإعلام العربية مطالبة أكثر من أي وقت مضى للدفاع عن العقيدة الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية والعادات والتقاليد التي تتسم بالتسامح والمحبة والوئام.
تعتمد معظم وسائل الإعلام العربية في تعاملها مع الإرهاب اعتمادا كليا على وكالات الأنباء العالمية ولم تجرؤ على الخروج للميدان ومعايشة الواقع ثم تقديمه للرأي العام سواء على الصعيد الداخلي أو الدولي، على مسؤولي وسائل الإعلام النظر إلى ظاهرة التفاعل والتعامل مع عمليات الإرهاب بشيء من الحذر والجدية والتعمق لأن فكرة حرية الصحافة والتدفق الحر للمعلومات والطاعة العمياء لمبدأ حق الفرد في المعرفة لا مجال لها عندما يتعلق الأمر بأمن المجتمع وسلامته، المطلوب هنا هو وضع مقاييس صارمة للتعامل مع الأعمال الإرهابية وإذا استطاعت وسائل الإعلام أن تهمش هذه الأعمال ولا تعطيها أي أهمية تذكر فإنها تخدم بذلك المجتمع بأسره وتقصي الإرهابيين وأعمالهم. في هذه الحالة لا يجب أن تفكر وسائل الإعلام بمنطق الربح والتجارة والتنافس ولا بمنطق الحرية وعدم تدخل الدولة في شؤونها الخاصة أو غير ذلك من الاعتبارات لوضع قيود وتوجيهات للتعامل مع الإرهاب.
إن ضرورة تعاون أجهزة الأمن والحكومة ووسائل الإعلام في كيفية التعامل مع الإرهابيين وتغطية نشاطهم مهمة جدا لتجنب عملية الاستغلال وتجنب الدعاية والتضخيم والإثارة، تضافر الجهود يؤدي إلى نجاح احتواء الإرهاب وإقصائه إعلاميا وهذا يعني موته، فالإرهاب دون دعاية وإعلام لا يستطيع أن يحقق أهدافه ويصل إلى الرأي العام. فعندما تقوم وسائل الإعلام بتغطية الأعمال الإرهابية تقوم بتضخيم الأحداث وتجعلها علنية مشحونة بالانفعال والتوتر وفي الكثير من الأحيان تؤدي هذه التغطيات خاصة التلفزيونية منها إلى تعاطف الرأي العام مع الإرهابيين. وهنا تجد وسائل الإعلام نفسها أمام وضع لا تحسد عليه: الحفاظ على حرية التعبير والقيام بدور الإبلاغ والإخبار وإشباع مطالب الجمهور، وبين تسخير خدماتها الإعلامية للإرهابيين الذين يستعملون العنف والقوة للوصول لوسائل الإعلام ومنها إلى الرأي العام وإلى أكبر عدد ممكن من الجمهور داخليا ودوليا. وكما أسلفنا يجب التعاون والتنسيق بين الأطراف المختلفة لتهميش الإرهابيين وأعمالهم وهذا لصيانة المصلحة العامة وسلامة المواطنين وأمن الدولة.
وحتى تنجح وسائل الإعلام في مهمتها الإستراتيجية في التعامل مع الإرهاب يجب إنشاء بنك معلومات مشترك ويجب إنشاء قنوات تعاون لتبادل المعلومات وتوفير المعطيات اللازمة والضرورية عن الشبكات الإرهابية المختلفة من حيث الخلفية والتكوين والأيديولوجية والأهداف وإلى غير ذلك من المعلومات التي قد تتوفر لدى البعض وتغيب على الغالبية العظمى من وسائل الإعلام العربية. فما يجري من أعمال إرهابية في بعض الدول العربية الشقيقة عولج مع الأسف الشديد بطريقة عشوائية تنقصها الدقة في المعلومات والحدس الصحفي البارز وجاءت معظم الكتابات حول ظاهرة الإرهاب مبسطة مسطحة خدمت الإرهاب أكثر مما أنها حاولت أن تقوضه أو تنير الرأي العام بطريقة عقلانية هادفة وناجحة
وليعلم القائمون على الإعلام العربي أن معظم وسائل الإعلام الغربية خاصة تلك التي تركز على الإثارة وعلى بيع الغرابة والعنف والجريمة فإن الإرهاب يعتبر مادة دسمة مربحة تساعد المؤسسة على زيادة المبيعات وجني أرباحا طائلة ناهيك عن نوايا التشويه والتشهير والتجريح والإساءة للعرب وللإسلام والمسلمين، فالإرهاب أصبح لغة العصر وانتشر في جميع أنحاء العالم، تركز وسائل الإعلام الغربية بدرجة كبيرة على ما يحدث في الدول النامية والدول الإسلامية بدرجة كبيرة مستغلة الإثارة والجريمة لتكريس أفكار معينة ومعروفة وتدعيم وضع راهن فارض وجوده على العالم بأسره. ومع ظهور الإسلاموفوبيا أصبحت وسائل الإعلام الغربية تتفنن في إيجاد علاقة ارتباطية إيجابية بين الإسلام والإرهاب وما بين كل من يخرج عن طاعة أمريكا والغرب والإرهاب. والغريب في الأمر أن المهتمين من الصحفيين والمختصين في شؤون الإسلام والشرق الأوسط والعرب لا يفرقون بين أمور كثيرة ويمزجون بين الدول والأمم ومختلف المذاهب والاتجاهات في الديانات والثقافات والحضارات المختلفة خاصة الحضارة العربية الإسلامية.
وانطلاقا من الصور النمطية والأفكار المسبقة والمشوهة تقوم وسائل الإعلام بتقديم أخبار ملونة الهدف منها النيل من العرب والمسلمين وربط الإرهاب بالإسلام وما حدث في أوكلاهما على سبيل المثال يؤكد الانحياز المقصود والمتعمد ضد العرب والمسلمين، وكل ما يحدث من أعمال إرهابية في معظم الدول الأوروبية ينسب بالدرجة الأولى للعرب وللمسلمين دون انتظار نتائج التحقيق أو التحريات، وعندما تكشف نتائج الاستجوابات المختلفة والحقائق والأدلة القاطعة أن المسلمين والعرب ليس لديهم علاقة بالموضوع تتجاهل وسائل الإعلام نتائج التحقيق ولا تعترف بغلطتها وتمر عليها مرور الكرام وكأن شيئا لم يحدث، وهنا تستغل وسائل الإعلام الإرهاب لترسيخ صور نمطية معينة وتعمل على تأكيد تفوق الحضارة الغربية وتخلف باقي الحضارات، ويبقى الصراع دائما بين الغرب الذي يريد بكل الوسائل والحيل والتصرفات غير الأخلاقية إقصاء الآخرين وفرض ثقافته وأفكاره وقيمه على العالم بأسره.
تجدر الإشارة هنا إلى تعامل الإعلام مع حادثة "شارلي إبدو" وحادثة "شابل هيل" بنورف كارولينا.
في خلفية الصراع الحضاري بين الشرق والغرب خاصة في إطار تقويض الإسلام وتشويهه تأتي ظاهرة الإرهاب في الوطن العربي كالمبرر الضروري واللازم لإطلاق عنان الحقد والكراهية وكل أنواع وأشكال الصور النمطية على "بربرية العرب والمسلمين"، وكلما كانت هناك حادثة إرهابية في الغرب إلا ووجهت أصابع الاتهام للعرب، وغالبا ما يُسجن الشاب العربي المغترب في فرنسا أو في بلجيكا أو في أمريكا وغيرها من الدول الغربية الأخرى لا لشيء إلا لأنه يتميز بملامح العربي.
الجزائر ... من أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى حراك 2019
بعد مرور أكثر من 7 شهور على الحراك يتساءل المواطن الجزائري عن مصير الانتخابات الرئاسية التي تأجلت مرتين... اقرأ المزيد
2829
| 12 أكتوبر 2019
إعلام "الشو بيز" وأفول الفضاء العام
يمثل الفضاء العام حركة إدماج وتمجيد الحريات الفردية والتعبير عن الآراء وتمكين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين والثقافيين من... اقرأ المزيد
2141
| 28 سبتمبر 2019
الصراعات والأزمات وصناعة الواقع
يتساءل الكثيرون عن واقعية وموضوعية مخرجات الوسائل الإعلامية وإلى أي مدى تعكس هذه الرسائل الواقع كما هو أم... اقرأ المزيد
1350
| 29 يونيو 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2481
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2274
| 15 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1179
| 11 أكتوبر 2026