رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كرة القدم تجمعنا كأس العالم في قطر.. ومصالحة بين الجزائر ومصر.. واليمن السعيد منتصر
بداية عذرا عن تأخري في نشر مقالي إلى اليوم بدلا من الخميس الماضي، فزاويتي كما تعلمون تنشر اسبوعيا كل يوم خميس، واستسمحكم عذرا لهذا التأخير، نظرا لظروف طارئة، وإن شاء الله تعود الزاوية إلى إطلالتها عليكم كل خميس كما هو معتاد.
في عام 2001 استضافت قطر اجتماعا لمنظمة التجارة العالمية الـ WTO لتداول الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية والتجارة الـ GATT التي تهدف إلى تعزيز التجارة الحرة وإزالة القيود والعوائق أمام التبادل التجاري بين الدول، وأطلق على الاجتماع "جولة الدوحة"، حيث سبقتها عدة جولات في دول مختلفة، إلا أنه لم تعقبها جولة أخرى، ومازالت المباحثات جارية حول مناقشات واتفاقيات هذه الجولة علما أن رئيس منظمة التجارة العالمية حدد هذا العام وقتا لختامها.
عايشت هذا الاجتماع المهم والكبير عن قرب حيث كنت أحد المتطوعين الذين التحقوا فيه للعمل في اللجنة الإعلامية التي رأسها الزميل سلطان المهندي. وأذكر انني كتبت حينها مقالا أشرت فيه إلى أن قطر تستضيف أهم مؤتمرات العالم متسائلا عن إمكانية أن يقودنا ذلك لأن نستضيف مستقبلا كأس العالم لكرة القدم. لم يكن ذلك تخمينا ولا تنبؤا بقدر ما كان استشرافا للمستقبل مبنيا على مؤشرات ووقائع واستنتاجات تعتبر الرياضة "إحدى رؤى البلد، وركيزة من ركائز الاستثمار إلى جانب المبادرات في المجالين الاقتصادي والتربوي التعليمي".
هذه الاستنتاجات هي نفسها التي جعلت كاتبا أمريكيا بعد تسع سنوات تقريبا يؤكد في مقال كتبه أن استضافة قطر للألعاب الأولمبية الصيفية أو كأس العالم لكرة القدم هو أمر حتمي فالدلائل والاستنتاجات تشير إلى أن العوامل كلها متوافرة في هذا البلد لتنظيم الأحداث والبطولات الرياضية الكبرى.
إذ قال الإعلامي الأمريكي الشهير "آلان ابراهامسون" في مقال نشره في موقع محطة "أن بي سي" الأمريكية الواسعة الانتشار في أبريل الماضي ان قطر تتمتع بإمكانات مادية كبيرة وهي في بداية تطور اقتصادي قد يستمر لمائة سنة أو مائتي سنة أو أكثر. مضيفا أن التحدي الذي يواجهها هو في الطريقة التي سوف يتم بها إنفاق كل هذه الأموال، واصفا بأنه "تحد لطيف".
وأضاف كاتبا في معرض مقاله: ليس الأمر إن كانت قطر سوف تستضيف دورة من الألعاب الأولمبية، أو في الوقت الحالي، نهائيات كأس العالم، بل إن السؤال هو: متى سيحدث ذلك؟.. ربما، إن كلل طلب الاستضافة الحالي لنهائيات كأس العالم بالنجاح، سيكون ذلك منذ عام 2022.
صدق حدس هذا الكاتب المتخصص في الألعاب الأولمبية وشؤونها، وفعلا اختيرت قطر لتنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2022، مثلما صدقت تمنياتي.. "يدرك الفيفا أنه قد حان وقت تنظيم كأس العالم في بلدنا لترسيخ رسالة السلام والوحدة في العالم من خلال هذه المنطقة". بهذه العبارة أنهيت مقالي الذي نشرته الخميس قبل الماضي، اليوم الذي اختار فيه الفيفا دولة قطر لاحتضان كأس العالم 2022، وكنت قد ذكرت في المقال ايضا انني "أبلغ من العمر الآن أربعين سنة، وإن شاء الله يكتب لي عمرا طويلا في طاعته وتتيح لي الفرصة أن أشاهد مرة أخرى حدثا رياضيا كبيرا في قطر وهو كأس العالم لكرة القدم عام 2022".
وأشرت إلى أنه "مثلما كانت الدوحة أول مدينة عربية تحتضن دورة الألعاب الآسيوية، إن شاء الله تكون الدوحة أول مدينة في منطقة الشرق الأوسط تستضيف كأس العالم لكرة القدم عندما يتخذ الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" قراره "اليوم" لصالح قطر بمشيئة الله".
كانت لحظة الإعلان عن فوز قطر بتنظيم الحدث الأكثر أهمية في العالم لحظة تاريخية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ولن ينسى القطريون وإخوانهم العرب المقيمون بيننا أو في بلادهم أو في أي مكان آخر يوم الثاني من ديسمبر أبدا، ففي هذا اليوم جمعتنا كرة القدم ووحدت صفوفنا وجعلتنا نتفق في وقت يقال عنا نحن العرب إننا اتفقنا أصلا على ألا نتفق.
هكذا هي رياضة كرة القدم مثلما تفرق تجمع أيضا، وأذكر في الصيف الماضي كيف خرج مئات الآلاف من المتظاهرين الأسبان في مدينة برشلونة دفاعا عن الحكم الذاتي الموسع في إقليم كتالونيا، معقل أفضل ناد في العالم وهو برشلونة العريق، بعد أن طعنت فيه المحكمة الدستورية الاسبانية. فهذه الجموع التي دافعت عن حكمها الذاتي وتشجع الانفصال عن إسبانيا هي نفسها التي فرحت للانتصارات التي حققها المنتخب الإسباني في مونديال جنوب افريقيا وتتويجه باللقب.
وغير بعيد عن ذلك، استطاعت اليمن السعيد مؤخرا أن تنظم خليجي 20 لكرة القدم في أحلى وأبهى صورة، بل كانت البطولة التي توج فيها الكويت باللقب هي الأفضل على الإطلاق، وخاصة من الجانب الجماهيري، فاليمنيون اثبتوا أنهم أكثر من يعشق كرة القدم في منطقة الخليج، فبالرغم من خروج فريقهم من الدور الأول برصيد خال من النقاط، فان الجماهير العاشقة للكرة لم تغب عن المدرجات وشجعت كل الفرق الخليجية بحماس. ويحسب لخليجي 20 في اليمن أنها تكاد تكون من المرات النادرة التي تخرج فيها كأس الخليج من غير حساسيات جماهيرية وشعبية.
شخصيا، كنت أتمنى أن تحظى اليمن بشرف استضافة هذه البطولة وعدم نقلها إلى بلد آخر بعد كل الأقاويل التي أثيرت في وسائل الإعلام عن عدم إمكانية استضافتها لهذا الحدث بسبب عوائق أمنية على خلفية الهجمات الإرهابية في البلاد التي تقف خلفها القاعدة والحوثيون.
بسبب كرة القدم انتصر اليمن.. وحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز الأمريكية عن خليجي 20 ان الصحفيين العرب قدموا تقارير متوهجة عن البطولة وعن الاستقبال الدافئ الذي لقوه في عدن. ونشرت جريدة كويتية مقالا تحت عنوان: "كذبة المليون"، ساخرة بذلك من التهديدات التي صدرت عن انفصاليين يمنيين بتعطيل البطولة عبر تنظيم مظاهرة يشارك فيها مليون شخص. حتى ان أعضاء من الحركة الانفصالية انضموا إلى الاحتفالات الخاصة بالبطولة. وقال أحمد السلامي، مصور كويتي عمره 29 عاما: "كتبت وصيتي قبل المجيء إلى هنا، وتوسلت لي أسرتي ألا آتي إلى هنا. ولكنني اكتشفت أن كل الأشياء التي سمعناها غير صحيحة؛ فاليمن دولة جميلة".
عندما زار وفد الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" قطر في سبتمبر الماضي ضمن جولاته للدول المرشحة لاستضافة مونديالي 2018 و2022، التقيت بالصحفي مايكل كيسي من وكالة الأنباء العالمية "الأسوشيتد برس" الذي تربطني به علاقة طيبة، ودار بيننا حوار حول إقامة كأس الخليج في اليمن في ظل التهديدات الأمنية التي تعيشها، وقلت له شخصيا أتمنى أن تقام الدورة في اليمن ورفضت مبدأ نقلها إلى دولة أخرى، فلابد لهذه الدولة أن تحظى بشرف وفرصة استضافة هذا الحدث. والحمد لله أن اليمن رفعت علامة النصر وكسبت التحدي في تنظيمها لبطولة هي الأفضل في تاريخ دورات كأس الخليج لكرة القدم.
ومن اليمن إلى الجزائر ومصر.. فمثلما وحدت كرة القدم العالم العربي بعد نيل قطر شرف استضافة كأس العالم 2022، كما وحدت أهل اليمن بمن فيهم البعض من دعاة الانفصال أثناء منافسات خليجي 20، ها هي تسعى إلى التقريب والمصالحة بين الشقيقين الجزائر ومصر بعد أن أذكى شرذمة من إعلاميي البلدين نار الفتنة بين الشعبين.
ويحسب لدولة قطر أنها تقود مبادرة التصالح بين البلدين، مثلما بادرت أيضا بدعم اليمن في استضافتها لكأس الخليج، وتكاد تكون الدولة الخليجية الوحيدة التي آمنت بحتمية إقامة الدورة فيها.. لذلك لم يكن غريبا أن يفرح العرب أولا وأخيرا باستضافة قطر لكأس العالم وأن تحظى قطر بشرف استضافة هذا الحدث.. فإنما الأعمال بالنيات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3417
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3144
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1218
| 01 أكتوبر 2026