رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تبحث هذه المقالة الأسباب التي أدت إلى تراجع شعبية الأحزاب اليمينية المتطرفة في هولندا والدانمارك، وخسارتها لجُلّ مقاعدها في البرلمان، في حين صعدت هذه الأحزاب في بلدان أوروبية أخرى وحققت فوزاً كبيراً.
ويمكن رصد أربعة أسباب لهذا الانحسار، جميعُها يدور في فلك الفشل الذريع الذي لحق بركب اليمين المتطرف في هولندا والدانمارك، والذي حاول من خلاله سحب البساط من تحت أقدام اللاجئين، وتعتيم صورتهم في الوسط المدني الأوروبي.
بين الانتصار والانكسار
وحدها صناديق الانتخابات هي التي تُجبر المهزوم في معركتها على الاعتراف بهزيمته، على أن يحدوه أمل النجاح في الانتخابات المقبلة. وهذا هو حال انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة -وكذلك انتخابات البرلمان الدانماركي- التي كانت عدوة للأحزاب اليمينية المتطرفة في بعض البلدان الأوروبية.
وفي الوقت نفسه؛ لا يمكن إنكار الفوز الكاسح الذي حققته مجموعة من هذه الأحزاب في المجر واليونان وإيطاليا وألمانيا، ولكنّ الأمر كان قد بلغ ذروته في المجر التي حقق فيها حزب فيكتور لوبان فوزاً ثميناً، بعدما حصده غالبية المقاعد.
ورغم أنّ النتائج التي أسفرت عنها انتخابات البرلمان الأوروبي لم تصبّ في صالح اللاجئين المقيمين في أوروبا؛ فإنها شهدت في بعض البلدان الأوروبية عكس ذلك تماماً، إذ تلتها انتخابات البرلمان الدانماركي التي أثلجت صدور اللاجئين بعدما أثبتت تراجع شعبية اليمين المتطرف الدانماركي الذي كان ينادي بطرد اللاجئين، وإرغامهم على العودة إلى ديارهم، وبهذه النتيجة يشعر اللاجئون في الدانمارك بارتياح شديد.
فقد مُنِي حزب الشعب الدانماركي اليميني في هذه الانتخابات بهزيمة مدويّة هي الأقسى له منذ عشرين عاماً، إذ تراجعت شعبيته إلى النصف تقريباً بعد حصوله على 75 مقعداً في البرلمان، بينما حصلت كتلة المعارضة اليسارية والاشتراكيون الديمقراطيون على 91 مقعداً من أصل 179 مقعداً.
وقد أقر زعيم حزب الشعب الدانماركي اليميني كريستيان ثوليسين بهذه الهزيمة، فعلّق قائلاً: "لن أترك السفينة تغرق وحدها في وسط العاصفة، كلي أمل أننا سوف نستعيد عافيتنا في الانتخابات المقبلة".
وفي هولندا أيضاً لم يأتِ حزب الحرية الذي يتزعمه خيرت فيلدرز بما يناسب التوقعات خلال خوضه الانتخابات البرلمانية الأوروبية الأخيرة، إذ تراجعت شعبيته هو الآخر وخسر مقاعده الأربعة في البرلمان، وذلك رغم كل الدعايات الانتخابية التي استحضرها قُبيل الانتخابات لحشد أنصاره والتحريض على اللاجئين، وقد وصف الحزب خسارته هذه بأنها مخيّبة للآمال متعهدا بأنه سيعود إلى الواجهة في الانتخابات المقبلة.
فشل شيطنة اللاجئين
السؤال الذي يطرح نفسه بجدارة هو: لماذا تتراجع شعبية الأحزاب اليمينية في هولندا والدانمارك في الوقت الذي بدأت فيه هذه الأحزاب تنشط وتتقدم في بلدان أوروبية أخرى؟! للإجابة على هذا التساؤل نقدم جملةً من الأسباب لذلك، وفي مقدمتها:
أولاً: فشل هذه الأحزاب في تمرير مشاريعها التي تحرض على العداء والكراهية للاجئين، من خلال تسليط الأضواء على جوانب الفشل في حياة اللاجئين، والادعاء بأنهم مصدر القلق والإرهاب والجريمة في أوروبا. وهذا الترويج قد يكون عبر التصريحات الصحفية، أو تنظيم المظاهرات المعادية للإسلام والمهاجرين، أو ببعض التصرفات البهلوانية التي تهدف إلى استفزاز مشاعر المسلمين.
وقد لجأت حركة "بيغيدا" المعادية للإسلام إلى هذا النوع من الأساليب، من خلال حراكها العنصري في هولندا الذي كثيراً ما تحول إلى صِدام مباشر مع اللاجئين عندما يتم تجاوز الخطوط الحُمْر، وتُعرَف هذه الحركة بجرأتها في الاستفزاز وعدم مبالاتها بالنتائج، وذلك من خلال تنظيم حفلات شواء لحم الخنزير أمام المساجد، أو الإساءة لشعيرة الصيام في شهر رمضان المبارك، أو حمل لافتات مسيئة إلى نبي الرحمة.
وكان آخر أفعالها تلك في العشر الأواخر من رمضان؛ إذ نظمت الحركة فعالية مستفزة في مدينة آيندهوفن الهولندية تحولت إلى مواجهة بين أنصارها ومصلين غاضبين من هذه التصرفات.
إن هذه المحاولات الرامية إلى عزل اللاجئين وجعلِهم فئة منبوذة في أوروبا باءت كلها بالفشل، وقد أثبتت الانتخابات الأخيرة أنّ منهج اليمين المتطرف هو المنبوذ وهو الذي لا ترتضيه شريحة كبيرة من الأوروبيين.
ثانياً: فشلت الأحزاب اليمينية بهولندا والدانمارك في حشد الوسط المدني ضد اللاجئين اقتصادياً؛ إذ طالما ادعت هذه الأحزاب أنّ اللاجئين يتلقون رواتب المساعدات الشهرية من البلديات، على حساب الضرائب التي يدفعها المواطن الأوروبي.
ولأن ساعات العمل في أوروبا جِدّ طويلة وشاقة؛ فقد حاول اليمين اللعب على هذا الوتر، وقدّم للحشود روايته التي تفيد بأنكم أنتم تعملون وتكدّون وتدفعون الضرائب الباهظة للحكومات، التي بدورها تقدم هذه الأموال المقتطعة من أجوركم -على طبقٍ من ذهب- إلى اللاجئين، الذين يتلذذون بهذه الأموال دون أيّ جُهدٍ يُذكَر.
وقد جاؤوا لهم بقميصٍ كذبٍ لعلهم يمرّرون عليهم خرافة ذئب اللاجئين الذي سيفترسهم ويفترس أموالهم وقوت يومهم، لكنّ المكتب المركزي للإحصاء (CBS) في هولندا قدّم تقريره السنوي الذي أبطل كل هذه المزاعم، إذ ذكر في بيانه أنّ هناك تراجعاً كبيراً في أعداد اللاجئين الذين يتلقون رواتب المساعدة الشهرية وخاصةً السوريين الذين اندمجوا في سوق العمل.
ليس هذا فحسب؛ بل إنّ عدد اللاجئين الذين استغنوا عن راتب المساعدة أكبر من عدد المواطنين الهولنديين أيضاً، وهذا الأمر تكرر في عامين متتاليين. وبالتالي فقد تم دحض الرواية التي يتبناها اليمين المتطرف وبالإثباتات والأرقام الرسمية، وهذا ما كان سبباً ربّما في فقدان الثقة بينهم وبين أنصارهم.
احتواء الأنشطة الاستفزازية
ثالثاً: قدرة اللاجئين على ضبط النفس بعد كل محاولة استفزازية يقوم بها أنصار اليمين المتطرف، وعدم انجرارهم إلى ما يتجاوز القانون إلا ما ندر، وهذا الأمر يُحسب للاجئين لا عليهم. ولعلّ من أهم الدوافع التي تقف خلف هذه المحاولات هو محاولة استقدام اللاجئين إلى حلبة المواجهة، ليتم استغلال غضبهم واستنفارهم بهذه الاستفزازات وتسويقه في المجتمع الأوروبي على أنه عملٌ مُدان ووحشي وغير مقبول.
وربما كان الهدف من حرق نسخ القرآن الكريم في الدانمارك مثلا هو جرّ المسلمين إلى ردة فعل لا يرتضيها المجتمع الدانماركي، الذي لا يقدّس القرآن الكريم كما يقدّسه المسلمون.
وإلا فما الغاية من إقدام زعيم حزب النهج الصلب في الدانمارك على تنظيم فعالية وسط حيّ تقطنه الغالبية المسلمة في العاصمة كوبنهاغن، وتلاعبه بالقرآن مع صحبه على أنه كرة تُركَل بالأيادي والأقدام -وهو يعلم أنّ هذا التصرف قد يفتح الباب على مصراعيه أمام مواجهة مفتوحة- سوى أنه يريد جرّ المسلمين إلى تبنّي مواقف غاضبة وتصرفات تخالف القانون بتصديهم لهذه الفعالية؟
ولماذا اعتزمَ رئيس حزب الحرية خيرت فيلدرز تنظيم مسابقة في الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وهَمَّ بها ثم تراجع عنها في اللحظات الأخيرة تحت ذريعة أنه يخشى على أنصاره من ردة الفعل؟ ألا يُعتبر ذلك محاولة واضحة من هذه الأحزاب للتصعيد من أجل أن يفقد اللاجئون المسلمون شعبيتهم في الأوساط الأوروبية إذا خالفوا القوانين والأنظمة؟!
لكنّ اللاجئين كانوا -في كل مرة- على قدر كبير من الوعي؛ إذ اكتفوا بما يمنحه لهم القانون باستثناء بعض المخالفات هنا وهناك، وكثيراً ما ألغت البلديات أنشطة وفعاليات لأنصار حزب الحرية وأنصار حركة "بيغيدا"، وأجبرتهم على فضّ التجمعات كي لا تخرج الأمور عن السيطرة. وبهذا تمكن اللاجئون من التحلي بالصبر رغم قساوة المشهد ورغم الإساءة إلى أهم مقدس في الإسلام، ألا وهو القرآن الكريم.
رابعاً: ولعل من أهم الأسباب التي أدت إلى انحسار اليمين المتطرف في هولندا والدانمارك الحراكُ الذي يقوم به أبناء الجاليات، وقلبوا به الطاولة على أحزاب اليمين المتطرف. فعندما استشعر اللاجئون الخطر المحدق بهم وبمستقبلهم؛ قاموا بما يلزم لكي يفهم المواطن الأوروبي حقيقة ما يجري، وتصله الحقيقة كما هي لا كما يقدمها اليمين المتطرف.
أضف إلى ذلك أنّ المواطن الأوروبي يجد نفسه مضطراً إلى الاحتكاك باللاجئين في حياته اليومية، في المدرسة والجامعة والعمل وفي الشارع ومواقف الحافلات والقطارات والأسواق، وبالتالي يأخذ هو بنفسه انطباعه الخاص عن اللاجئين دون الحاجة إلى انتظار رواية اليمين المتطرف.
ولا بد في هذا الصدد من الإشارة إلى المبادرة العربية الفلسطينية التي قام بها بعض الأشخاص بالدانمارك في صلاة العيد، عندما شجّعوا الحضور فيها على خوض الانتخابات كي تفوَّت الفرصة على اليمين المتطرف، وذلك من خلال شعار المبادرة الذي انتشر على نطاق واسع: "هيّا بنا إلى التصويت بدل التصويت عنا".
وقد لاقت هذه المبادرة تفاعلاً شعبياً كبيرا حتى على الصعيد الدانماركي، إذ راهنت عليها وعلى أصوات أصحابها أحزاب دانماركية، فأدلى كل واحدٍ بصوته وكانت النتيجة مثلجة للصدور بعدما أوقف اليمين المتطرف عند حده، لاسيما أنّ بعض هذه الأحزاب في الدانمارك توعد في حملته الانتخابية بإفراغ الدانمارك من المسلمين، وبأنه لن يبقى مسلم واحد في الدانمارك في الليلة التي يصل فيها مرشَّحوه إلى سدة البرلمان.
الجدير بالذكر أنّ اللاجئين يقع عليهم دور كبير في قلب المعادلة، وتكذيب رواية اليمين المتطرف، وذلك بإعطاء الصورة النضرة عن مجتمع اللاجئين، وحشد أنصارهم وتقديم قضيتهم بما يليق بحجمهم وحجم طموحاتهم كي لا يكونوا وحيدين في الميدان، وحتى يصيروا جزءاً لا يتجزأ من مجتمعهم الجديد الذي ولجوه من بوابة القارة الأوروبية.
الجزيرة نت
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3441
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3249
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1053
| 04 أكتوبر 2026