رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تحتفلُ الأمة الإسلامية غدًا بذكرى مولد المصطفى سيّدنا محمّد، صلّى الله عليه وسلّم، وبهذه المناسبة الجليلة العطرة، أهنئ أهلنا في الأردن والعالميْن العربي والإسلامي والمسلمين في شتى أنحاء المعمورة.
وأُذكّر نفسي وإيّاكم، في هذه المناسبة العظيمة والحبيبة إلى نفوسنا، أن الإسلام، الذي جاء به رسول السلام، هو دين المعاملة والإخاء؛ يقول الله سبحانه وتعالى: "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ". (سورة آل عمران: الآية 103)؛ وهو دعوة للتّصالح والتّوافق والسّلم، وتحريم الظلم بجميع أشكاله، وأمْر بالعدل مع الأصدقاء والأعداء على حدّ سواء.
وأستذكر هنا نظرة الإسلام الراسخة للقيم الإنسانية المستمدة من القرآن الكريم وأخلاق نبيّ الرحمة، إذ حثّ الإسلام على وحدة الأمّة الإسلامية، في قول الله تعالى في كتابه العزيز: "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" (سورة الأنبياء: الآية 92)، "وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ" (سورة المؤمنون: الآية 52). فمِن تقْوى الله أنْ نتمسّك بالسّبُل المُنْجية من الفرقة والتشرذم والاقتتال، والدّاعية إلى الوحدة والاعتصام بحبل الله.
إنّنا نتابع بقلق بالغ وترقّب وَجِل تداعيات الفتن المحصّنة بفتاوى التكفير، التي تعمل على تمزيق لحمة الأمّة واستباحة الدماء والأوطان وانتهاك المقدّسات، فما أحوجنا إلى سفن النجاة المتمثّلة في رسالة التّقريب بين المذاهب المرتكزة على وحدة العقيدة ووحدة التشريع.
وفي وقتنا هذا الذي تتصاعد فيه أصوات التعصب وخطابات الكراهية، وتعلو أمواج الفتن، التي تنذرُ بضياع مقدّرات الأمة وتهدد مستقبلها، أستحضر كلام الإمام علي (كرّم الله وجهه) في إحدى خطبه، إذ يقول: "أيُّهَا النَّاسُ! إنَّا قدْ أصْبَحْنا في دَهْرٍ عَنُودٍ، وزَمَنٍ كَنُودٍ. يُعَدُّ فِيهِ المُحْسِنُ مُسِيئًا، وَيَزْدادُ الظَّالِمُ فِيهِ عُتُوًّا، لا نَنْتَفِعُ بما عَلِمْنَا، ولا نَسْأَلُ عَمَّا جَهِلْنَا، ولا نَتَخَوَّفُ قارعَةً حتّى تَحُلَّ بِنا." (نهج البلاغة، ص 50).
وفي يوم مولده العظيم، يجب ألاّ يغيب عنا قول الرسول (صلّى الله عليه وسلم): "سبابُ المسلم فسوق وقتالُه كفر" (أخرجه البخاري في "صحيحه"؛ وأخرجه أيضًا مسلم في "صحيحه"). كما يُروى عن أبي سعيد الخُدْري وأبي هريرة رضي الله عنهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "لوْ أنَّ أهْلَ السّماءِ وأهْلَ الأرْضِ اشْتَرَكُوا في دمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمْ اللهُ في النّارِ". (رواه التِّرْمِذِيُّ وصحّحَه الألبانيُّ).
إن الله يأمرنا أن نسعى إلى الإصلاح والتّقريب بين الأطراف المتخاصمة بما يصون الدّماء ويحفظ وحدة الأمة. يقول الله تعالى: "وإنْ طائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنينَ اقْتَتَلوا فَأَصْلِحوا بيْنَهُما فإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُما عَلى الأُخْرى فَقَاتِلُوا التي تَبْغِي حتّى تَفِيءَ إلَى أَمْرَ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بيْنَهُما بالعَدْلِ وأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ". (سورة الحجرات: الآية 9).
فمن واجبِ المسلم على أخيه المسلم عند وقوع التخاصم بين طرفين أو طائفتين أن يدعو إلى الإصلاح بين الفئات المتنازعة، وأن يمدّ يد العون والمشورة ما استطاعَ إلى ذلك سبيلا. كما أنّ العقلاء من أبناء الأمة ورجال الدين المستنيرين مطالبون بمتابعة السّعي الجادّ من أجل نزع فتيل الفتن بما يحافظ على وحدة الأمة، ويصون الرسالة السمحة للدين الإسلامي، الذي قدّم إلى العالم نموذجًا إنسانيًّا أخلاقيًّا يقومُ على مبادئ الكرامة، والعدالة، والرّحمة والحرية، والشورى والإخاء.
ومهما اختلف المسلمون في فهمهم للإسلام وتنوّعت انتماءاتهم ومذاهبهم، فإن محبّة آل البيت تمثّل طوق النجاة. فعن ابن عبّاس (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ أهْلِ بيْتي مَثَلُ سفينَةِ نُوْح. من ركِبَ فيها نَجا، ومنْ تَخَلّفَ عنها غَرِقَ. (رواهُ الطَّبْرانيُّ والبَزَّارُ والحاكِمُ). وعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صلَّى صلاةً لمْ يُصَلِّ فيها عَلَيَّ وعَلى أهْلِ بيْتي، لمْ تُقبلْ منْهُ." (رواه الدَّارَقُطْنِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ). وعن العباس بن عبد المطّلب رضي الله عنه قال: قُلتُ يا رسول الله، إنّ قُريْشًا إذا لَقِيَ بعضُهم بعضًا لَقُوهُمْ بِبِشْرٍ حَسن، وإذا لَقُونا بِوُجُوهٍ لا نَعْرِفُها. قال: فَغَضِبَ النبيّ صلّى الله عليه وسلّمَ غَضَبًا شديدًا، وقال: وَالذي نفْسي بِيَدِه، لاَ يدْخُلُ قَلْبَ رجُلٍ الإيمانُ حتّى يُحبُّكُمْ للهِ وَلِرسولِهِ وَلِقَرابَتِي." (رواهُ أحمدُ والنَّسائيُّ والحاكِمُ والبزَّارُ).
وهنا، أشيد بكل المحاولات المخلصة من أجل التّقريب بين المذاهب الإسلامية، ومحاربة الفكر التّكفيري، وتأكيد فكرة الإجماع والشورى. وأجدّد دعوتي في هذه المناسبة الكريمة؛ يوم مولده عليه أفضل الصلاة وأتمّ التّسليم، إلى خطاب مستنير يستند إلى الكتاب والسنّة ويغني الحوارات بين أتباع الدين الحنيف من سنة وشيعة. وما أعنيه هنا الحوارات المستندة إلى الثقة والمصداقية، التي تقوّي عزيمة الأمة ولا تفتُّ في عضدها.
إنّ ما ندعو إليه في هذه الأوقات العصيبة في تاريخ الأمة هو الإصلاح والتقارب والالتفاف حول الثّوابت والاعتصام بحبل الله والتمسك بمبدأ الشورى، الذي يجب أن يمثّل أساسًا لحواراتنا مع أنفسنا؛ عربًا ومسلمين، ومع الغرب والشرق سواء بسواء. فلنعملْ على تهيئة المناخ الملائم للحوار الذي يتطلب تحفيز العقول المستنيرة وتجاوز حالات الاستقطاب والتّهميش والإقصاء في مجتمعاتنا؛ استنادًا إلى المواطنة الفاعلة والإرادة الحرّة المسؤولة والفهم المشترك للأولويّات.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5811
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2988
| 29 سبتمبر 2026