رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في بيئة تعُج بسياسات تشديدية صارمة؛ من بينها ارتفاع أسعار الفائدة والتشديد الكمي وارتفاع تكاليف الاقتراض، ساد السوق وسرى بين المحللين اعتقادٌ بأن الاقتصاد كان على حافة الركود، وعلى عكس ما كان يتوقعه السوق والمحللون فقد أثبت عام 2023 مرونة كافية؛ حيث شهدنا انخفاضًا كبيرًا في معدلات التضخم في ظل الحفاظ على معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي وانخفاض معدلات البطالة وارتفاع معدلات الإنفاق الاستهلاكي والأداء المتميز لسوق الأسهم الأمريكية، وهنا بقي السؤال... هل سيصمد هذا الاتجاه ليأخذنا إلى هبوط ناعم؟ وما الذي يمكننا توقعه لهذا العام؟
عند بدء تطبيق السياسات التشديدية لأول مرة عانى سوق الأسهم ولم تكن الأسواق مبشرة بأي خير، إلا أن الاقتصاد قد أثبت قدرته على الصمود بما يكفي لتجنب الركود في عام 2023 متحديًا بذلك كافة التوقعات، وفي بيئة تتسم بسياساتها التشديدية وبارتفاع معدلات أسعار الفائدة تم تسجيل أداء إيجابي؛ حيث ظل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي أعلى من 3 ٪ خلال الربعين الماضيين، وظلت معدلات البطالة منخفضةً بنسبة 3.7 ٪ بينما انخفض التضخم بشكل حاد من 9 ٪ إلى 3.35٪ في ديسمبر من العام الماضي. ويمكن أن تُعزى قدرة الاقتصاد على مقاومة السياسات التشديدية في المقام الأول إلى إنفاق الأُسر الذي شهد ارتفاعًا شهرًا بعد شهر على الرغم من سياسة أسعار الفائدة المرتفعة مما ساعد بدوره في الحفاظ على معدلات نشاط ملحوظة، كما أن إرشادات بنك الاحتياطي الفيدرالي حول إمكانية الهبوط الناعم كانت سببًا آخرَ معززًا للاقتصاد مما عزز بدوره أسواق الأسهم، ونتيجة لذلك يمكننا أن نعزو السر وراء الانفاق المرتفع للأفراد على الرغم من سياسة التشديد هو ارتفاع الأجور والمدخرات؛ حيث إن معدلات الإدخار الأُسري قد تراكمت خلال فترة تفشي الوباء لما يقرب من 2.1 تريليون دولار أمريكي وهو ما يفسر سبب عدم تأثر معدلات الإنفاق بارتفاع معدلات الفائدة. وبالتالي فإن جزءًا من سبب تجنب الركود حتى الآن يكمن في أن المستهلكين قد تمكنوا من تحمل الأسعار الأعلى بسبب ارتفاع الأجور ووجود مبالغ كبيرة من المدخرات، مما يشير إلى أن معدلات الإنفاق مدفوعة بشكل أساسي بالدخل وليست بأسعار الفائدة، وعلاوة على ذلك فإن نسبة كبيرة من ديون المستهلكين المُستحقة مثل الرهون العقارية وقروض السيارات كانت محصورة في معدلات منخفضة عند مستويات ما قبل مرحلة تفشي الجائحة وقد خففت كلها من تأثير رفع أسعار الفائدة.
وقد خلقت متغيرات الاقتصاد الكلي القوية تلك- جنبًا إلى جنب مع إرشادات بنك الاحتياطي الفيدرالي- بيئة تبعث على التفاؤل مما رفع من معنويات السوق، ونتيجة للتقارير الشهرية الإيجابية فقد أصبح السوق أكثر اعتمادًا على البيانات، كما أن المستثمرين استندوا أيضًا في قراراتهم الاستثمارية إلى أداء هذه التقارير، وعلى الرغم من ذلك فقد يُعد الاعتماد الأكبر على البيانات قصيرة المدى مشكلة في حد ذاته؛ حيث إن أي بيانات غير مواتية يتم إصدارها قد تدفع السوق إلى مواجهة حالة من الانخفاض لا سيما في السوق القائمة على البيانات، علاوةً على ذلك فإنه يتعين علينا أن نضع في اعتبارنا أن الارتفاع في مؤشر S&P500 مدفوع في المقام الأول بأكبر 7 شركات مما يعني أن الشركات كلها لا تعمل بنفس ذلك الأداء، ومن المهم أيضًا أن نلاحظ أن الانخفاض الكبير الذي شهدته معدلات التضخم يُعزى في المقام الأول إلى إعادة فتح الاقتصادات الكبرى وسهولة قنوات سلاسل التوريد إضافةً إلى الانخفاض الكبير الذي شهدته أسعار الطاقة.
وعلى الرغم من أن بنك الاحتياطي الفيدرالي قد توقع ثلاثة تخفيضات في أسعار الفائدة في عام 2024 فإن الأسواق تتوقع بتخفيض أسعار الفائدة بمقدار 4 إلى 5 مرات بدءًا من شهر مارس من هذا العام بسبب حالة التفاؤل الكبير المشهودة، ولسوء الحظ ونظرًا لاستعصاء معدلات التضخم الأساسي فإنه من غير المرجح أن يبدأ بنك الاحتياطي الفيدرالي في خفض سعر الفائدة في مارس، ويومًا بعد يوم يفقد السوق جزءًا من حسه المتفائل مما يوضح السبب وراء احتمالية ألا يستمر هذا الاتجاه في التصاعد بل ويمكن أن يتحول إلى تشاؤم هذا إذا لم تكن البيانات القادمة كما هو متوقع خاصةً وأننا لاحظنا أن معدلات التضخم قد شهدت ارتفاعًا مرة أخرى في ديسمبر ويناير في ظل انتشار المزيد من التوترات الجيوسياسية، ومن الجدير بالذكر أن صلابة تضخم الخدمات الأساسية ترتبط بشكل أساسي بارتفاع تكاليف العمالة؛ حيث يعتمد توفير هذه الخدمات بشكل كبير على العمالة وبالتالي يمكننا أن نفترض أن نمو الأجور هو المحرك الرئيسي للأسعار في هذه المكونات، فتؤدي هذه الأجور المرتفعة إلى ارتفاع الأسعار وبالتالي يؤدي ارتفاع الأسعار إلى ارتفاع الأجور – حلقة متكررة، وقد يفسر هذا سبب انتظار بنك الاحتياطي الفيدرالي لسوق العمل أن يشهد حالة من الهدوء كي يبدأ في خفض أسعار الفائدة، ومن المهم أيضًا إدراك أن سوق العمل القوي ينطوي على العديد من المشكلات الأساسية من حيث طريقة حسابه.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
5670
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026