رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ماذا كان يتوقع البابا فرانسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية ان يرى أثناء زيارته التاريخية للعراق الجريح الذي انهكته الحروب ومزقته الصراعات، وهل ستضمد رسالة المحبة والسلام التي حملها في زيارته التي اختتمها يوم الاثنين الماضي جروح العراق الغائرة؟، وما طبيعة رسالة التسامح والاخاء تلك.
بحسب ما أوردته تقارير إخبارية وتحليلات، فإن من ضمن الأهداف التي حملتها زيارة البابا فرانسيس للعراق والتي جاءت في وقت حرج، الوقوف على وضع الأقليات المسيحية هناك والتضامن معهم والشد من ازرهم، وقد صرح البابا في احدى جولاته في العراق قائلاً " إن التناقص المأساوي في أعداد تلاميذ المسيح، هنا وفي جميع أنحاء الشرق الأوسط إنما هو ضرر جسيم لا يمكن تقديره".
وبحسب ما تبينه الاحصائيات، فإن أعداد مسيحيي العراق اخذت في التناقص بعد الغزو الأمريكي للعراق، ذلك الغزو الذي وصفه الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الامريكية بوش الابن يوماً ما بأنه يمهد لـ "عودة المسيح" اما الجماعات الإرهابية المتهمة بتصفية مسيحيي الشرق الأوسط سواء في سوريا او العراق فلم تكن سوى افراز لما سمي بالحرب على الإرهاب، والتي وصفها بوش هي الاخرى بأنها" حرب صليبية"، وعليه ألم يكن من الاجدر بالبابا أن يحمل رسالته وييمم وجهه شطر البيت الأبيض ليحل السلام والوئام في الشرق الأوسط؟
إن نيران الحروب المستعرة في الشرق الأوسط والتي جاء البابا محاولا اخمادها لتكون برداً وسلاماً على تلاميذ المسيح، وفي الوقت الذي ندرك فيه مدى تعقدها واشتباكها بمصالح أطراف عديدة وتعقيدات سياسية كبيرة، الا انه ينبغي ألا نغفل عن حقيقة ان جزءًا من تلك الصراعات الدموية اذكتها ايادي اليمين المسيحي ذو النفوذ المتنامي في الولايات المتحدة الامريكية والغرب عموماً.
وفي هذا الصدد فمن المستبعد جداً ان يكون قداسة البابا غافلاً عن مفهوم "الحرب العادلة" الذي تسترشد به تلك الأحزاب اليمينية، لتبرير الحروب أخلاقيا بحجة إقامة العدل وإيقاف الضرر والتبشير بالسلام والتعايش بين الأمم، ويمكننا ان نتساءل هنا عن العدالة التي حققتها الحروب للشعبين الافغاني والعراقي وغيرهما من شعوب الأرض المطحونة.
لقد ضلل قادة الاحزاب المسيحية اليمينية اتباعهم والرأي العام من دافعي الضرائب ليحصلوا على التأييد والمباركة ليخوضوا الحروب التي لا تبقي ولا تذر تحت حجج واهية وعدالة موهومة، ولم يتساءل العالم بعد كم الدمار الذي خلفته تلك الحروب كما لم يتساءل البابا نفسه عن مزاعم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل التي كان يعمل على تطويرها ويخفيها عن العالم! والتي كانت سببا "وجيها" لتدمير العراق ونهب ثرواته لما يقارب من عشرين عاما!
لا يمثل العراق مهد الحضارة وحسب، بل انه مهد التوحيد " الابراهيمي" ومنبعه على اعتبار صحة الرواية التي ترى ان مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام كان ضمن أراضي العراق اليوم، الا انه" أي العراق" يعاني ما يعانيه ككثير من دول المنطقة من حروب ونزاعات وطائفية، والمعاناة التي تعانيها شعوب تلك الدول ليست محصورة على الأقليات الدينية والطوائف وحسب ليأتي من يطالب بحمايتهم في منطقة يموج بها الصراع والتطرف ويغمرها من كل حدب وصوب، وعلى ان رسالة البابا في إحلال السلام مقدرة ومرحب بها الا انه من حقنا ان نتساءل هنا عن ماهية تلك الزيارة، وان ننتهز الفرصة لنذكّر أيضا بوضع الأقليات في الغرب الأقرب الى قداسة البابا من العراق.
تعاني الأقليات في دول الغرب من إشكالات، قد لاتصل للدرجة نفسها من المعاناة التي تعانيها أقليات الشرق الأوسط كون المنطقة تجثم على مستودعات الطاقة والثروات وبالتالي فهي تمثل بؤرة للصراع الذي يدفع ثمنه المستضعفون، إلا ان الحقيقة المرة هي أن معاناة الأقليات في دول الغرب نابعة عن التعصب الأعمى لليمينية المتطرفة بقيادة مسيحيين متعصبين، فهل يحمل البابا رسالة سلام ومحبة لأولئك المستضعفين في الأرض، اخذا بالاعتبار ان أكثر المدافعين عن الأقليات في تلك الدول يأتون من خلفيات ليبرالية وأحزاب يسارية، في حين أن الاضطهاد في غالبه الأعم يأتي من المتطرفين الدينيين.
ثم ماذا عن الأزمة التي تعيشها المسيحية في الغرب والمتمثلة في انحسار تأثير الكنيسة على اتباعها، ناهيك عن الكنائس المشرقية المنبوذة أساسا من قبل الكنيسة الكاثوليكية، وفي الوقت الذي يزور فيه البابا مسيحيي الشرق الأوسط ويتضامن معهم نجد ان الكاثوليك يشكلون اقلية وسط الأقليات في تلك المناطق. فهل يعد ذلك لجوءًا عند الحاجة " كعادة الكاثوليكية" لكنائس المشرق، أم أن البابا خلع عباءة الدين وارتدى معطف الدفاع عن حقوق الأقليات والمطالبة بحقوق الانسان.
في مقابل تلك التساؤلات، لابد أن نقرأ زيارة البابا لمدينة أور الأثرية و"الحج" اليها على اعتبار انها مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام بتأنٍ وروية، فهل تأتي تلك الزيارة في إطار التأسيس لمحج في تلك المنطقة ليأتيها الحجاج "الابراهيميون" كما يوصفون، من كل فج عميق؟ ثم ماذا عن الشكوك التي ابداها كثيرون حول ما يتعلق "بالدعوة الابراهيمية" وهل يدعم البابا تلك المساعي لتوحيد اتباع الديانات الابراهيمية والتأسيس لعصر جديد يتّحدون فيه، ليس بهدف تشكيل قوة يخشى جانبها والتأسيس لتعاون مثمر، بل ربما لتسهيل انصياعهم في ظل متطلبات زمن العولمة الذي لا يستوعب الاختلاف وليس لديه الوقت للحوار والاقناع. أم ان تلك الزيارة ربما تهدف لما هو ابعد بحسب ما يذهب اليه البعض وذلك للتمهيد لفصل محافظة "ذي قار" عن الجسد العراقي الممزق والمنهك؟ في محاولة للحصول على قطعة من الكعكة العراقية يستأثر بها المسيحيون؟ كل تلك التساؤلات لا يمكن الجزم بإجابتها إلا انها تبقى أسئلة مطروحة ومفتوحة.
ما أحوجنا اليوم لـ"بابا" يطالب بحقوق المستضعفين ويحمل رسائل السلام والمحبة والإخاء ويحلق بها في اصقاع المعمورة ويحط رحاله في خليج غوانتانامو ليطالب بحقوق الاقلية المستضعفة التي تقبع في السجون لما يقرب من عشرين عاماً كضحايا "للـحروب المقدسة"، لينادي بإنصاف الأقليات والمستضعفين ويطالب بحقوقهم ليعيشوا بسلام ووئام دون عنصرية او بغضاء او كراهية.
وعوضاً عن ان يقف البابا على أنقاض دولنا بحثاً عن موقع معركة "هرمجدون " منتظرا عودة المسيح، كان الأحرى بالمؤسسة الدينية الكاثوليكية السعي لبلورة خطاب معتدل ينبذ التطرف أيا كان نوعه وشكله وخلفيته الدينية، ويعزز النزعة الإنسانية ويدين التطرف اليميني ويكبح جماحه، بدل أن ينشغل الفاتيكان بكيفية تعميد الكائنات الفضائية وهدايتها لنور المسيحية عندما تزور كوكبنا الصغير!.
سيرى العالم قدرة قطر على استضافة أحداث عالمية بنجاح استثنائي
في عام 1993، انتهى "شكلياً على الأقل" نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، أو ما يسمى بالـ(الأبارتايد)، والقائم... اقرأ المزيد
4314
| 10 نوفمبر 2022
المجلس المنتخب بين الواقع... والمأمول
خلال الفترة الماضية، تصدرت مستجدات مجلس الشورى عناوين الأخبار، وما زالت، إلا أنها لم تعد كالسابق، فقد انتقلت... اقرأ المزيد
2458
| 16 ديسمبر 2021
هكذا تكلم أبو تريكة
اعرف ابو تريكة بالاسم، ولكنني لو شاهدته قبل اليوم لما عرفته، ليس لكونه مجهولاً بل لجهلي أنا الكبير... اقرأ المزيد
3568
| 09 ديسمبر 2021
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5493
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4914
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3036
| 24 سبتمبر 2026