رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(1)
كنا في طفولتنا نكَّون ناديا لكرة القدم، وكان "الجول كيبر" محمود حسنين أكبرنا سنا (بحوالي 7 سنوات) وكان يعمل ترزي إفرنجي ولا يعمل في الأسبوع سوى يومين لارتباطه بالنادي، وكان عمه صاحب المحل دائم الشكوى منه لأنه كان يحرجه مع الزبائن وكان يطرده وعند الاحتياج يعود فيطلبه وخاصة أيام الأعياد.
(2)
لم يكن محمود يملك من الشهادات الدراسية سوى الابتدائية، فاقترحنا عليه الحصول على الإعدادية نظام السنوات الثلاث في عام واحد، ولكننا قمنا بالتدريس له كل المواد بحماس منقطع النظير ونجح بعد ثمانية أشهر وبتفوق، وكان لنا صديق يدعى (صبحي) حصل على التوجيهية (الثانوية العامة) قبلنا بعام واحد وعمل بإحدى شركات النسيج بالحضرة بالإسكندرية، وكان يعمل في قسم الأفراد، فأرسلت له محمود ومعه أوراقه فقبله، وبعد أسبوع أصبح (محمود) الترزي 24 سنة موظفا بالشركة عام 1954.
(3)
حصلت على التوجيهية (الثانوية) والتحقت بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية عام 1954 وتخرجت عام 1958 وعملت 6 سنوات في سلك التدريس كمدرس ثانوي، وانتقلت للعمل بمرسى مطروح خلال العامين الأخيرين ورقيت إلى موجه بالمدارس الإعدادية بالإسكندرية، وكنت لا التقى بجماعة الرفاق إلا غرارا، ولكن في أحد الأيام دق جرس الباب وعند فتح الباب فوجئت بمحمود، حارس المرمى، الذي ساعده صديقي (صبحي) في العمل بشركة النسيج.
ماذا وراءك يا محمود؟ وماذا فعلت خلال السنوات العشر في الشركة.
كل خير إن شاء الله، ولكن مرتبي أقل من زملائي وأريدك أن تكلم الأستاذ صبحي للعمل على رفع مرتبي ومساواتي بزملائي.
ولكن أنتم (العمال) تحسنت أحوالكم في عهد الثورة في ظل قوانين يوليو الاشتراكية وغيرها.
نعم هذا صحيح.. ولكن أنا لا أطالب إلا بمساواتي بزملائي الذين هم أحدث مني.
إن شاء الله سأكلم الأستاذ صبحي في هذا الموضوع، على فكرة كم مرتبك؟
(4)
وأسقط في يدي عندما فوجئت بأن مرتب موظف بسيط مؤهله (الإعدادية) يشكو من قلة مرتبه الذي يضاعف مرتب موجه لغة إنجليزية وخريج جامعة؟ على أية حال، اتصلت بالأستاذ صبحي تليفونيا وكان سعيدا بمكالمتي قلت له: ماذا عن محمود حسنين؟
الموضوع باختصار أن محمود (عاوز) يأخذ أكثر من حقه، وزملاؤه الذين يقول عنهم إنهم أحدث منه كلهم يحملون دبلوم التجارة ولم يسبقهم في العمل إلا بشهر واحد.
وإن شاء الله سنعمل على ترضيته (وبالفعل قام صبحي بعمل اللازم نحو محمود فيما بعد)..
وسألني صبحي عن عنواني الجديد لأنه يريد تقوية ولده حسن في الثانوية العامة في اللغة الإنجليزية، فأبديت استعدادي لخدمته وقلت:
أنا في خدمتك بكل سرور وإلى اللقاء.
(5)
دق جرس التليفون، وإذا بالمتكلم محمود (حارس المرمى) يشكرني على ارتفاع راتبه فقلت:
- أعلم هذا منذ شهرين من الأستاذ صبحي، وعليك أن تحمد ربنا في كل وقت على ما أنت فيه من نعمة واحرص على أداء عملك بإخلاص، وكيف حال الأستاذ صبحي؟
- إن شاء الله يا أستاذ إبراهيم أكون عند حسن ظنك، أما عن الأستاذ صبحي فهو الآن رئيس قسم الأفراد، بإحدى شركات البترول.
- كيف حدث هذا؟
- نقل مديرنا المباشر إلى شركة البترول هذه وطلب أن يعمل صبحي معه في الشركة الجديدة وقد نقل الأستاذ صبحي إلى هذه الشركة منذ عشرين يوماً، وأنا أريد أن أعمل مع الأستاذ صبحي. وعدت محموداً خيرا واتصلت بصبحي بعد يومين تليفونيا.
- أهلا أهلا بالأستاذ إبراهيم أريد الاتصال بك ولكنك دائما سباقا وأشكرك شكرا جزيلا على تقوية ابنك حسن الذي نجح باقتدار في امتحان القبول لقسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب وذلك بفضل مجهودك معه، على فكرة متى أراك لتسليمك مكافأة أتعابك.
- شكرا جزيلا يا صبحي، ولا تفكر مطلقا في هذه المكافأة فأنت أخي وابن حارتي وهذا واجب عليَّ ولكن لي خدمة عندك.
عارفها: محمود حسنين، فقد كلمني وإن شاء الله وبعد أسبوعين ستسمع خير.
(6)
بعد أكثر من أسبوعين التقيت مع شلة نادي كرة القدم القديمة في القهوة التجارية، وتجاذبنا أطراف الأحاديث وتذكرنا الماضي (ذكريات الثانوي) وإسماعيل الأشول الهداف وصبحي السريع (الرهوان) ومحمود حارس المرمى الطويل الذي ترك صنعة الترزية ليعمل موظفا، والكل حكى عن عمله الجديد.
وانتحيت بصبحي جانبا وكلمته عن محمود حسنين قال:
- عُين منذ يومين فقط.
- مش أحسن يستمر في شركة المنسوجات ومرتبه لا بأس به ومدته طويلة في الشركة.
- كرمان لك يا أستاذ إبراهيم، الشركة الجديدة ضمت له المدة القديمة في الشركة السابقة هذا أولا أما ثانيا: فإن مرتبه ارتفع إلى ما يقرب من الضعف عما كان عليه مرتبه في شركة المنسوجات.
وضحك وقال فارق كبير بين البترول والمنسوجات.. أنت مش عايش في مصر ولا أيه يا أستاذ إبراهيم؟!
وهنا أحسست فعلا أنني لست أعيش في مصر ولا أدري كيف أن مرتب حامل الإعدادية يصل إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف مرتب حامل الليسانس الذي يعمل في ميدان التعليم!! حقا إنها أرزاق.
وأخذت أتلمس القناعة وأستجدي الطمأنينة فوجدتها في شعر شوقي الذي يقول:
أعلمت أشرف أو أجل من الذي يبني وينشئ أنفسا وعقولا
الكوارث في القرآن الكريم
قال صاحبي: يمكننا رصد سيل كبير من القصص والحوادث والكوارث البيئية والتدميرية الشاملة من خلال استقراء أي الذكر... اقرأ المزيد
6010
| 24 ديسمبر 2016
الأدب العربي كمحضن للأدب الإسلامي
إن "الأدب العربي" هو محضن الأدب الإسلامي الأول، وميدانه الأهم ولكنه ليس ميدانه الأوحد، فعندما انتصر الإسلام خارج... اقرأ المزيد
568
| 17 ديسمبر 2016
كارثة عربية كبرى
كشفت جامعة الدول العربية عن كارثة تهدد مستقبل الشعوب العربية، حيث طالبت تقارير صدرت عنها أخيراً باستعادة علمائنا... اقرأ المزيد
469
| 10 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4626
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1173
| 01 أكتوبر 2026