رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ارتفعت في السنوات الفائتة أعداد الشركات العالمية المتعثرة على مستوى العالم بنحو 25 %. عما كانت عليه منذ عشر سنوات وصاحبتها موجة تسريح العمال وهي من مؤشرات الركود الاقتصادي، لأن هذا التعثر لا يأتي من فراغ لأنه دليل مُقلق على تعثر الشركات العملاقة وأيضا الدول خاصة الناشئة التي تعثرت أيضا في سداد ديونها، ولم تسلم الدول العربية من ذلك، وسيما التي فشلت في ضخ الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، وفي استثمار الرأس المال البشري، لبناء القدرة على التكيف مع المتطلبات المحلية والمتغيرات العالمية، وأصبحت تعاني من ضعف النمو الاقتصادي وتواجه الإفلاس والتعثر، إذا لم تحصل على مساعدات خارجية، إلى جانب الدعم الدولي من المؤسسات المالية الدولية بكل ما عليها من تحفظات، وسُمعة سيئة تجاه الدول الفقيرة المُقترضة، والتي تشكو من نقص السيولة والتمويل نتيجة للتدخل في سياستها المالية التي تؤثر على حياة المواطنين ومستوى معيشتهم، وما يتبعها من تذمر أو احتقان شعبي، حيث تشير التوقعات لاستمرار عمليات التعثر وتسريح الموظفين، مع زيادة استحقاقات الديون والعجز عن السداد الذي تفاقم منذ جائحة كورونا ومشكلات سلاسل الإمداد مع بداية حرب روسيا وأوكرانيا، والذي صاحبه أسعار الفائدة المرتفعة على الاقتراض، والتي بلغت معدلات قياسية في ظل تراجع احتياطيات العملات الأجنبية وانهيار العملات المحلية، وهي مخاطر تحذر من حدوث أزمة ديون على الدول الناشئة ضعيفة الدخل، بعد ارتفاع تكاليف خدمة الدين التي تفوق الإنفاق على الأنشطة الاقتصادية الأساسية، التي نتج عنها انتشار حمى تسريح العمال حتى من الشركات الكبرى، كمؤشر إلى الركود القائم والقادم، وسط مؤشرات باستمرار هذا المنحى خلال المرحلة المقبلة، لأسباب منها سوء الإدارة وضعف التخطيط وزيادة الخسائر وتراجع الأرباح وآثار التباطؤ الاقتصادي أو التوجه نحو التوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وإعادة هيكلة الوظائف، أو كل هذه الأسباب مجتمعة، وهذا يتطلب سرعة وضع الحلول لإنقاذ الشركات المتعثرة، ومراجعة الإنفاق، وزيادة جرعات التدريب واستبعاد المنتجات الخاسرة ومعالجة الفساد الإداري والمالي، وإعادة التوازن لأنشطتها لحماية كيانها الاقتصادي وقدرتها التنافسية وللمحافظة على حقوق العمال، وإن كانت الدول المتقدمة أيضا لم تنج من موجة هذه المخاطر، فقد تصدرت أمريكا قائمة الشركات المتعثرة عن سداد ديونها في 2024، التي بلغت نحو 7.1 مليار دولار، وبنسبة 85% من إجمالي قيمة الفشل في سداد الديون على مستوى العالم، كما تعاني الاقتصاديات الأوروبية القوية من زيادة الشركات المتعثرة حتى ألمانيا أعلنت مؤخرا عن إفلاس 1400 شركة، وتشير التقارير أنه من المتوقع أن تصل الشركات الألمانية المتعثرة هذا العام إلى 20 ألف شركة، فيما أعلنت 3300 شركة نمساوية الإفلاس للمرة الأولى منذ 15عاما، وفي بريطانيا تواجه 47 ألف شركة مخاطر الإفلاس وفي كندا تم تسجيل إفلاس 400 شركة يوميا بداية من النصف الثاني من العام الجاري.
كما توجد 10 آلاف شركة يابانية مهددة بالإفلاس، وتشمل لائحة الدول التي في دائرة الخطر إثيوبيا وباكستان وغانا وكينيا وبلاروسيا ونيجيريا، ومصر التي بلغت ديونها الخارجية نحو 160 مليار دولار تستحق على مدى السنوات الخمس المقبلة، وكذلك تواجه تونس خطر التعثر بعد عجز الميزانية الذي بلغ نحو 10%، بخلاف المخاطر التي تمر بها فلسطين ولبنان وسوريا والسودان وليبيا واليمن، في ظل الأوضاع الجيوسياسية والصراعات الإقليمية المتصاعدة في المنطقة والنزيف الاقتصادي المستمر، وزيادة نفقات الحرب والتسليح التي تؤثر على الموارد المالية وحجم الاحتياطي النقدي لدول المنطقة، وانعكاس ذلك أيضا على تكاليف الإنتاج والشحن والتأمين، وكلها تقود الاقتصاد إلى البطء والركود، لأن شركات القطاع الخاص المتعثرة التي فشلت في المحافظة على وضعها المالي أو الوفاء بالتزاماتها لدى الآخرين محليا وخارجيا، زادت بشكل ملحوظ، فيما لم تبذل الحكومات جهدا للتصدي لهذه الظاهرة قبل تفاقمها؛ لأن بعض الشركات يمكن تقويمها، فقد تحتاج إلى التخلص من الإدارات غير المؤهلة التي تفتقر إلى الكفاءة الإدارية والفنية، ثم الترشيد وتحديد الأولويات، وتكثيف التدريب وتحسين الإنتاج والإنتاجية، والتركيز على المنتج القادر على المنافسة، مع استقطاب الاستثمارات المحلية والأجنبية، لاستعادة القدرة على سداد الديون والوفاء بالالتزامات قبل المجتمع وتجاه الآخرين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4497
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
3351
| 07 مايو 2026
كم مرة تغيّرت نظرتك لنفسك لأن أحدهم لم يمنحك القبول الذي تنتظره؟ وكم مرة شعرت أنَّ قيمتك ترتفع أو تنخفض تبعا لنظرة الآخرين؟ في زمن أصبحت فيه المعايير خارجية، ينسى كثيرون أن القيمة الحقيقية لا تستأجر من الآخرين، ولا تُمنح بقرارٍ من أحد، بل تُبنى من الداخل وتبقى رغم كل التقلبات. ولو سألنا عن ماهية القيمة المستأجرة، فسنجدها في أن يربط الإنسان قيمته برضا الآخرين، فيعيش أسير تقييماتهم، يعلو حين يُقبل، وينهار حين يُرفض، وهنا تحديداً يبدأ الصراع القاهر مع الذات، حيث تصبح الحياة سلسلة محاولات لإرضاء الخارج، بدل فهم الداخل. ولتوضيح الأمر ليبدو المشهد أكثر وضوحاً، هو أنَّ كثيرين يتأرجحون على سلّم تقييم الآخرين، دون وعي كافٍ بذواتهم، ما يجعلهم في حالة استنزاف دائم، رغم أنَّ كثيراً من تجارب الحياة لا يمكن السيطرة عليها، لذلك، فإن استعادة القيمة من الداخل ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة نفسية، تعيد للإنسان توازنه، وتحرره من عبء تقييم الآخرين. ولا تقف هذه الفكرة عند حدود التأمل النظري، بل تمتد إلى ما تؤكده الدراسات النفسية الحديثة، إذ تشير أبحاث إلى أن ربط تقدير الذات بعوامل خارجية—كالمظهر أو القبول الاجتماعي أو الإنجاز—يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، مقارنةً بمن يستندون إلى ما يُعرف بـ تقدير الذات الداخلي القائم على القيم الشخصية والمعنى، والتي لا تتأثر وفق نظرة الآخرين التي يصدرونها إلينا وفق الموقف أو وفق أمزجتهم. هذا التفريق ليس جديداً، فقد ميّز كارل روجرز أحد مؤسسي المدرسة الإنسانية في علم النفس بين "الذات الحقيقية" و"الذات المشروطة"، موضحاً أن الإنسان كلما عاش وفق شروط الآخرين طلبا للقبول، ابتعد عن ذاته الأصلية، ودخل في حالة اغتراب نفسي قد لا تبدو واضحة للعيان، لكنها تُستنزف شيئاً فشيئاً. وفي السياق ذاته يذهب نثانيل براندين الذي تحدث عن الأركان الستة لتقدير الذات، أن الذات لا تبنى من خلال ما نحصل عليه من اعتراف خارجي، بل من خلال شعور داخلي بالكفاءة والاستحقاق، يتشكل عبر ممارسات عملية يومية تهدف إلى تعزيز الثقة والقيمة الذاتية، كالعيش بوعي، تقبل الذات، تحمل المسؤولية الذاتية، توكيد الذات، العيش بهدف، والنزاهة الشخصية، وأنَّ إيمان الإنسان بقدرته على التأثير في مجريات حياته هو أحد أهم مصادر التوازن النفسي، هذا الإيمان لا يُمنح من الخارج، بل يتشكل عبر التجربة، والتكرار، وتحمل المسؤولية، بمعنى آخر، القيمة لا تُستورد من الخارج بل الشخص هو مصدرها. وهنا يتضح جوهر المسألة ويكشف أنَّ المشكلة ليست في المحيطين بنا، بل في المكان الذي نضع فيه أنفسنا بالنسبة لهم، حين تصبح نظرة الآخر مرآتنا الوحيدة، نفقد القدرة على رؤية أنفسنا بوضوح، وحين نُعلّق قيمتنا على قبول متقلب، نُدخل أنفسنا في معادلة خاسرة؛ لأن هذا القبول الخارجي أو المعتمد على الآخرين بطبيعته غير ثابت، ولا يمكن التحكم فيه. فالسؤال من نحن بدون القيمة الممنوحة لنا من الخارج!؟، وماذا يبقى منَّا عندما يغيب تصفيق الآخرين؟، فالإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية التحرر من القيمة المستأجرة، لأن الإنسان الذي يعرف نفسه، لا ينتظر تعريفا من أحد، ولن يعتمد على نظرة الآخرين له. هُنا عليك أن تُذكّر نفسك، باستمرار، أنَّ قيمتك لا تُقاس بحجم الإعجاب الذي تحصده، ولا بعدد الألقاب التي تحملها، بل بمدى صدقك مع ذاتك، وبالدور الذي تؤديه في محيطك مهما بدا هذا الدور صغيراً، فالأثر الحقيقي لا يُقاس بضجيج الفعل، بل بما يتركه من معنى. ختاماً.. قد لا تستطيع التحكم في كيف يراك الآخرون، لكنك تملك بيدك أن تختار كيف ترى نفسك، وهذه في حقيقة الأمر الأكثر صعوبة، لكنها الحقيقة التي تستقر في عمق الوعي متوسدة عقولنا وتمتد إلى جنبات حياتنا.
1914
| 05 مايو 2026