رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

السفير كارلوس اومبيرتو خمينيز ليكونا

- سفير جمهورية غواتيمالا لدى دولة قطر

مساحة إعلانية

مقالات

420

السفير كارلوس اومبيرتو خمينيز ليكونا

المتاحف الوطنية: الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية

10 يوليو 2025 , 04:14ص

كما نعلم جميعًا، تُعد المتاحف أماكن تُعرض فيها نماذج تمثل الثقافة المادية التي أنتجها الرجال والنساء على مرّ الزمن. أُنشئت المتاحف في البداية للدراسة والبحث، ثم توسّع دورها ليشمل التعليم والترفيه، وبدون أن تفقد هذه الأدوار، تحوّلت إلى أماكن رسمية لحماية الذاكرة الجماعية للأمم. ربط الماضي بالحاضر من خلال مقتنيات تعيد الزوار إلى أسلافهم، وتجعل البعيد جزءًا من الحياة اليومية، هو مهمة أساسية لهذه المؤسسات. وفي تجربتي، يُعد المتحف الوطني في قطر أفضل مثال على هذا الدور.

بعد زيارات متعددة للمتحف الوطني في قطر، يمكنني القول بثقة إن تاريخ هذا البلد لا يمكن إدراكه كاملًا دون زيارة هذا المعلم المرموق الذي يُعرّف جيدا الهوية القطرية، التى تتميز بالمثابرة والمروءة والقدرة على تجاوز التحديات. منذ اللحظة الأولى، يربطك كل شيء بالمتحف بالهوية الوطنية: ابتداء من موقعه—حول قصر الشيخ عبدالله بن جاسم آل ثاني (1871–1957)، الذي كان مقراً للأسرة الحاكمة والحكومة سابقًا—إلى التصميم المعماري الفريد الذي صمّمه المعماري الفرنسي جان نوفيل، مستوحى من ظاهرة وردة الصحراء الطبيعية.

كما تعرض قاعات المتحف المُبهرة وحديقته المجاورة تاريخ البلاد: شعبها وتقاليدها ونضالاتها وثروتها النباتية والحيوانية، بدقة فائقة ورعاية متناهية. إنه بلا شك مكان تلتقي فيه الذاكرة والعاطفة في حوار دائم مع الحاضر.

في إحدى زياراتي التي لا تُنسى، وأثناء تجوالي في القاعة المخصصة لحياة البدو، توقفت أمام فيديو معروض فى احد قاعات المتحف الانيقة، كان يعيد بث صوت رياح الصحراء وهمسات الأسواق التقليدية وأغاني غواصي اللؤلؤ. في تلك اللحظة، لم أكن أشاهد التاريخ فحسب، بل كنت أعيشه. شعرت أنني جزء من هذا الإرث الحي وفهمت أن الهوية تُبنى من خلال المشاعر، وأن المتحف يمثل حلقة وصل شديدة الخصوصية والاهمية بين ماضينا وحاضرنا.

من وجهة نظري، يُظهر المتحف الوطني تطوّر الهوية القطرية بشكل بارز، مما يسمح للزوار بفهم العناصر الرئيسية التي شكّلتها: الثروة الطبيعية والثقافية ومرونة الشعب القطرى والقيادة ذات الرؤية المستقبلية الرشيده. وتتجلّى هذه الجوانب ليس فقط في القطع المعروضة، بل أيضًا في طريقه عرضها المُثلى من حيث التنظيم والسياق.

وعندما كنت أتجوّل في قاعات هذا المتحف المرموق، لم يسعني إلا أن أستحضر بحب زياراتي إلى متحف الآثار والأنثروبولوجيا الوطني في غواتيمالا. أيضًا، يُعد هذا المتحف لقاءً مع روح الدوله. فمن خلال مقتنياته ومعارضه—المرتكزة على الحقبة ما قبل الكولومبية، لا سيّما ثقافة المايا—يقدّم المتحف نافذة عميقة نحو جمال وتنوّع الشعوب التي عاشت وما زالت تعيش في تلك الأرض.

ومن خلال تجربتي في متحف غواتيمالا، يتجلّى أكثر ما يميّزه في المجموعة الهائلة من قطع حضارة المايا، إحدى أكثر الحضارات تطورًا في الأمريكتين. كل قاعة بالمتحف مصممة بعناية ليس فقط لعرض الإنجازات الأثرية، انما ايضا لتسليط الضوء على الاستمرار الثقافي للشعوب الأصلية بغواتيمالا، مما يبرِز كيف أن تقاليدهم ولغاتهم ونظرتهم إلى العالم تظل جوهر الهوية الوطنية. وبذلك، لا يُعد المتحف فقط شهادة على الماضي، بل تأكيدًا حيًا على التنوع الثقافي الذي يُحدد هوية غواتيمالا اليوم.

رغم وجود كلا المتحفين في سياقات جغرافية وتاريخية وثقافية متمايزة—الأول محاط بصحراء الخليج، والآخر في قلب أمريكا الوسطى—إلا أنهما يشتركان في رسالة أساسية: الحفاظ على تراث شعوبهم، وتفسيره، ونقله للأجيال. في كليهما، يُراد للزائر أن يُرشد ليس فقط بالتواريخ والأحداث، بل من خلال سرد دقيق يساعد على فهم كيف أن الجذور الثقافية باقية وتؤثر في هوية الحاضر.

وأخيرًا، يمكنني القول إن المتحف الوطني في قطر ومتحف الآثار والأنثروبولوجيا الوطني في غواتيمالا يمثلان مثالين حيّين على كيفية قيام الدوله بالحفاظ على تراثها الثقافي، وتكريمها له، وتحويله إلى أداة للتواصل مع المستقبل. فهاتان المؤسستان لا تكتفيان بحفظ القطع التاريخية فحسب—بل تحكيان قصص شعوبٍ مرنة وفخوره بجذورها ومنفتحه على الحوار العالمي. ومع تجولي في قاعاتهما، أدركت أن المتاحف لا تقتصر على تعليم التاريخ: بل تلهم الهوية، وتبنّي الانتماء، وتعزّز التفاهم بين الثقافات. وهكذا، من صحراء قطر إلى غابات غواتيمالا، تذكرنا هذه المتاحف أنه على الرغم من اختلافنا الجغرافي والثقافي، فإننا نشترك في أمل واحد: الحفاظ على الذاكرة الجماعية لتنير طريق الأجيال القادمة.

 

مساحة إعلانية