رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ولد عبدالله ذو البجادين، في مكة المكرمة، يوم كانت لا تزال في ظلمات عهد الكفر والشرك، قبل أن يأتيها الفتح المبين، من رب العالمين، على يد رسوله الأمين، ولد لرجل من مُزينة يقال له عبد نَهْم، فرح هذا الوالد بمقدم ولده فرحا كبيرا، وشكر الآلهة وأثنى عليها، التي رزقته من الله ذلك الوليد، فرأى أن يسميه عبد العزى.
كان ذلك الوالد فقيراً معدِما، يسعى في كل يوم جاهداً مجتهداً، كي يكفل لنفسه، ولمن يعول الغذاء والكُسوة، وما يحتاجون إليه من ضرورات الحياة، ظل على ذلك مدة من الزمن وابنه عبد العزى، لا يزال طفلا صغيرا لا يعي شيئاً، لكن القدر من السماء شاء أن يموت الوالد، ويَذَر طفله يتيما فقيرا، لم يورّثه وأمَه مالا يكفيهما الحاجة إلى الناس، ويضمن لهما الغنى عنهم.
لَطف الله بذلك الطفل الصغير، وقيَّض له عمه الذي كان موسراً كريما، فكفل ابن أخيه كفالة حسنة طيبة، ونشأ في كنفه، يكرمه وينعم عليه، ويرعاه كأنه واحدٌ من أبنائه، لا يمنع عنه شيئاً، ولا يؤثر عليه أحداً، حتى شب عبد العزي، وهو لم يذق شيئاً من مرارة اليتم وقسوته، ولم يحس شيئاً من شدته وعنته.
كان عبد العزى يسمع في مكة كثيراً عن دعوة الإسلام، ويسمع أكثر من أحاديث الناس المتشعبة المختلفة ذات الشجون، عن رسول الله محمد، الذي هاجر إلى يثرب واتخذها موطنا يقيم فيه مبادئ وأركان وتعاليم الدين الموحى إليه من الله، وقد علم أن أناسا كثيرين قد اتبعوه والتفوا حوله، يؤيدونه وينصرونه، وعلم أنهم فريقان، مهاجرون وأنصار، وسمع ثم سمع صدقا، وعلم ثم علم حقا، وإذ ذاك قام في نفسه صراع عنيف، ودار في خَلَده جدال طويل، بما يشبه الثورة العارمة، التي لا يستطيع كبح سَوْرتها، ولا كفَّ لأْوائها، كانت تدفعه نحو التفكير الذي لا يعرف له حدّا، وتحمله على التغير الذي لا يرى له بداً، كل ذلك كان يُشعره بالهم والقلق والانزعاج، وهكذا استمر به الحال، بحيث لا يهدأ له بال، ولا يرى لنفسه راحة، لا بالليل ولا بالنهار، مدة من الزمان، حتى قدّر لنفسه أمرا، لا يرجع عنه أبداً.
لم يرَ عبد العزي مناصاً من مكاشفة عمه، ومصارحته بما في نفسه، وبما نوى عليه وعزم، من اتباع دين الإسلام، والهجرة إلى الرسول الكريم، بعد أن طوى هذا الأمر في نفسه طويلاً، وكان لا يحمل هما لشيء، إلا هم استجابة عمه الأثير عنده.
بينما كان عمه في الدار، رأى عبد العزى أن يطلعه على دخيلة أمره، فقال: يا عمِ إني قد انتظرت إسلامك مليّا، فلا أراك تريد محمداً، فأذن لي في الإسلام والهجرة. فصاح عمه في وجهه قائلاً: ماذا تقول يا عبد العزى؟ ماذا تقول يا بن أخي؟ يا ويحَ نفسِك؟
أبعد أن أكرمتك ونعَّمتك، ولم أوثر عليك أحدا من عيالي، ولم أمنعك شيئا من أموالي، تريد أن تتركني وتهجرني، وتفارق دين آبائي، وتلحقَ بمحمد، فتتبع دينه الجديد. وبحق الآلهة جميعا، إن لم تنثنِ وترتدع عما تريد من اتباع محمد، لأجرّدنّك ولأحرمنك من كل شيء أعطيتك إياه، حتى لا أترك في يدك شيئاً إلا نزعته منك، حتى ثوبك الذي عليك.
أجابه عبد العزى، بسكينة ورباطة جأش: يا عماه، يا أخا أبي، افعل ما بدا لك، وخذ كل ما تملك يدي، والله لا تجدني إلا صابرا، مستغفرا لك، مشفقاً عليك.
كانت أمه شاهدة وموافقة على رأي عمه، لا ترى ما يراه ابنها، ولا تؤيده عليه، فما كان من العم، إلا أن فعل ما قال وما أوعد، تماماً على الذي قال، وترك ابن أخيه سليبا عاريا في البيت، إلا قليلا مما يستر السوءة، وزادت أمه على ذلك، بأن قالت: وأنا سأحبسه في البيت، وأمنع عنه الخروج حتى يعدل عما أراد.
بقي عبد العزى على حالته تلك أياما، لم تزده إلا عزيمة وإصرارا، على الهجرة واللحاق برسول الله، وحلف ألا يأكل ويشرب، إن لم يخلوا بينه وبين ما اختار لنفسه، ولما رأت أمه منه ذلك، وأدركت أن ليس ثمة قوة ولا سلطان، يمكن أن يؤثر فيه، ويفلَّ تصميمه الحديد، يئست، من محاولة منعه وصده، وقال لها قلبها الذي هزته مشاعر الرقة والعطف: إن لم تدعيه وشأنه فسيموت لا محالة، ولا يمكن أن يعود عما صمم عليه. فكان منها أن أطلقته وقالت له: سرْ حيث شئت، وخذ هذا البِجاد – كساء غليظ- ثوبا لك. فأخذ منها البجاد فرحا مسروراً، وشكر لها وقبل رأسها ويدها، ثم إنه شق البجاد شطرين، اتّزر بشطر، وارتدى الآخر، فكانا له إزاراً ورداءً، لم يُرَ على أحد من قبله مثلهما، ثم انسل مسرعا من البيت لا يلوي على شيء مما وراءه، ومما تركه.
لا يمكن لأحدٍ أن يعلم ما الذي كان في نفس عبدالله حينئذٍ، وما الذي كان يشعر به وجدانه، غير أن نور الإيمان قد شعَّ في قلبه، وأضاء حناياه، وأوقع في صميم ضميره محبة الله ورسوله، والحب سلطان لا يُغلب ولا يكسر، ولا تزعزعه الظروف والأحوال في الدنيا.
ولا يمكن لأحدٍ أيضاً، أن يتصور مبلغ ما لقي في طريق هجرته من بأساء وضراء، دونها ما يلقى المسافرون، من وعثاء أسفارهم، فقد لقي ما لقي من عناء، ووجد ما وجد من شقاء، إلا أن الإيمان والمحبة، خففا وطأة ذلك كله، وهوّنا شدته، وأنالاه أيضاً بُغيته، إذ بلغ سالماً المدينة المنورة، مثوى رسول الله. ولا تعجب من فعل الإيمان والمحبة، وما يمنحان من قوة، وما ينيلان من بُغية.
حين بلغ المدينة، وهو على سمته ذاك بما عليه من بجادين، قصد المسجد النبوي، واضطجع فيه وقت السحر، يبتغي رؤية رسول الله، ولما رآه بعض الصحابة على هيئته تلك لقبوه بذي البجادين، وأقبلوا يسلّمون عليه ويحيّونه، ويستخبرونه عن شأنه، ثم صلّى رسول الله الصبحَ، وكان عليه الصلاة والسلام، يتصفح الناس إذا انصرف من الصلاة، فنظر إلى ذي البجادين، فأنكره، وقال: من أنت؟ فانتسب له. فقال رسول الله: بل أنت عبدالله ذو البجادين، وابتسم في وجهه، حتى بدت نواجذه، ثم قال: (انزل مني قريبا). فكان عبدالله من أضيافه، وكان يعلمه القرآن، حتى قرأ قرآناً كثيرا.
مضت الأيام والشهور الطوال، حتى أدرك عبدالله، يوم تبوك، في السنة التاسعة للهجرة، وخرج في جيش العسرة، لملاقاة الروم، وكان يوم تبوك آخر مشهد لرسول الله في الجهاد، وكأن إلهاما من الله أوحى إلى ذي البجادين، أن يسأل الرسول الكريم، الدعاء له بالشهادة، فيموتَ شهيداً في سبيل الله، فدعا له وقال:(اللهم احفظه من سيوف الكفار)، قال: ما هذا سألت يا رسول الله؟! قال: (إنك إن خرجت غازيا فمُتَّ، مُت شهيداً).
ثم إن جيش المسلمين نزل تبوك، واتخذ معسكرا هناك، وأقام أياما، وهو على أتم أُهبةٍ لقتال العدى، إلا أن الله قذف في قلوب الروم الرعب والخوف، فلم يتقدموا لمقاتلة المسلمين، بل تراجعوا وراءهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكتب لهم الظفر من عدوهم بغنيمة باردة.
في إحدى الليالي، التي قضاها المسلمون بأرض تبوك، أصابت عبدالله ذا البجادين، حمى شديدة، حُمَّ بها جسده، حتى قضى نحبه، ولقي ربه على أثَرها، راضيا عنه، ثم حدث في تلك الليلة الظلماء وفي معسكر المسلمين ذاك، أن قام عبدالله بن مسعود من الليل، وخرج من خبائه، فرأى شعلة نارٍ تخفق في جوف الليل، في ناحية من المعسكر، فمضى يستطلع شأنها، فإذا به يرى رسول الله، قائما في قبر عبدالله ذي البجادين، يرفع التراب منه، وإذا بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، واقفين على شفى القبر، ورسول الله يقول لهما:(أُدنيا مني أخاكما)، فوسّده في لحده، وإذ فرغ من دفنه، استقبل القبلة رافعا يديه قائلا:(اللهم إني أمسيت راضيا عنه فارضَ عنه)، وكان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، حينئذٍ ينظر بحزن ولهفة وذهول وهو يقول:(ليتني كنت صاحب الحفر، يا ليتني كنت). وهكذا شاء الله لذي البجادين، أن يفوز بالشهادة، على ذلك النحو، ولا راد لمشيئة الله تعالى.
ليس المجدُ لذةَ عيشِ الفتى، إنما المجدُ أن يموتَ الفتى مكرَّما.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5232
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2733
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2364
| 02 يونيو 2026