رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن ما صرحت به ليفني رئيسة وزراء الكيان الصهيوني سابقا لصحيفة التايم الأمريكية هو التنازل عن العرض خدمة لإسرائيل، حيث مارست الجنس مع شخصيات عربية مهمة للحصول على تنازلات لصالح كيانها الصهيوني، وما صرح به أبو مازن عباس هو تنازل عن الأرض الفلسطينية الوقفية لصالح إسرائيل حيث قال لمذيع القناة الصهيونية (!) إنه لا يعترف لفلسطين إلا بحدود 1967، ولن تقوم انتفاضة ثالثة في عهده، وأضاف: "حقي أن أرى بلدتي الفلسطينية التي ولدت بها، لكن ليس من حقي أن أعيش فيها"، يعني أن قريته المحتلة لا حق له في العودة إليها بل حقه فقط أن يذهب سائحاً، ليرى الآثار العربية القديمة – إن كان قد بقي فيها شيء بعد الاحتلال – كما يرى العمران الصهيوني الجديد، وربما يفرح لبلدته أن اقتلعت منها أشجار الزيتون، وتم تشجيرها بأشجار الزينة، وردمت فيها الآبار العذبة لحساب المواسير الصهيونية التي تشق الأصالة العربية، وتنخر في الرجولة الفلسطينية، هل من المصادفة أن يأتي التصريحان من ليفني وعباس في أسبوع واحد، قيادة صهيونية من الحسناوات تغري قيادات عربية وتمارس معهم الجنس الفاضح مقابل تنازلات، وهل هذه الشخصيات إلا قوم لهم سلطة القرار؟ ويملكون أجهزة وصلاحيات وهيئات ومنظمات ووزارات ودولا وأموالا و.... فهي قطعا سوف تختار الضحية التي تزني معه كي يكون الثمن هو هذه التنازلات الضخمة، وفي الوقت نفسه تصرح أنها على استعداد أن تعيد الكرّة من أجل إسرائيل، وأنها لما عملت في الموساد الصهيوني قد قامت بعمليات قتل لشخصيات فلسطينية عديدة، ومع هذا تعلن أنها ستعيد ترشيح نفسها رئيسة لوزراء الكيان الصهيوني في الانتخابات القادمة عن حزب "كاديما" بعد تورط أولمرت في فضائح مالية، لكن الفضائح الإنسانية في القتل والأخلاقية في الزنا لا تحول دون الترشح لأرفع منصب تنفيذي في حكومة الكيان الصهيوني تماما كما لم يكن ثمة مانع لدى الشعب الأمريكي أن يزني رئيس أمريكا الأسبق بل كلينتون في البيت الأبيض مع مونيكا، وكذب أولا أنه لم يفعل، ولما خرج الموضوع إلى العلن، تراجع واعتذر عن واقعة الكذب لا الزنا وتفهم وتقبل المجتمع الأمريكي الأمرين لأن السيد كلينتون له دور في تحسين الاقتصاد، وهو أمر مخجل أن يكون العرض بعد المال في المفهوم الغربي، أما عندنا فالعرض يسبق المال والحياة نفسها، وقد جاء في الحديث الذي رواه سعيد بن زيد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد" (صحيح الجامع)، وقال ابن قيم الجوزية: لو راود أحد امرأة عن نفسها تقاتله فإن قتل فإلى لعنة الله ولا دية له، وإن قتلها الباغي فهي شهيدة، ولم يعدَّ من الإكراه أن تستسلم المرأة لمن يغتصبها قهرا إلا أن تفقد الوعي أو الحركة تماما، وقال الشاعر العربي الأصيل:
تهون علينا في النائبات جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول
ويقول الشاعر الأبي الحر:
أصون عرضي بمالي لا أدنسه لا بارك الله بعد العرض في المال
المال إن أَودى أحتال فأجمعه ولست للعرض إن أودى بمحتال،
فالآنسة ليفني تقدم في عالم الخساسة والسياسة والدياثة نموذجا جديدا هو التضحية بالعرض لإيقاع الضحايا الكبار في شباك الموساد الصهيوني، ثم تصوّر هذه الوقائع بعناية، ويتم تهديد الضحية كلما فكر أن يرفع رأسه بتصريح أجوف لا قيمة له، لكن لمزيد من الإذلال لابد أن يعتذر، وأن يقدم تنازلات أكثر تأديبا له، ومنعا من أن يخسر منصبه، وإن خسر كل شيء شرفه وعروبته وولاءه لأنه كالثور الأعمى كما قال تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" (الحج: 46)، والنهاية كما قال تعالى: "خسر الدنيا والآخرة" (الحج:11)، ولذلك كنت في تحليل أسباب انحدار مستوى الخنوع والخضوع والذلة والمهانة من بعض القيادات العربية للإملاءات واللاءات الصهيونية أقول: لا أجد مبررا لكل هذا التنازل عن الأرض والقدس والأقصى، وحق العودة للاجئين، وملف الأسرى، وضرب غزة وإعلان ذلك من القاهرة، وقبول قتل الصهاينة أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة ودبي وأوروبا وتونس و...، بل قتل جنودنا المصريين على التراب المصري إلا أن هناك مذلّات وجنايات ممسوكة ومصورة لهؤلاء الكبار، لكن حجم فهمي أن ذلك قد يحدث في وقت مبكر في ريعان الشباب من باب صناعة العملاء في المستقبل، وتقوم به بنت صغيرة مراهقة بالأجرة، وربما لا تعرف من الضحية ولماذا يُعدّونه مستقبلا، لكن أن تكون الدعارة بين الكبار سنا ومركزا وسياسة، فهذا أمر فوق الخيال، وتحت أدنى التوقعات، لكنه يفسر حجم التنازلات، وأذكر أنني في لبنان لقيت شخصية من هؤلاء الكبار في السلطة الفلسطينية في رام الله، وفوجئت به يفطر في القاعة نفسها التي أفطر فيها – رغم تواضع مستوى الفندق – فسارعت للانتقال إليه، وطلبت منه الحوار معه، فكان مما قلته: قل لي أيها السياسي الكبير ماذا بقي في أيديكم من شيء تقدمونه للكيان الصهيوني حتى تحافظوا على مواقعكم مهما خسرتم من مواقفكم ومبادئكم، ولقد لفظكم الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي بل الإنساني؟، ويومها ضاعف جرعة الكذب حتى يبرر تنازلاته، فقلت له إن طفلا في عالم السياسة لن يصدق هذا الدجل السياسي، ولم أكن أتصور أن يصل الأمر إلى المستوى الذي تحدثت عنه ليفني من ممارسات جنسية كاملة مع شخصيات عربية مهمة للحصول على تنازلات بالجملة، ولذا أقترح لو فازت ليفني في رئاسة وزراء الكيان الصهيوني ألا يلقاها أحد إلا مع حرس حدود يحمونه من إغراءات الحسناء حتى لا يقع في مستنقع التوظيف لصالح الكيان الصهيوني، وآنئذ لن يُرحم، بل سيلقونه في أول سلة مهملات ويلطخونه في الوقت الذي لا يعود ذا فائدة بالنسبة لهم.
إنني لم أفاجأ مما قاله عباس من إهدار حق العودة للأراضي الفلسطينية، وإهدار حق المقاومة، وقيامه بقتل المقاومين، وأمره لأحد زبانيته -بصوته على اليو تيوب- أن يذبح أبطال حماس، لكن المفاجأة الأكبر هي رد فعل القادة الصهاينة حيث قال ليبرمان وزير خارجية الكيان الصهيوني: "عباس لا يصنع لنا معروفا بتنازلاته، بل يتوجب عليه أن يقدم الشكر لنا؛ لأنه من دوننا لم يكن لسلطته أن تتواصل ولو دقيقة واحدة في الضفة"، وقال آخر منهم: إن عباس يكذب علينا لأنه يقول في قنواتنا شيئا، ويقول في القنوات العربية شيئا آخر.
صدق الشاعر:
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح ميت إيلام
يارب اعصمنا من فريسة الهوى، ومضلات الفتن حتى نبقى برضاك وحدك متعلقين، ولأعراضنا حافظين، ولأرضنا وقدسنا أسودا حماة فاتحين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1950
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1356
| 16 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1167
| 11 أكتوبر 2026