رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. أمل غانم

- مستشارة في التطوير الذاتي والمهني

[email protected]

مساحة إعلانية

مقالات

213

د. أمل غانم

حين تصبح السلطة الوظيفية مصدراً للأذى

09 أكتوبر 2026 , 12:00ص

 

ليست كل إساءة في بيئة العمل تُكتب في تقرير، وليس كل ما تتركه الوظيفة من جراح يمكن رؤيته.

أحيانًا لا يحتاج الأذى إلى قرار تعسفي كبير، ولا إلى مشهد صاخب. قد يبدأ بكلمة تُقال أمام الآخرين، أو بنبرة تحمل الإهانة، أو بتعمد التقليل من شخص، أو باستخدام الصلاحية لإشعاره بأنه أضعف من أن يعترض.

والأصعب أن بعض هذه الممارسات أصبحت تُبرَّر بعبارات اعتدنا سماعها: «هذه طبيعة العمل»، «المدير له صلاحيات»، «لا تأخذ الموضوع بشكل شخصي».

لكن متى أصبحت الصلاحية مبررًا للأذى؟

لفتت انتباهي المادة (161) من قانون العقوبات القطري رقم (11) لسنة 2004، الواردة ضمن الأحكام المتعلقة باستغلال الوظيفة وإساءة استعمال السلطة، والتي تجرّم استعمال الموظف العام للقسوة مع أي شخص أثناء تأدية وظيفته، وتقرر لذلك عقوبة قد تصل إلى الحبس والغرامة.

ولست هنا بصدد تفسير النص القانوني، أو القول إن كل موقف مؤذٍ في بيئة العمل يدخل تحته؛ فتكييف الوقائع قانونيًا له أهله وجهاته المختصة. لكن وجود نص يتناول استعمال القسوة أثناء أداء الوظيفة يفتح أمامنا سؤالًا أكبر يستحق التفكير:

ماذا تفعل السلطة بالإنسان عندما ينسى أن أمامه إنسانًا آخر؟

المنصب يمنح صاحبه صلاحيات، لكنه لا يمنحه حق الإهانة. والإدارة تتطلب الحزم، لكنها لا تحتاج إلى إذلال. والقائد قد يرفض، ويحاسب، وينتقد الأداء، ويتخذ قرارًا لا يعجب الموظف، ويبقى رغم ذلك محترمًا وعادلًا.

هناك فرق كبير بين إدارة الموظف وكسر الموظف.

فالأذى الوظيفي لا ينتهي دائمًا بانتهاء الموقف. قد يغادر الموظف مكتب مديره، لكن الكلمة تغادر معه. يعود إلى مكتبه أقل ثقة، وأقل رغبة في المبادرة، وأكثر خوفًا من الخطأ. ومع تكرار الأمر، قد نخسر موظفًا كان يستطيع أن يعطي الكثير، ليس لأنه غير كفء، بل لأنه استُنزف في مكان كان يفترض أن يساعده على النمو.

والأذى في بيئة العمل ليس دائمًا صراخًا أو إهانة مباشرة. أحيانًا يأتي في صورة تهميش متكرر، أو تقليل من الجهد، أو إحراج أمام الآخرين، أو استخدام للصلاحيات بطريقة تجعل الموظف يعيش في خوف دائم من الخطأ.

لهذا، فإن بيئة العمل الصحية لا تُقاس فقط باللوائح والمزايا وساعات الدوام، بل أيضًا بالطريقة التي نعامل بها بعضنا عندما تكون القوة غير متساوية.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي للأخلاق المهنية: ليس كيف تتعامل مع من يستطيع أن يرد عليك، بل كيف تتعامل مع من تمنحك وظيفتك سلطة عليه.

فالسلطة الحقيقية لا تحتاج إلى صوت مرتفع لتثبت وجودها، ولا إلى خوف الآخرين حتى تشعر بقيمتها.

وفي النهاية، قد يمنحك المنصب صلاحية اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحك ملكية كرامة من يعمل معك.

فالكرامة ليست ميزة وظيفية تُمنح للموظف… بل حق يدخل معه من الباب كل صباح.

 

مساحة إعلانية