رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الجميع يتكلم عن الإرهاب هذه الأيام والجميع يعاني من الظاهرة التي انتشرت في مختلف دول العالم، ومع الأسف الشديد معظم دول العالم خاصة المتقدمة منها تحارب الإرهاب بالإرهاب وتستعمل الإقصاء والتهميش وطرق تتنافى مع القيم الإنسانية لمعالجة الإرهاب. سجن جوانتنامو أحد المعاقل التي استعملتها أمريكا لسجن المئات من دون حق وبدون محاكمة؛ هذا السجن الذي وعد الرئيس الأمريكي بغلقه عند مجيئه للحكم قبل ثماني سنوات ما زال معقلًا للمشتبه بهم وما زالت أمريكا وغيرها من الدول العظمى تستعمل طرقًا ووسائل لمحاربة الإرهاب أقل ما يقال عنها أنها طرق تزرع بذور انتشار الإرهاب ونموه. فثقافة ربط الإرهاب بالإسلام وثقافة الإسلاموفوبيا التي أصبحت المادة الدسمة لمختلف وسائل الإعلام العالمية ما هي إلا وسائل لنشر الحقد والكراهية والإقصاء والخلافات والنزاعات بين شعوب العالم. ما زالت معظم دول العالم تنظر إلى ظاهرة الإرهاب نظرة سطحية مبسطة وبعيدة عن المسؤولية والغوص في الأسباب الحقيقية للإرهاب. فعندما نلاحظ حملات انتخابية رئاسية في أكبر وأعظم وأقوى دولة في العالم تُبنى على العنصرية وعلى إقصاء الآخر وعلى المطالبة بمنع المسلمين من دخول بلاد العم سام فهذا يعني بكل بساطة أن العالم في خطر وأن النخب السياسية والثقافية فيه تشجع على الإرهاب. كيف لا وأن هذه الدول والنخب تحكم على ديانة وحضارة من خلال تصرف غير مسؤول لبضعة أشخاص ينسبون أنفسهم لديانة معينة. فسلوك الشخص أيا كان لا يمثل بأي حال من الأحوال الدين الذي ينتسب إليه.
رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس على سبيل المثال من هؤلاء الذين يحاربون الإرهاب بالإرهاب، الإرهاب الفكري والأيديولوجي والقيمي، يحاربون الإرهاب بالغطرسة وعدم احترام معتقدات وحضارة وديانة الآخر حيث إنه هاجم، الحجاب واعتبره رمزا سياسيا "لاستعباد المرأة"، وشدد على أن المذهب المتطرف من الإسلام يكسب معركة القلوب والعقول الإعلامية. وقال فالس في حديث بطاولة مستديرة حول الأسلمة، إن "الحجاب يُستخدم كرمز سياسي لاستعباد النساء". وقال فالس إن "بعض النساء يستخدمن الحجاب لتحدي المجتمع الفرنسي العلماني". وأضاف أن "الحجاب لا يمثل موضة عابرة، إنه ليس لونا ترتديه المرأة بل إنه استعباد للمرأة"، محذرًا من "الرسالة الأيديولوجية التي يمكن أن تنتشر وراء الرموز الدينية". وتابع: "علينا أن نفرق بين ارتداء النساء المسنات للحجاب وكونه رمزا سياسيا يشكل تحديا للمجتمع الفرنسي". تصريحات فالس جاءت شهرا بعد إثارة وزيرة حقوق المرأة الفرنسية، لورانس روسينيول، عاصفة من الجدل عندما قارنت "النساء اللواتي" يرتدين الحجاب بـ"الزنوج الذين دعموا العبودية". عندما تصدر مثل هذه التصريحات والتحاليل من قبل سياسيين على أعلى مستوى وعندما يطلب دونالد ترامب من خلال حملته الانتخابية في أمريكا منع المسلمين من دخول أمريكا فالأمر ليس بالهين أبدًا، بل إنه في قمة الخطورة. فعندما يفكر الساسة وأصحاب القرار بهذا المنطق فهذا يعني أن الإرهاب سيبقى بل سينتشر ويتضاعف. فعندما يتعلق الأمر برئيس وزراء لا يفرق بين الحرية الشخصية وبين التبرج والإساءة للآخرين فهذا يعني أن الأمر في غاية الخطورة. وعندما تنعدم ثقافة التسامح والحوار والتفاهم فهذا يعني أن ثقافة الإقصاء تبقى سائدة. كلام فالس وترامب وروسينيول يعكس أن العالم ما زال يعيش في عصر الاستعمار والاستيطان والاستعباد. نعم ما زالت الدول الاستعمارية الكبرى تنظر إلى العالم بنظرة الاستعلاء والكبرياء والاستعمار والاستعباد. وهنا نلاحظ قمة النفاق، دونالد ترامب على سبيل المثال لديه استثمارات وأعمال تقدر بالبلايين في الدول الخليجية ويطالب بمنع المسلمين من دخول أمريكا. فهو يتعامل مع المسلمين ويجني أموالا كبيرة من خلال معاملاته التجارية معهم لكنه يرفض دخولهم إلى بلده، أي منطق هذا وأي احترام وتعايش وتفاهم وتكامل مع الآخر.
من جهة أخرى نلاحظ أن التعامل مع ظاهرة الإرهاب يغلب عليه طابع الابتزاز والاستغلال والتوظيف السياسي. فإذا نظرنا إلى تغطية العمليات الإرهابية نلاحظ أن ما يحدث في الدول الغربية يحظى بتغطيات إعلامية مكثفة وعديدة وأما ما يحدث في الدول النامية فتمر عليه وسائل الإعلام العالمية مرور الكرام. وكأن ضحايا الإرهاب في دول العالم الثالث لا قيمة لهم ولا شأن. ففي حادثة "شارلي إيبدو" على سبيل المثال نشرت وسائل الإعلام 22000 مقال عن 12 ضحية خلفتهم العملية، في نفس اليوم عملية إرهابية في اليمن خلفت 38 ضحية، عدد مقالات حادثة اليمن بلغ 565. فما نستنتجه من هذه الإحصاءات هو أن هناك إرهاب فكري ومعنوي وأيديولوجي وثقافي في التعامل مع الإرهاب من قبل الدول الفاعلة في النظام العالمي ومن قبل الدول التي تدعي أنها تحارب الإرهاب. وهل الإرهاب الذي يحدث في فرنسا أهم وأخطر من الإرهاب الذي يحدث في نيجيريا أو مالي أو ساحل العاج أو لبنان أو العراق أو سوريا أو ليبيا؟ فإذا قارنا تغطية حادثة "شارلي إيبدو" وحادثة اليمن نجد عدد 12 ضحية في فرنسا و38 في اليمن. فمن ناحية الأرواح البشرية نلاحظ أن ضحايا اليمن ثلاثة أضعاف ضحايا باريس لكن بالنسبة للتغطية نلاحظ أنه لا مجال للمقارنة حيث إن حادثة "شارلي إيبدو" حازت على 21، 435 مقالا أكثر من عملية اليمن. فأي إرهاب تتكلم عنه الدول الغربية وأي إرهاب تتكلم عنه وسائل الإعلام الغربية. فإذا نظرنا إلى مدى اهتمام وسائل الإعلام بضحايا العمليات الإرهابية نجد أن وسائل الإعلام الغربية تهتم 11 مرة أقل بضحايا الإرهاب في دول العالم الثالث مقارنة بالدول المتقدمة وهذا مؤشر خطير حيث إنه بهذه الطريقة فإن الإعلام الغربي، الإعلام المسيطر على جمع الأخبار وتوزيعها في العالم، يقدم صورة مضلله ومزيفة عن الإرهاب في العالم وكأن ضحايا الإرهاب هم الدول الغربية فقط وهم مواطنو هذه الدول. وهذا بطبيعة الحال تصرف غير مسؤول من قبل الدول الغربية ومؤسساتها الإعلامية فضحايا الإرهاب في العالم الثالث يمثلون عشرات الأضعاف من أمثالهم في الدول المتقدمة. وهذا يعني أن الرأي العام العالمي مغيّب تمامًا عن آلاف الأعمال الإرهابية التي تحدث في دول العالم الثالث.
نخلص إلى القول إن وسائل الإعلام الغربية تتعامل مع العمليات الإرهابية بانحياز كبير وحتى مفهومها للإرهاب يختلف بحسب الضحية والبلد الذي وقعت فيه الجريمة. فالأرواح البشرية لا قيمة لها في دول الجنوب مقارنة بنظيراتها في دول الشمال. وهذا يعني أن عامة الشعب في دول الشمال على سبيل المثال ترى في حادثة "شارلي إيبدو" أنها عملية إرهابية تسبب فيها الإسلام والمسلمين والعرب. أما ما حدث في اليمن في نفس اليوم وبثلاثة أضعاف الضحايا فهو "لا حدث". بالنسبة للرأي العام في دول الشمال الإرهاب موجه للدول المتقدمة وللحضارة الغربية وهو صناعة الدول المتخلفة خاصة المسلمة منها التي ما زالت غير قادرة على مواكبة الحضارة والرفاهية التي تنعم بها دول الشمال. بمثل هذه التصرفات سواء من جانب وسائل الإعلام أو من قبل صناع القرار والسياسيين يبدو أن الطريق ما زال طويلا وطويلا جدا لاحتواء الإرهاب والقضاء عليه لأن ممارسات وسبل مكافحة الإرهاب إلى حد الساعة تتسم بالإرهاب وتتسم بالعنصرية والإقصاء والكيل بمكيالين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026