رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
وما وراء جدران الفصول يقف إنساناً عظيماً تُبنى المدرسة بعطائه، وترتقي بوجوده..
تقوم على جهده ركائز العملية التعليمية، ومن بعد غيابه الطوفان..
إنه يحمل رسالة ذات معنى وقيمة، لا تنتهي بانتهاء حصة دراسية أو عام دراسي بل تمتد في الحياة لأجيال متعاقبة، وكل يوم يترك أثراً طيباً يبقى حيناً في القلوب قبل الذاكرة..
ليس كغيره في العطاء الصادق، يصبر طويلاً في الشرح، ويتحمل أنماطاً متنوعة من تعلم الطلاب واختلاف قدراتهم، ويسهر ليالي في إعداد تحاضير الدروس، ويبتكر كل يوم فكرة ونشاطا جديدا حتى يُضيف روح المتعة والتعلم في نفوس الطلاب، ويقف ساعات ليوصل المعلومة إلى ذهن الطالب، ويرى في كل واحد منهم موهبة تستحق أن تُكتشف ويسعى نحو تطويرها، هو لا يُعلّم فحسب بل يُوجِّه ويحتوي، ويُعالج مشاكل الطلاب، ويغرس القيم، ويصنع المواقف؛ لأنه مربٍّ قبل أن يكون معلماً يزرع في الروح ما يُبقي أثره طوال العمر.
منذ دخوله المدرسة في الصباح الباكر إلى حين انتهاء موعد الدوام الرسمي، لا يجد وقتاً طويلاً للراحة، فهو ما بين الحصص، والتحضير والتصحيح، والاجتماعات، وإقامة الأنشطة والفعاليات المدرسية، وكتابة التقارير، والتواصل مع أولياء الأمور الذي قد يمتد إلى ما بعد ساعات العمل. وفي الوقت ذاته يتعامل مع أطراف متعددة في المنظومة التعليمية: من إدارة المدرسة، المعلمين، الطلاب، أولياء الأمور، والتوجيه التربوي، وقد تكون تلك الأطراف من الشخصيات الصعبة في التعامل، إذاً يعيش تحديات أخرى غير التعليم.
يُعطي أكثر مما يأخذ، وتمر عليه أيام كثيرة يكون عطاؤه على حساب صحته ووقته وراحته، بل وحتى أسرته، قد يعود إلى منزله حاملاً معه ما تبقى من عمل، أو منشغلاً بحالة طالب يحتاج إلى متابعة، أو درس يحتاج إلى إعداد؛ لأن في المدرسة قد لا يمتلك الوقت الكافي للقيام بمهامه الأساسية؛ لأنه منشغل بأمور خارج الحصة الدراسية وهي كثرة الأنشطة والفعاليات، يتحمل التعب والقلق وهذا كله من أجلك أيها الطالب، وإدارة المدرسة!
فالمعلم هو من علَّم الطبيب قبل أن يُصبح طبيباً، والمهندس قبل أن يبني العمارات والبيوت، والطيار قبل أن يلحق، والعسكري قبل أن يحمي وطنه، وكل صاحب مهنة قبل أن يصل إلى المكانة العلمية التي عليها اليوم. يأتي يوم ويغادر الطلاب مقاعد الدراسة، وتمر السنوات وتتغير الوجوه، إلا أن صانع الطرق يبقى أثره أمد الحياة. يكبر الطالب، وقد ينسى كثيراً من تفاصيل أيامه لكنه لا ينسى معلماً آمن به، أو كلمة رفعت من معنوياته، أو موقفاً احتواه أو يداً أخذته حين تعثّر، ربما تمر السنوات، فيجلس مع أولاده لِيسرد لهم أسماء معلميه ومواقفهم وكأنها حدثت بالأمس، فعلاً المعلم قيمة لا تقدر بثمن ويظل يُذكر ولو بعد حين..
ومن هنا يستحق المعلم كل التقدير والثناء لمجرد قيامه برسالته التعليمية، ووقوفه في الحصص الدراسية لا لأن يكون معيار تميزه بكثرة الأنشطة والفعاليات والمظاهر التي يقوم بها تحت مسمى "افعل كل ما يندرج تحت المظاهر تُصبح حبيباً وتنال شرف الترحيب والمحبة والتقدير العظيم من القيادات المدرسية".
ففي الآونة الأخيرة، أصبحنا نشاهد نوعاً من المبالغة والبذخ والتكاليف غير المنطقية في بعض الأنشطة والفعاليات المدرسية، إلى أن تحولت من أنشطة تخدم التعليم إلى عبء إضافي على المعلم معنوياً ومادياً، وهذا ما أشعل روح التنافسية بين المعلمين بحجة من يقدم الأفضل والفعالية الأكبر؟ ومن يصنع المشهد الأجمل؟
ومن هنا لابد أن نتوقف أمام هذا السؤال:
هل حققت هذه الفعالية الهدف المنشود تعليمياً أو تربوياً حقيقياً لدى الطالب؟ أم كانت مجرد فعالية أُقيمت، وصُوّرت، ونُشرت في الحسابات الرسمية، وانتهى أثرها بانتهاء نشر الصورة؟!
الأنشطة والفعاليات جزء مهم في العملية التعليمية حين تكون هادفة وذات قيمة ومعنى ومرتبطة بالتعلم ومتناسبة مع إمكانات المدرسة، لكن الإشكالية تكون عندما يتحول النشاط من مجرد وسيلة لتحقيق الهدف بحد ذاته إلى مظهر وتصوير أهم من التعلم والأثر، وعندما تكون معياراً للحكم على عطاء المعلم وتميزه.
نحنُ لا نريد معلماً منهَكاً ومستنزَفاً معنوياً ومادياً من أجل أن يثبت تميزه بكثرة ما يصنع من مظاهر، بقدر ما نحتاج إلى معلم حقيقي يمتلك وقتا وطاقة ليبذل جهده إلى ملاحظة طلابه واحتوائهم واكتشاف مواهبهم وصقلها وصناعة أثر تقاومه ذاكرة النسيان! ونجاح المدرسة لا يقاس بكثرة الفعاليات التي أقيمت ولا بعدد الصور التي نُشرت، إنما بما تعلمه الطالب واكتسبه من مهارات وقيم ومبادئ تنغرس في نفسه وتبقى معه بصمة بعد أن تُغلق أبواب المدرسة.
رسالة إلى كل معلم ومعلمة:
أنت قائد قبل أن تكون معلماً يقف أمام سبورة يشرح لطلابه، ونعمة عظيمة لا تصنع درساً فحسب، بل كل يوم تصنع إنساناً وقد لا تدرك حجم ما صنعت في لحظتها، لكن مشاهد الحياة ستُثبت لك مع مرور السنوات، قد لا يرى أحد ما تبذله خلف جدران الفصول، لكن الله يرى وهذا يكفي، فماذا تريد أجمل من أن تكون لك مكانة عند رب العباد قبل الناس، وأن يكون علم علمته وقيمة غرستها ومعرفة نشرتها يمتد أجرها وأثرها من بعدك..
شكراً لكل معلم ومعلمة وبدونكم لا تكتمل العملية التعليمة بشيء، فأنت مُربٍّ قبل أن تكون معلماً وناقلاً للمعرفة، ارفع رأسك، فمكانتك لا تختصرها سبورة ولا حصة ولا فصل دراسي، أنت تصنع إنساناً آخر يصنع مستقبل وطن بأكمله، قال تعالى: ((مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) [ النحل: 96]
يزول كل ما نملكه، ويبقى ما نتركه من أثر، يعيش في القلوب لا في الأيام، يا رب حسن البقاء، وحسن الرحيل، وحسن الأثر..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2271
| 09 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
1530
| 15 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
1152
| 16 أكتوبر 2026