رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شهدت العقود الماضية اهتماما عاليا بقضايا وحقوق المرأة حتى تم إطلاق عام 1975 كسنة عالمية للمرأة وتم خلالها الإعلان عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة والتي تسعى إلى ضمان الحد الأدنى لحماية حقوق المرأة وتمكينها من المشاركة الفعلية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومنذ حينه، تضاعفت جهود الحكومات والمنظمات الدولية والحقوقية وتعاقبت المؤتمرات والندوات ونشاط الحراك الثقافي والأكاديمي والبحثي في المطالبة بحقوق المرأة في كل مكان والتركيز على دورها ومسؤولياتها المهمة في بناء وتطوير أي مجتمع حتى أجمع العالم على الالتزام بتحقيق أهداف خاصة تعنى بتمكين المرأة عبر أهداف التنمية المستدامة 2030 واعتبار "تحقيق المساواة وتكافؤ الفرص" محور وأساس بلوغ أي تنمية مستدامة في أي مجتمع من خلال المشاركة السياسية الكاملة للمرأة في جميع مستويات صُنع القرار في الحياة السياسية والاقتصادية والعامة. عالميا، وبعيداً عن التحفظ على بعض بنود اتفاقية سيداو وتوجهات الحركات النسوية، فإن كل ما أحرزته المرأة من مكتسبات أكاديمية ومهنية خلال العقود الماضية، رغم إصدار الكثير من التشريعات والقوانين التي تعنى بضمان عدالة تطبيقها وحماية حقوق المرأة، إلا أنه ما زال هناك بعض التحديات التي تحول دون تطبيق هذه القوانين والسياسات لاعتبارات ثقافية مجتمعية، الصورة النمطية للمرأة في المجتمع، كفاءة تطبيق البرامج والخطط التي تعنى بتمكين المرأة وغيرها، الأمر الذي انعكس بدوره في عدم التمثيل المتوازن للمرأة في مراكز صُنع القرار وتحديدا في المجال السياسي والدبلوماسي. ونظرة سريعة على بعض إحصائيات عام 2020 نجد أن 25.5% نسبة تمثيل النساء في البرلمان عالميا، 32% نسبة تمثيل المرأة في برلمان أمريكا و30% المرأة في أوروبا، 17.5% في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا - وهو الأقل عالميا.
عربيا وإقليميا، رغم ما حصلت عليه المرأة العربية من مقاعد في البرلمان- مثل تونس ومصر- ورغم أن جيبوتي أول دولة عربية تمنح نساءها الحق في العمل السياسي عام 1946 ولم يفلح إلا القليل منهن في الوصول الى البرلمان، تلتها لبنان عام 1952 ولكنها لم تدخل البرلمان إلا بعد 40 عاما، ثم الأردن عام 1974 حيث دخلت البرلمان بعد 25 سنة، فان تمثيل المرأة العربية ما زال هامشيا. وخليجيا، فان الحديث عن مشاركة المرأة الخليجية في العمل السياسي يعتبر تجربة حديثة، من حيث التشريع والمشاركة، ولا يمكن مقارنتها بغيرها من النساء في المنطقة العربية لنفس الاعتبارات المذكورة أعلاه أهمها الإرث الاجتماعي والثقافي وما يرافقه من صورة نمطية لدور المرأة في المجتمع، صوت القبيلة، جمود التشريعات والقوانين الخاصة بتمكين المرأة (فسن التشريعات وتنفيذ برامج التمكين لا يعني أبداً مشاركتها الفعلية)، علاوة على أن تمكين المرأة الخليجية سياسيا– إنما هو على الأغلب مرتبط بقرار وتوجه سياسي ولم تحتاج المرأة إلى الخروج في مظاهرات سياسية ومواجهات مع الحكومة للمطالبة بحقوقهن في الترشح والتصويت والمشاركة الفعلية في السياسة. وأخذاً في الاعتبار هذه الجدليات، فإن التساؤلات التي تطرح نفسها هنا بقوة على سبيل المثال عند الحديث عن المشاركة السياسية للمرأة: ما الذي منع أو عطل المشاركة الفعلية للمرأة الكويتية رغم حراكها الانتخابي منذ عقود؟ وما الذي يعوق المرأة القطرية من المشاركة والتمثيل الأعلى في المجال السياسي والدبلوماسي رغم دعم القيادة السياسية ومكتسباتها التعليمية والمهنية؟ هل سيغلب الإرث الثقافي والاجتماعي وصوت القبيلة الذكورية على مشاركة المرأة القطرية، وهل سيتم حشد نساء القبيلة لقيادة عملية انتخاب رجال القبيلة؟ وهل ستتمكن المرأة القطرية من رفع نسبة مشاركتها وشغلها للمناصب السياسية والدبلوماسية بعيدا عن أي تدخل رسمي؟ وهل ستشارك المرأة القطرية في الحراك الانتخابي القادم أم ستكتفي بدورها التقليدي في المجتمع، وهل هناك عوائق أخرى؟
إن المشاركة السياسية للمرأة الخليجية بشكل عام والقطرية بشكل خاص لم يعد مطلبا أساسيا دوليا واستجابة لضغط المنظمات الدولية والاتفاقيات فقط بل أصبحت مطلبا حقيقياً لأي تنمية مجتمعية، بل إنه ضرورة وطنية ومجتمعية ومهمة جدا في ظل ما حققته المرأة القطرية من إنجازات في تحصيلها العلمي والمهني ومشاركتها الاقتصادية في قوة العمل وفي ظل متطلبات مرحلة التحول نحو المجتمع الديمقراطي وبدء الانتخابات قريبا.
ولمحة سريعة على بعض مكتسبات المرأة القطرية نجد أنهن يمثلن 0 7 % من خريجي برامج القانون والهندسة والطب والصيدلة ونظم المعلومات والعلوم، 58.3% في سوق العمل بتمثيل جيد في السياسة الخارجية والأمن والقضاء، 15% في ريادة الأعمال باستثمارات بلغت 25 مليار دولار. ولا يمكن الحديث عن تمكين المرأة القطرية دون الإشادة بالجهود التي قامت بها صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر ودورها المحوري ليس فقط في تمكين المرأة القطرية محليا وخارجيا، بل في اتاحة الفرصة للكثير من الفتيات والنساء في جميع مشاريعها ومبادراتها. وحفاظا على الرغبة الجادة والمنهجية للقيادة القطرية منذ أواسط التسعينيات (كما بدأه صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني والشيخة موزا بنت ناصر، ومواصلة هذا النهج الصحيح من قبل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى) في تمكين المرأة سياسيا في مجلس الوزراء والسلك الدبلوماسي ومجلس الشورى، ولاستثمارا أفضل لمكتسبات المرأة القطرية، التي لم تكن نتيجة توجه سياسي فقط ولم تأت من فراغ أو نسخ لتجارب أخرى أو حتى انصياع لمطالب دولية، وإنما نتيجة لرؤية سياسية واضحة لرفع مستوى جاهزيتها للمشاركة الفعالة كمواطن متمكن وواعٍ، فإننا نقترح ضرورة العمل على تفعيل البرامج الاستراتيجية المنصوص عليها في رؤية قطر الوطنية وإستراتيجيتها التنموية لضمان مشاركة المرأة القطرية في المراكز القيادية في المؤسسات الحكومية بشكل عام والسياسية والتشريعية بشكل خاص، وأيضا فتح المجال أمامها للمساهمة في عملية التنمية ورسم سياسات وإجراء التعديلات حقوق المرأة والأسرة من خلال:
- العدالة وليس المساواة في سن وتشريع الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل وبالذات في توفير قوانين العمل والموارد البشرية الممكّنة لتحقيق التوازن المنشود بين الأسرة والعمل على سبيل المثال توفير نظم عمل مرنة (الجزئي وعن بعد)، إجازات أطول للولادة والرعاية وساعة الرضاعة وغيرها وبامتيازات مالية معينة.
- العدالة - وليس المساواة- في تطبيق التشريعات والقوانين الخاصة بتمكين المرأة وتكافؤ الفرص، فسنها في حد ذاتها لا يعني تمكينها! وما أكثر النصوص التشريعية والقانونية التي بقيت حبرا على ورق منذ تشريعها لاعتبارات عدة يتعلق أكثرها بالموروث الاجتماعي والثقافي لفكر من يُطبقه مثل إجازة الرعاية والوالدية وساعة الرضاعة وقوانين أخرى وفقا لمعايير وضوابط معينة.
- رغم عدم إيماني بجدواه، ولكن لحداثة التجربة القطرية وللتغلب على الموروث الثقافي والقيود الاجتماعية ولحين تبيان أثر ونتائج الانتخابات القادمة وتطور العمل السياسي، أرى ضرورة تبني نظام الكوتا لضمان تخصيص بعض المقاعد وتوازن التمثيل في المواقع السياسية والبرلمانية ومراكز صنع القرار والسياسات.
عضو مجلس الشورى
Twitter: @halmuftah
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8715
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2763
| 30 أكتوبر 2026
قد يبدو مستغرباً أن تشتري قطر، وهي من أكبر منتجي الغاز الطبيعي المسال ومصدريه في العالم، الغاز من الولايات المتحدة بعقود تمتد لعقود. فهل تحتاج دولة تمتلك احتياطيات هائلة إلى الغاز المستورد؟ أم أن الصفقة تعكس تحولاً أعمق في طريقة إدارة تجارة الطاقة؟ في تقديري، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الشراء نفسه، بل فيما قد تضيفه إلى قدرة قطر للطاقة على الوصول إلى الأسواق والوفاء بالتزاماتها. ففي صناعة الغاز، لا تكفي وفرة الاحتياطيات وحدها؛ إذ تكتسب مرونة التوريد وإدارة المخاطر أهمية متزايدة إلى جانب الإنتاج. ففي 22 أكتوبر 2026، أعلنت قطر للطاقة توقيع اتفاقيتين طويلتي الأجل مع شركة شينيير إنرجي الأمريكية لشراء ما يصل إلى أربعة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً، بدءاً من عام 2031 وحتى نهاية عام 2054. وتتوزع الكميات بالتساوي بين منشأة سابين باس في ولاية لويزيانا ومنشأة كوربوس كريستي في ولاية تكساس، بواقع مليوني طن سنوياً من كل منهما. غير أن مليون طن من كميات سابين باس مشروط باتخاذ قرار استثماري نهائي بشأن توسعة المنشأة، ولذلك لا ينبغي التعامل مع كامل الكمية المعلنة باعتبارها مضمونة دون تحفظ. ويرتبط سعر الشراء بمؤشر هنري هب الأمريكي، مضافاً إليه رسم ثابت لم تُعلن قيمته. أما التسليم فيتم على ظهر السفينة في الموانئ الأمريكية، وفق نظام (FOB). وهذا يمنح قطر للطاقة دوراً مباشراً في ترتيب نقل الشحنات، وقد يتيح مرونة في توجيهها إلى الأسواق، في حدود ما تسمح به العقود. وتشير طبيعة الاتفاقيتين إلى أن الغاز المشترى ليس بالضرورة موجهاً للاستهلاك المحلي، بل يمكن أن يدخل ضمن محفظة قطر للطاقة التجارية، ويعاد تسويقه إلى عملائها في آسيا وأوروبا وغيرها. وبذلك تجمع الشركة بين إنتاج الغاز من مواردها المحلية وإدارة إمدادات تحصل عليها من منتجين آخرين.وهنا يبرز سؤال اقتصادي مهم: هل يمكن أن يكون شراء الغاز من الخارج أكثر جدوى من الاعتماد على التوسع في الإنتاج المحلي وحده؟قد يبدو الإنتاج المحلي الخيار الطبيعي لدولة تمتلك احتياطيات ضخمة وخبرة واسعة في هذه الصناعة. غير أن المقارنة ليست بهذه البساطة؛ فزيادة الإنتاج تتطلب استثمارات كبيرة في تطوير الحقول ومنشآت التسييل والبنية التحتية، بينما تتيح عقود الشراء الحصول على إمدادات إضافية دون تحمل التكلفة الرأسمالية الكاملة لإنشاء طاقة إنتاجية مماثلة. ولا يعني ذلك أن الشراء أقل تكلفة أو أكثر ربحية بالضرورة، فلكل خيار التزاماته ومخاطره. لكن الجمع بين الإنتاج والشراء قد يمنح الشركة مرونة أكبر في توظيف رأس المال وتوزيع المخاطر والاستفادة من الفرص التجارية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ضوء الاضطرابات التي شهدتها المنطقة، والتي أظهرت أن امتلاك الغاز لا يضمن دائماً القدرة على تصديره. فقد تتأثر منشآت الإنتاج أو التسييل، أو تتعطل الممرات البحرية، بما ينعكس على انتظام الإمدادات. ومن هنا، فإن تنويع مصادر الغاز قد يوفر بدائل إضافية تعزز قدرة الشركة على التعامل مع الظروف غير المتوقعة. ومع ذلك، فإن الاتفاقيتين لا تمثلان حلاً فورياً لأي نقص حالي، لأن الإمدادات لن تبدأ قبل عام 2031. ولهذا تبدو قراءتهما ضمن تخطيط طويل الأمد أكثر اتساقاً مع طبيعتهما ومدتهما، دون الجزم بأن الاضطرابات الأخيرة كانت السبب المباشر وراء توقيعهما. ومن الناحية التجارية، قد تستفيد قطر للطاقة من اختلاف أسعار الغاز بين الأسواق. فالشراء وفق مؤشر هنري هب الأمريكي، ثم البيع في أسواق ترتبط بمؤشرات سعرية أخرى، قد يوفر فرصاً لتحقيق عوائد مجزية، متى غطت أسعار البيع تكاليف الشراء والنقل والتمويل والمخاطر. غير أن تحديد الربحية الفعلية يتطلب معرفة تفاصيل مالية وتعاقدية لم يُعلن عنها. وتبرز هنا ميزة اقتصادية أخرى للاتفاقيتين، تتمثل في الجمع بين فرص تحقيق العوائد التجارية ومرونة إدارة الإمدادات. فتنوع مصادر الغاز يمنح قطر للطاقة خيارات أوسع في توجيه الشحنات إلى الأسواق المختلفة، والاستفادة من فرص الأسعار والطلب، مع تعزيز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وبذلك لا تقتصر القيمة المحتملة للصفقة على العائد المباشر من بيع الغاز، بل تمتد إلى تحسين كفاءة المحفظة التجارية وتعزيز القدرة التنافسية للشركة على المدى الطويل. ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استثمارات قطر للطاقة في الولايات المتحدة، ومنها مشروع غولدن باس للغاز الطبيعي المسال في ولاية تكساس. فالجمع بين الاستثمار في مشاريع الإنتاج والتسييل وشراء الغاز من منتجين آخرين يعزز حضور الشركة في أسواق الطاقة العالمية، ويوسع الخيارات المتاحة أمامها. وفي رأيي، فإن هذه هي الدلالة الأهم للصفقة. فقد بنت قطر مكانتها العالمية على تطوير حقل الشمال والاستثمار في منشآت التسييل والتصدير، لكنها قد تكون اليوم بصدد إضافة بعد جديد إلى نموذج أعمالها، يقوم على إدارة محفظة عالمية من إمدادات الغاز، بدلاً من الاعتماد على تسويق إنتاجها المحلي وحده. غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب إدارة دقيقة للأسعار والنقل والالتزامات التعاقدية، لأن تنويع المصادر لا يضمن تلقائياً ارتفاع الأرباح أو انخفاض المخاطر. فالقيمة الحقيقية للتنويع تتحقق عندما يسهم في تحسين كفاءة العمليات والعائد الاقتصادي، ويمنح الشركة قدرة أكبر على التعامل مع تغيرات السوق. إن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد ملايين الأطنان التي تشتريها الشركة، بل بقدرتها على تحويل تلك الكميات إلى قيمة اقتصادية حقيقية، من خلال تحقيق عوائد مناسبة، وتعزيز موثوقية الإمدادات، وتقليل التعرض للمخاطر الجغرافية والتجارية. ولعل المفارقة الأهم أن قطر قد تشتري الغاز الأمريكي، لا لأنها تفتقر إلى الغاز، بل لأنها تسعى إلى تطوير قدرتها على إدارة تجارته عالمياً. فامتلاك الغاز يمنحها قوة الإنتاج، أما تنويع مصادره وحسن إدارة تدفقاته فيمنحانها مرونة أكبر في المنافسة والاستمرار. وفي صناعة تتغير فيها الأسواق والمخاطر بسرعة، قد تصبح القدرة على إدارة الغاز بقدر أهمية القدرة على إنتاجه.
1497
| 25 أكتوبر 2026