رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. عايدة باري

مساحة إعلانية

مقالات

72

د. عايدة باري

من يعلّم الذكاء الاصطناعي ديننا؟

07 أكتوبر 2026 , 12:00ص

أصبح الذكاء الاصطناعي خلال سنوات قليلة جزءًا من حياتنا اليومية. نسأله عن السياسة والاقتصاد والصحة والتعليم، ونطلب منه تلخيص الكتب، وشرح النظريات، والبحث عن المعلومات، والإجابة عن أسئلة كانت تتطلب في السابق ساعات من القراءة والبحث.

لكن ماذا يحدث عندما يكون السؤال: ما تفسير هذه الآية؟ هل هذا الحديث صحيح؟ ما حكم هذه المسألة؟ وماذا يقول الإسلام في قضية معينة؟

هنا يصبح الأمر أكثر حساسية...

فالخطأ في معلومة عامة يمكن تصحيحه، لكن الخطأ عندما يتعلق الأمر بالقرآن الكريم أو السنة النبوية، أو نسبة حديث إلى الرسول ﷺ، أو قول إلى أحد العلماء، لا يمثل مجرد خطأ معلوماتي؛ لأنه يتعلق بمصدر أساسي للمعرفة الدينية لدى المسلمين.

ومن هنا يبرز سؤال أعتقد أننا بحاجة إلى طرحه بجدية في عصر الذكاء الاصطناعي:

من يعلّم الذكاء الاصطناعي ديننا؟ ومن يراجع ما يقوله عن الإسلام؟

النماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي لا تولد معرفتها من فراغ. فهي تتعلم من كميات هائلة من النصوص والبيانات، ثم تستخدم ما تعلمته من أنماط وعلاقات بينها لإنتاج الإجابات. كما تمر بمراحل مختلفة من التدريب والتقييم والمراجعة البشرية.

لكن وجود المراجعة البشرية لا يعني بالضرورة أن كل مجال معرفي يخضع لمراجعة متخصصين فيه. وهنا تظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالإسلام.

فالإنترنت يحتوي على القرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والفقه، ولكنه يحتوي أيضًا على ملايين المواقع والمقالات والمنشورات ومقاطع الفيديو والتعليقات التي تتحدث عن الإسلام بدرجات متفاوتة من الدقة والموثوقية. وبعضها ينقل أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وبعضها ينسب أقوالًا إلى علماء لم يقولوها، وبعضها يقدم رأيًا فقهيًا واحدًا وكأنه الموقف الوحيد في الإسلام.

ويضاف إلى ذلك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج أحيانًا معلومة غير صحيحة في صياغة لغوية شديدة الثقة والإقناع، وهي المشكلة المعروفة في هذا المجال "بـالهلوسة".

إذا حدث ذلك في معلومة عامة فالمشكلة واضحة. ولكن ماذا لو حدث عندما يسأل شاب مسلم: "هل قال الرسول ﷺ هذا الحديث؟"، أو "ما تفسير هذه الآية؟"

هنا لا تكفي قدرة النظام على إنتاج إجابة تبدو مقنعة؛ بل تصبح موثوقية المصدر جزءًا أساسيًا من صحة الإجابة. فالعلوم الإسلامية ليست مجرد مجموعة نصوص يمكن وضعها في قاعدة بيانات ثم استرجاعها.

تفسير القرآن علم له أصوله ومناهجه. والحديث له علوم الرواية والدراية والأسانيد والجرح والتعديل والحكم على الروايات. والفقه له أصوله، ومدارسه، ومذاهبه، واختلافاته. وهناك فرق بين النص القطعي والاجتهاد البشري، وبين ما أجمع عليه العلماء وما اختلفوا فيه، وبين الحديث الصحيح والضعيف والموضوع.

ولهذا لا يكفي أن يجد الذكاء الاصطناعي نصًا دينيًا؛ المهم أن يعرف مصدره، وسياقه، ودرجة توثيقه، وكيف فهمه العلماء. وهنا يصبح دور الإنسان المتخصص أساسيًا.

عندما نتحدث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب، نطالب بمصادر طبية موثوقة وبمشاركة المتخصصين. وعندما يستخدم في القانون أو الهندسة أو العلوم، تصبح الخبرة البشرية المتخصصة والتحقق من المعلومات جزءًا أساسيًا من النقاش حول سلامة استخدامه.

فلماذا لا نطرح المعيار نفسه عندما يتعلق الأمر بالمعرفة الإسلامية؟

نحن بحاجة، في تقديري، إلى الانتقال من مجرد سؤال: "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي الإجابة عن الأسئلة الدينية؟" إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحكم جودة المعرفة التي يقدمها عندما يتحدث عن الإسلام؟

وهذا يفتح المجال أمام مفهوم يمكن تسميته "حوكمة المعرفة الإسلامية في الذكاء الاصطناعي".

المقصود ليس أن يحل علماء الشريعة محل المهندسين، ولا أن يتولى المتخصصون في التكنولوجيا إصدار الأحكام الدينية، وإنما بناء نموذج من التعاون يجمع علماء التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والعقيدة واللغة العربية، مع الباحثين في الدراسات الإسلامية وخبراء الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.

ويمكن لهذا التعاون أن يؤدي إلى إنشاء هيئة علمية دولية تضع معايير واضحة لتقييم ما تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تتناول الإسلام. ولا ينبغي أن تكون مهمة هذه الهيئة فرض تفسير واحد أو مذهب واحد. فالتراث الإسلامي نفسه غني بالمدارس والمذاهب والاجتهادات.

بل المطلوب هو الأمانة العلمية: أن يستطيع النظام أن يميز بين ما هو متفق عليه وما هو محل خلاف، وأن ينسب كل رأي إلى مصدره، وأن يفرق بين القرآن والحديث وبين تفسير العلماء، وبين النص الديني والاجتهاد البشري. وبذلك لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى «مفتٍ»، وإنما يصبح أكثر دقة وأمانة في نقل المعرفة.

ويمكن لهذه المبادرة أن تعمل في عدة اتجاهات: بناء قواعد معرفية إسلامية رقمية موثقة، وتطوير معايير لقياس دقة الإجابات، واختبار النماذج الكبرى بصورة دورية، والتأكد من صحة نقل الآيات والأحاديث ونسبة الأقوال إلى أصحابها، إضافة إلى تقييم كيفية عرض المسائل التي يوجد حولها خلاف فقهي أو تفسيري.

كما ينبغي ألا يقتصر ذلك على اللغة العربية، فملايين المسلمين حول العالم يتعلمون عن الإسلام ويسألون عن دينهم بالإنجليزية والفرنسية والأوردية والتركية والإندونيسية وغيرها. ومن ثم فإن دقة المعرفة الإسلامية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي أصبحت قضية عالمية.

وهنا أرى أن قطر يمكن أن يكون لها دور مهم.

فقطر تمتلك بيئة تجمع بين مؤسسات أكاديمية وبحثية متقدمة، ومؤسسات متخصصة في الدراسات الإسلامية واللغة العربية، إلى جانب اهتمام متزايد بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.

والأهم أن العمل في هذا المجال بدأ بالفعل، ففي جامعة حمد بن خليفة توجد جهود بحثية تجمع الدراسات الإسلامية والذكاء الاصطناعي، ومن بينها مشروع IslamGPT 1.0 الذي يعمل على تطوير نموذج متخصص يعتمد على مصادر عربية في الدراسات الإسلامية، إلى جانب أبحاث ومقررات تناقش العلاقة بين الأخلاق الإسلامية والذكاء الاصطناعي.

وهذه نقطة انطلاق مهمة، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر:

هل تستطيع قطر أن تنتقل من تطوير المعرفة والتطبيقات المتخصصة إلى المساهمة في بناء معيار دولي لحوكمة المعرفة الإسلامية في عصر الذكاء الاصطناعي؟

يمكن، على سبيل المثال، إطلاق "مبادرة دولية للذكاء الاصطناعي والمعرفة الإسلامية" تجمع علماء المسلمين والجامعات ومراكز البحث وخبراء التكنولوجيا وشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.

وقد تعمل هذه المبادرة على تطوير معايير مفتوحة تستطيع شركات التكنولوجيا استخدامها لتقييم جودة إجابات أنظمتها عن الإسلام، مع إنشاء اختبارات معيارية بلغات متعددة.

فعندما يسأل مستخدم في الدوحة أو لندن أو جاكرتا: "هل هذا الحديث صحيح؟"، ينبغي ألا يكون المعيار هو مدى جمال الإجابة أو قدرتها على الإقناع، وإنما: هل استطاع النظام تحديد الحديث بصورة صحيحة؟ هل ذكر مصدره؟ هل نقل درجته بدقة؟ وهل فرَّق بين ما هو نص وما هو تفسير أو اجتهاد؟

وهذه المبادرة لا ينبغي أن تنطلق من الخوف من التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم خدمات هائلة للعلوم الإسلامية: البحث في آلاف المجلدات خلال ثوانٍ، مقارنة أقوال المفسرين، تتبع الأحاديث ومصادرها، دراسة المخطوطات، المساعدة في الترجمة، وإتاحة التراث الإسلامي لجيل جديد من المسلمين وغير المسلمين.

وقد تكون أمامنا واحدة من أهم فرص نشر المعرفة الإسلامية منذ ظهور الإنترنت.

لكن كلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على إنتاج المعرفة وتوزيعها، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بمن يراجع هذه المعرفة وكيف يتم التحقق منها. فالطفل المسلم الذي يعيش اليوم في الدوحة أو لندن أو نيويورك قد لا يبدأ بحثه عن معنى آية بفتح تفسير الطبري أو ابن كثير. قد يكتب سؤاله مباشرة إلى ChatGPT أو أي نظام آخر للذكاء الاصطناعي. وبعد سنوات قليلة قد تصبح هذه الطريقة طبيعية لدى جيل كامل.

لذلك فإن المسألة ليست مواجهة بين الدين والتكنولوجيا، ولا بين العالم الشرعي والمهندس. إنها مسألة مسؤولية معرفية مشتركة. العالم الإسلامي يمتلك علماءه، وجامعاته، ومؤسساته، ومخطوطاته، وتراثًا معرفيًا يمتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا. وفي الوقت نفسه، توجد في منطقتنا دول تمتلك اليوم بنية بحثية وتكنولوجية متقدمة تستطيع الجمع بين هذه المعرفة والتكنولوجيا الحديثة.

ومن هنا قد تكون أمام قطر فرصة لتقديم نموذج لا يقوم على استهلاك التكنولوجيا فقط، وإنما على المشاركة في وضع المعايير التي تحكم استخدامها في أحد أكثر المجالات حساسية: المعرفة الدينية. فالذكاء الاصطناعي دخل بالفعل مجال المعرفة الإسلامية.

والسؤال الآن ليس: هل سيحدث ذلك؟ فقد حدث بالفعل.

السؤال الحقيقي هو: من سيضمن أن ما يقوله الذكاء الاصطناعي عن الإسلام يستند إلى علم موثوق، وأنه يميز بين النص والتفسير، وبين الإجماع والخلاف، وبين الصحيح وغير الصحيح؟

إن مسؤولية الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تترك لشركات التكنولوجيا وحدها، كما لا يستطيع علماء الشريعة مواجهتها بمعزل عن المتخصصين في التكنولوجيا. إنها مسؤولية مشتركة تتطلب لقاء العلم الشرعي بالبحث الأكاديمي والتكنولوجيا الحديثة. وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أحد أهم أبواب الوصول إلى المعرفة في القرن الحادي والعشرين، فعلينا ألا نكتفي بالسؤال عما يعرفه عن الإسلام.

علينا أن نسأل أيضًا:

من علَّمه، ومن راجع ما تعلمه، ومن سيضمن أن ينقل تراثنا بأمانة إلى الأجيال القادمة؟

تحياتي

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية