رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أصبح الذكاء الاصطناعي خلال سنوات قليلة جزءًا من حياتنا اليومية. نسأله عن السياسة والاقتصاد والصحة والتعليم، ونطلب منه تلخيص الكتب، وشرح النظريات، والبحث عن المعلومات، والإجابة عن أسئلة كانت تتطلب في السابق ساعات من القراءة والبحث.
لكن ماذا يحدث عندما يكون السؤال: ما تفسير هذه الآية؟ هل هذا الحديث صحيح؟ ما حكم هذه المسألة؟ وماذا يقول الإسلام في قضية معينة؟
هنا يصبح الأمر أكثر حساسية...
فالخطأ في معلومة عامة يمكن تصحيحه، لكن الخطأ عندما يتعلق الأمر بالقرآن الكريم أو السنة النبوية، أو نسبة حديث إلى الرسول ﷺ، أو قول إلى أحد العلماء، لا يمثل مجرد خطأ معلوماتي؛ لأنه يتعلق بمصدر أساسي للمعرفة الدينية لدى المسلمين.
ومن هنا يبرز سؤال أعتقد أننا بحاجة إلى طرحه بجدية في عصر الذكاء الاصطناعي:
من يعلّم الذكاء الاصطناعي ديننا؟ ومن يراجع ما يقوله عن الإسلام؟
النماذج الحديثة للذكاء الاصطناعي لا تولد معرفتها من فراغ. فهي تتعلم من كميات هائلة من النصوص والبيانات، ثم تستخدم ما تعلمته من أنماط وعلاقات بينها لإنتاج الإجابات. كما تمر بمراحل مختلفة من التدريب والتقييم والمراجعة البشرية.
لكن وجود المراجعة البشرية لا يعني بالضرورة أن كل مجال معرفي يخضع لمراجعة متخصصين فيه. وهنا تظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالإسلام.
فالإنترنت يحتوي على القرآن الكريم وكتب الحديث والتفسير والفقه، ولكنه يحتوي أيضًا على ملايين المواقع والمقالات والمنشورات ومقاطع الفيديو والتعليقات التي تتحدث عن الإسلام بدرجات متفاوتة من الدقة والموثوقية. وبعضها ينقل أحاديث ضعيفة أو موضوعة، وبعضها ينسب أقوالًا إلى علماء لم يقولوها، وبعضها يقدم رأيًا فقهيًا واحدًا وكأنه الموقف الوحيد في الإسلام.
ويضاف إلى ذلك أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج أحيانًا معلومة غير صحيحة في صياغة لغوية شديدة الثقة والإقناع، وهي المشكلة المعروفة في هذا المجال "بـالهلوسة".
إذا حدث ذلك في معلومة عامة فالمشكلة واضحة. ولكن ماذا لو حدث عندما يسأل شاب مسلم: "هل قال الرسول ﷺ هذا الحديث؟"، أو "ما تفسير هذه الآية؟"
هنا لا تكفي قدرة النظام على إنتاج إجابة تبدو مقنعة؛ بل تصبح موثوقية المصدر جزءًا أساسيًا من صحة الإجابة. فالعلوم الإسلامية ليست مجرد مجموعة نصوص يمكن وضعها في قاعدة بيانات ثم استرجاعها.
تفسير القرآن علم له أصوله ومناهجه. والحديث له علوم الرواية والدراية والأسانيد والجرح والتعديل والحكم على الروايات. والفقه له أصوله، ومدارسه، ومذاهبه، واختلافاته. وهناك فرق بين النص القطعي والاجتهاد البشري، وبين ما أجمع عليه العلماء وما اختلفوا فيه، وبين الحديث الصحيح والضعيف والموضوع.
ولهذا لا يكفي أن يجد الذكاء الاصطناعي نصًا دينيًا؛ المهم أن يعرف مصدره، وسياقه، ودرجة توثيقه، وكيف فهمه العلماء. وهنا يصبح دور الإنسان المتخصص أساسيًا.
عندما نتحدث عن استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب، نطالب بمصادر طبية موثوقة وبمشاركة المتخصصين. وعندما يستخدم في القانون أو الهندسة أو العلوم، تصبح الخبرة البشرية المتخصصة والتحقق من المعلومات جزءًا أساسيًا من النقاش حول سلامة استخدامه.
فلماذا لا نطرح المعيار نفسه عندما يتعلق الأمر بالمعرفة الإسلامية؟
نحن بحاجة، في تقديري، إلى الانتقال من مجرد سؤال: "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي الإجابة عن الأسئلة الدينية؟" إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نحكم جودة المعرفة التي يقدمها عندما يتحدث عن الإسلام؟
وهذا يفتح المجال أمام مفهوم يمكن تسميته "حوكمة المعرفة الإسلامية في الذكاء الاصطناعي".
المقصود ليس أن يحل علماء الشريعة محل المهندسين، ولا أن يتولى المتخصصون في التكنولوجيا إصدار الأحكام الدينية، وإنما بناء نموذج من التعاون يجمع علماء التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والعقيدة واللغة العربية، مع الباحثين في الدراسات الإسلامية وخبراء الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
ويمكن لهذا التعاون أن يؤدي إلى إنشاء هيئة علمية دولية تضع معايير واضحة لتقييم ما تنتجه أنظمة الذكاء الاصطناعي عندما تتناول الإسلام. ولا ينبغي أن تكون مهمة هذه الهيئة فرض تفسير واحد أو مذهب واحد. فالتراث الإسلامي نفسه غني بالمدارس والمذاهب والاجتهادات.
بل المطلوب هو الأمانة العلمية: أن يستطيع النظام أن يميز بين ما هو متفق عليه وما هو محل خلاف، وأن ينسب كل رأي إلى مصدره، وأن يفرق بين القرآن والحديث وبين تفسير العلماء، وبين النص الديني والاجتهاد البشري. وبذلك لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى «مفتٍ»، وإنما يصبح أكثر دقة وأمانة في نقل المعرفة.
ويمكن لهذه المبادرة أن تعمل في عدة اتجاهات: بناء قواعد معرفية إسلامية رقمية موثقة، وتطوير معايير لقياس دقة الإجابات، واختبار النماذج الكبرى بصورة دورية، والتأكد من صحة نقل الآيات والأحاديث ونسبة الأقوال إلى أصحابها، إضافة إلى تقييم كيفية عرض المسائل التي يوجد حولها خلاف فقهي أو تفسيري.
كما ينبغي ألا يقتصر ذلك على اللغة العربية، فملايين المسلمين حول العالم يتعلمون عن الإسلام ويسألون عن دينهم بالإنجليزية والفرنسية والأوردية والتركية والإندونيسية وغيرها. ومن ثم فإن دقة المعرفة الإسلامية التي يقدمها الذكاء الاصطناعي أصبحت قضية عالمية.
وهنا أرى أن قطر يمكن أن يكون لها دور مهم.
فقطر تمتلك بيئة تجمع بين مؤسسات أكاديمية وبحثية متقدمة، ومؤسسات متخصصة في الدراسات الإسلامية واللغة العربية، إلى جانب اهتمام متزايد بالذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.
والأهم أن العمل في هذا المجال بدأ بالفعل، ففي جامعة حمد بن خليفة توجد جهود بحثية تجمع الدراسات الإسلامية والذكاء الاصطناعي، ومن بينها مشروع IslamGPT 1.0 الذي يعمل على تطوير نموذج متخصص يعتمد على مصادر عربية في الدراسات الإسلامية، إلى جانب أبحاث ومقررات تناقش العلاقة بين الأخلاق الإسلامية والذكاء الاصطناعي.
وهذه نقطة انطلاق مهمة، لكنها تفتح الباب أمام سؤال أكبر:
هل تستطيع قطر أن تنتقل من تطوير المعرفة والتطبيقات المتخصصة إلى المساهمة في بناء معيار دولي لحوكمة المعرفة الإسلامية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
يمكن، على سبيل المثال، إطلاق "مبادرة دولية للذكاء الاصطناعي والمعرفة الإسلامية" تجمع علماء المسلمين والجامعات ومراكز البحث وخبراء التكنولوجيا وشركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
وقد تعمل هذه المبادرة على تطوير معايير مفتوحة تستطيع شركات التكنولوجيا استخدامها لتقييم جودة إجابات أنظمتها عن الإسلام، مع إنشاء اختبارات معيارية بلغات متعددة.
فعندما يسأل مستخدم في الدوحة أو لندن أو جاكرتا: "هل هذا الحديث صحيح؟"، ينبغي ألا يكون المعيار هو مدى جمال الإجابة أو قدرتها على الإقناع، وإنما: هل استطاع النظام تحديد الحديث بصورة صحيحة؟ هل ذكر مصدره؟ هل نقل درجته بدقة؟ وهل فرَّق بين ما هو نص وما هو تفسير أو اجتهاد؟
وهذه المبادرة لا ينبغي أن تنطلق من الخوف من التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم خدمات هائلة للعلوم الإسلامية: البحث في آلاف المجلدات خلال ثوانٍ، مقارنة أقوال المفسرين، تتبع الأحاديث ومصادرها، دراسة المخطوطات، المساعدة في الترجمة، وإتاحة التراث الإسلامي لجيل جديد من المسلمين وغير المسلمين.
وقد تكون أمامنا واحدة من أهم فرص نشر المعرفة الإسلامية منذ ظهور الإنترنت.
لكن كلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على إنتاج المعرفة وتوزيعها، ازدادت أهمية السؤال المتعلق بمن يراجع هذه المعرفة وكيف يتم التحقق منها. فالطفل المسلم الذي يعيش اليوم في الدوحة أو لندن أو نيويورك قد لا يبدأ بحثه عن معنى آية بفتح تفسير الطبري أو ابن كثير. قد يكتب سؤاله مباشرة إلى ChatGPT أو أي نظام آخر للذكاء الاصطناعي. وبعد سنوات قليلة قد تصبح هذه الطريقة طبيعية لدى جيل كامل.
لذلك فإن المسألة ليست مواجهة بين الدين والتكنولوجيا، ولا بين العالم الشرعي والمهندس. إنها مسألة مسؤولية معرفية مشتركة. العالم الإسلامي يمتلك علماءه، وجامعاته، ومؤسساته، ومخطوطاته، وتراثًا معرفيًا يمتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا. وفي الوقت نفسه، توجد في منطقتنا دول تمتلك اليوم بنية بحثية وتكنولوجية متقدمة تستطيع الجمع بين هذه المعرفة والتكنولوجيا الحديثة.
ومن هنا قد تكون أمام قطر فرصة لتقديم نموذج لا يقوم على استهلاك التكنولوجيا فقط، وإنما على المشاركة في وضع المعايير التي تحكم استخدامها في أحد أكثر المجالات حساسية: المعرفة الدينية. فالذكاء الاصطناعي دخل بالفعل مجال المعرفة الإسلامية.
والسؤال الآن ليس: هل سيحدث ذلك؟ فقد حدث بالفعل.
السؤال الحقيقي هو: من سيضمن أن ما يقوله الذكاء الاصطناعي عن الإسلام يستند إلى علم موثوق، وأنه يميز بين النص والتفسير، وبين الإجماع والخلاف، وبين الصحيح وغير الصحيح؟
إن مسؤولية الإجابة عن هذا السؤال لا ينبغي أن تترك لشركات التكنولوجيا وحدها، كما لا يستطيع علماء الشريعة مواجهتها بمعزل عن المتخصصين في التكنولوجيا. إنها مسؤولية مشتركة تتطلب لقاء العلم الشرعي بالبحث الأكاديمي والتكنولوجيا الحديثة. وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح أحد أهم أبواب الوصول إلى المعرفة في القرن الحادي والعشرين، فعلينا ألا نكتفي بالسؤال عما يعرفه عن الإسلام.
علينا أن نسأل أيضًا:
من علَّمه، ومن راجع ما تعلمه، ومن سيضمن أن ينقل تراثنا بأمانة إلى الأجيال القادمة؟
تحياتي
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
2475
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1212
| 01 أكتوبر 2026