رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعرفُ توائم منذ سنوات، هم كالأبناء لي، وما زلت أخجلُ حين أخفق في التمييز بينهم، والغريب أن هذا التشابه الشديد هو مدعاة إلى قراءة الفروق الدقيقة بينهم في الوجه والصوت والضحكة. والتطابق في الشكل بينهم يحكي تطابقًا في الطباع والأمزجة والميول..
عشرات الكتب صدرت حديثًا عن علم الطباع، قرأت منها: (علم الطباع) للدكتور سامي الدروبي، ويمتاز بسرد نماذج من التراث الأدبي العربي.
الطبع يعني الاستعداد الفطري الأساسي، ويغلب عليه الثبات، ولذا يقال: (غيِّر جبل ولا تغيِّر طبع)، ولكن تغيير الجبال أصبح ممكنًا اليوم!
القبضة من طين الأرض متفاوتة في لونها وتماسكها ورائحتها وخصبها، والماء الذي عُجنت به متفاوت، وامتزاج الطين الكثيف بذبذبات الروح العالية ولَّد كائنًا معقَّدًا مختلفًا متميِّزًا عامرًا بالأسرار، قادرًا على اكتشاف نفسه متى أراد.
حين أتعرَّف على طباعي الأصلية كإنسان أولًا، ثم طباعي الخاصة التي ترسم هويتي الذاتية وشخصيتي أكون أقدر على التعامل معها بشكل أفضل، وعلى اتخاذ القرار الصحيح في وقته.
الحرية طبع إنساني: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: 35]، الأصل هو (نعم)، الأصل الإذن والإباحة، و(لا) جاءت استثناءً، ولو كانت (لا) هي الأكثر لعوقت ملكاته وأشواقه وامتداداته.
قد يكون القيد طريقًا إلى الحرية، وجدت هذا في خلوتي القسرية حين اقتربت من نفسي أكثر، واستمعت إلى بعض همسها، وتخففت من ضجيج الناس.
من الحرية أن تكون أنت أنت ولست غيرك.
التغيير طبع: ﴿حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: 35]، ولذا قالوا لموسى: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة:61]، التنويع في المأكل والمشرب والملبس والتنقل مصدر للمتعة لدى الإنسان.
ومقاومة التغيير طبع، وهل يمكن تغيير الطبع؟
يقولون لك: (يستطيع الذئب تغيير جلده ولا يستطيع تغيير طبعه)، و(اطرد الطبع من الباب يدخل من الشباك)، و(الطبع أغلب) و:
وَكُلٌّ يَرَى طُرُقَ الشَّجَاعةِ وَالنَّدَى *** وَلَكَنَّ طَبْعَ النَّفْسِ لِلنَّفْسِ قَائِدُ
جميل قطعًا أن تكون مطبوعًا على الفضائل ميَّالًا إليها، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لأَشَجِّ عبدالقَيْس: «فيك خصلتان يحبهما الله: الحلم والأناة». قال: أكانا فيّ أم حدثا؟ قال: «بل قديمٌ». قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب.
على أن (تهذيب) الطباع مقدور عليه بالمجاهدة والصبر الطويل والمعرفة، وليس طبع الإنسان كغريزة الحيوان التي لا ينفك عنها، كالافتراس في الأسد واللَّدغ في العقرب!
يحكى أن أعرابية أخذت جرو ذئب وربته وسقته من لبن شاتها فلما كبر عدا على الشاة فبقر بطنها، فجزعت لذلك وأنشأت تقول:
بقرت شويهتي وفجعت قلبي *** وأنت لشاتنا ولدٌ ربيب
جحدت جميلنا ونشأت فينا *** فما أدراك أن أباك ذيب؟!
إذا كان الطباع طباع سوءٍ *** فلا أدبٌ يفيد ولا أديب!
الأعرابية خلطت بين الغريزة الراسخة التي لا تتبدل وبين الطبع العارض القابل للتحويل والتعديل، ولعلها أخطأت من شدة الألم!
قال أبو الدرداء -رضي الله عنه- وغيره: «الحلم بالتحلُّم والعلم بالتعلُّم، ومَن يتحرَّ الخير يعطه، ومَن يتوقّ الشر يوقه».
وفي «الصحيح» عن أبي سعيد -رضي الله عنه- مرفوعًا: «مَن يستعفف يعفّه الله، ومَن يستغن يغنه الله، ومَن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر».
الندم والتأسف على الفائت طبع: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: 23]، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: 31]، وليس هذا عائقًا عن التدارك ومدافعة القدر بالقدر.
اشتهاء الممنوع طبع: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ [طه: 121]، والممانعة شرع، قال عمر بن عبدالعزيز: (ألذ شيء هوى وافق شرعا)، وطوبى لمَن كان هواه تبعًا لما جاء به الوحي.
الأُنس بالإنس طبع: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35]، فالإنسان كائن مدني اجتماعي، والبشر يتفاوتون في حبِّهم للاختلاط أو الانفراد، عاش الأبوان على الأرض ولم يكن فيها أنيس سواهما، وعيونهما على المستقبل: الذرية والإعمار.
شرَّع لنا الأبوان التعايش مع المختلف والمناقض، وتبادل المنافع والمعارف: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13].
العجلة طبع: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]، يُروى أن آدم عليه السلام همَّ أن يقوم قبل اكتمال نفخ الروح فيه!
التدريب والتجربة والخبرة والسِّن تمنح قدرًا من الأَنَاة لعجول مثلي!
البراءة في آدم عليه السلام طبع: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: 21- 22]، لقد ظنوا أَلَّا أحد يقسم بـالله كاذبًا!
العفوية والانطلاق على السجية دون تكلف: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: 22]، تصرف مباشر يستجيب للحاجة الطارئة دون تطويل أو تردد.
تختفي شخصية الإنسان وموهبته حين يعتاد على لبس الأقنعة، وتطغى عليه شخصيات الآخرين من حوله.
حب الحياة طبع: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ [طه: 120]، وكلنا نكره الموت كما قالت عائشة -رضي الله عنها-، وجمال الحياة حين تستشعر معناها ورسالتها، حين تستمتع بالعطاء.
حب الاستطلاع والتساؤل طبع: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ﴾ [طه: 120]، ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: 20]، المعرفة كنز، والفضول ليس من المعرفة، أي قيمة لاشتغال الإنسان ودخوله فيما لا يعنيه.
الانفعالية والاندماج في حدث ما (مؤلم مثلًا) حتى يتوقف عن معايشة الحياة، أو التعاطي الرشيد معه دون استسلام، نموذجان إنسانيان، الأبوان عَبَرَا قصة الشجرة، فالهبوط، والغربة، ومواجهة تحديات الحياة، وخلافات الأبناء..
قضايا اليوم في عالم العروبة والإسلام فجائع لا تحكيها مفردات اللغة، والتعاطي الرشيد معها ضرورة إنسانية وواجب شرعي وانتماء وطني، وليس من ذلك أن نفقد صوابنا ونتحول إلى كائنات مكتئبة، أو عدمية، أو يائسة، أو أن نطالب بإيقاف عجلة الحياة!
الفعالية والطاقة طبع يتفاوت فيه البشر، فيهم الجَلْد القوي المولع بالحراك، ينتهي من عمل ليشرع في آخر، ويمنح الطاقة لمَن حوله، وفيهم البليد الكسول الذي إن تُرِك تَرَك.
التسامح والتعافي والتجاوز طبعٌ حسنٌ يحرِّرك من قيود الحقد والانتقام والتربص، وما أعظم أن يستطيع المرء قراءة طباعه وشخصيته، وما أجمل أن يكون كما حكى أبو ماضي:
حُرٌّ وَمَذهَبُ كُلِّ حُرٍّ مَذْهَبِي *** مَا كُنْتُ بِالْغَاوِي وَلَا المُتَعَصِّبِ
تَأْبَى طِبَاعِي أَن تَمِيلَ إِلَى الأَذَى *** حُبُّ الأَذِيَّةِ مِن طِبَاعِ العَقرَبِ
لِي أَن أَرُدَّ مَسَاءَةً بِمَسَاءَةٍ *** لَوْ أَنَّنِي أَرْضَى بِبَرقٍ خُلَّبِ
حَسْبُ المُسِيءِ شُعُورُهُ وَمَقالُهُ *** فِي سِرِّهِ: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُذنِبِ
إِنِّي إِذَا نَزَلَ البَلَاءُ بِصَاحِبِي *** دَافَعْتُ عَنْهُ بِنَاجِذِي وَبِمِخلَبِي
وَأَرَى مَسَاوِءَهُ كَأَنِّيَ لَا أَرَى *** وَأَرَى مَحَاسِنَهُ وَإِنْ لَمْ تُكْتَبِ
وَأَلُومُ نَفْسِي قَبْلَهُ إِنْ أَخْطَأَتْ *** وَإِذَا أَسَاءَ إلى لَمْ أَتَعَتَّبِ
مُتَقَرِّبٌ مِن صَاحِبِي فَإِذَا مَشَتْ *** فِي عَطْفِهِ الغَلْوَاءُ لَمْ أَتَقَرَّبِ
رِفْقًا بـ(الإسلام)!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); حدَّثني صديق أمس عن زوجين أوروبيين انتقلا للعمل في مدينة عربية وانقطعت أخبارهما... اقرأ المزيد
702
| 27 يناير 2017
لماذا أُسَبِّح؟
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); ختم الإمام البخاري -رحمه الله- كتابه العظيم الصحيح بحديث أبي هريرة -رضي الله... اقرأ المزيد
3046
| 20 يناير 2017
نهاية النيل!
googletag.display('div-gpt-ad-794208208682177705-3'); googletag.cmd.push(function() { googletag.display('div-gpt-ad-1462884583408-0'); }); أسطورة عروس النيل تحكي أن النيل تراجع خطوة فأشار الكاهن على الملك بأن... اقرأ المزيد
884
| 13 يناير 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5742
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4926
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3075
| 24 سبتمبر 2026