رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعرف أن الحج أحد أركان الإسلام الخمسة، ولا يتم إيمان المسلم إلا إذا حج مادام قادرا على ذلك مع زوال كل الأسباب التي تحول بينه وبين الحج.
ونعرف أيضاً أن عيد الفطر يأتي بعد أداء فريضة الصيام التي هي ركن من أركان الإسلام، كما أن عيد الأضحى يأتي بعد أداء فريضة الحج وهي أيضا من أركان الإسلام الخمسة، ونفهم بداهة أن المسلمين يحتفلون بهاتين المناسبتين شكرا لله الذي وفقهم لأداء هذين الركنين ويسألونه الرضى والقبول.
إن الإسلام في مجمله ركز على حسن العمل، فكل العبادات لا تكفي ما لم يؤد المسلم حقها بصورة عملية على أرض الواقع، فالحج يفرض على المسلم أداء نوع من العبادات العملية في أماكن محددة وأوقات محددة ولكن كل ذلك لا يكفي وحده؛ فأهداف الحج كثيرة ومن أهمها وأكثرها نفعا للمسلمين وللإسلام هو السعي لتوحيد المسلمين وجمع كلمتهم، ليكونوا خير أمة أخرجت للناس كما أراد الله لهم أن يكونوا؛ ولتعود لهم عزتهم وكرامتهم، وليحققوا إرادة الله لهم وهي نفع البشر جميعا وتحقيق الأمن والأمان لهم.
في الحج تتمثل وحدة المسلمين بصورة عملية، فكلهم يلبسون اللباس نفسه، ويؤدون نفس العبادات في ذات الأمكنة، وربما تلهج ألسنتهم بنفس الأدعية ولربهم الواحد الأحد.
ويأتي العيد ليؤكد على أهمية تلاحم المسلمين وأهمية وحدتهم؛ فهم - وفي كل بلادهم - يجتمعون بعضهم مع البعض الآخر، ويتفقد غنيهم فقيرهم، وكبيرهم صغيرهم، ويتزاورون فيما بينهم بغض النظر عن اختلاف المذاهب والأديان، ويتبادل حكامهم التهاني والتبريكات بهذه المناسبة السعيدة، وكل ذلك يقرب فيما بينهم، وهذا من أهم معاني العيد كما أنه من أهم معاني الحج في الوقت نفسه.
هذه الوحدة التي نراها في أيام الحج كما نراها في أيام العيد لابد من العمل على تحقيقها في واقع المسلمين طيلة أيام السنة بل طيلة الدهر لأنها من أسس دينهم وعقيدتهم لاسيَّما في أوقات الضعف والتفرق كما هو عليه الحال في أيامنا هذه.
إن الناظر في وضع البلاد العربية يرى بوضوح مدى الضعف الذي تمر به، فلا تكاد تجد دولة عربية تخلو من مشاكل داخلية تكاد تعصف بها، فمن ليبيا إلى مصر وسوريا والعراق واليمن والصومال ولبنان حيث نرى اقتتالا داخليا رهيبا وأعمالا إرهابية وتدخلا خارجيا أدى إلى إضعاف تلك الدول كلها وجعلها معرضة لكل أنواع المخاطر، ودول الخليج هي الأخرى لا تخلو من مشاكل داخلية وتهديدات خارجية مع تفاوت فيما بينها في حجم هذه المشاكل وطبيعتها!! وهنا لابد من التأكيد على الحالة البحرينية لأنها في رأيي هي الأكثر خطورة لأنها تعتمد على الطابع المذهبي وهو الأخطر عادة، وقد كتبت عن هذا الموضوع أكثر من مرة وأوضحت أن العدالة بين جميع مكونات الشعب هي السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في البحرين فالسني والشيعي هم مواطنون لا فرق بينهما، وما يتمتع به السني في البحرين يجب أن يتمتع به الشيعي سواء بسواء وهنا يحدث الاستقرار للجميع وتمضي الدولة في تقدمها من كل الوجوه.
الحالة اليمنية بدأت تأخذ طابعا مذهبيا بشعا وغريبا على اليمن، وبدأ أمنها يختل وبصورة سريعة والقادم أسوأ بكثير إن لم يتم تدارك الأمر وقبل استفحاله، ومسؤولية دول الخليج هنا أكثر من غيرها لأن الحوثيين إذا تمكنوا من اليمن فإنهم سيشكلون خطرا حقيقيا على الخليج خاصة على المملكة العربية السعودية.
إن حالة دولنا العربية - التي أشرت إليها - أغرت أعداءها باستغلال ثرواتها بأبخس الأثمان، كما أن بعض هؤلاء الأعداء يريدون تركيعها لتكون مطية للصهاينة يعملون من أجل الدفاع عنهم سواء أكان هذا الدفاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وأسوأ ذلك إضعاف روح المقاومة والجهاد ضد الصهاينة وأيضا الصمت على جرائمهم التي يرتكبونها ضد الفلسطينيين.
الحج والعيد فرصة حقيقية لكي يفكر قادة المسلمين وعلماؤهم وأثرياؤهم في وضع خطوات عملية قابلة للتطبيق تقرب المسلمين بعضهم من البعض الآخر، وتزيل الاختلافات التي بينهم، وتجعلهم يستخدمون ثروات بلادهم وعقول أبنائهم فيما يقويهم ويجعلهم قادرين على حماية أنفسهم وتحقيق الأمن والرخاء لشعوبهم. وفي ظني أن هذا ممكن التحقيق ولكنه لن يتحقق إلا إذا تجرد الحكام من الأطماع الشخصية وأحلوا مكانها مصالح بلادهم وشعوبهم وآمنوا أن شعوبهم هم سندهم الحقيقي وليس العدو الخارجي الذي يظنونه قريبا منهم ولكنه يلفظهم إذا أدوا مهمتهم ويبحث عن سواهم والشواهد التي رأيناها كثيرة. وإلى جانب الحكام يجب أن يقف المثقفون ورجال الإعلام وسواهم.
لست في حاجة إلى التذكير بأن تحقيق شكل من أشكال الوحدة بين المسلمين ليس مستحيلا، فقد كانوا موحدين وفي دولة واحدة ولمئات السنين وعندما أدرك الغرب خطورة هذه الوحدة عليه ومن واقع تجارب كثيرة عمل على تفتيتها ونجح بعد محاولات متعددة حيث استطاع إسقاط الخلافة العثمانية، ومن ثم احتلال مجموعة من بلاد المسلمين، وتفتيت مجموعة أخرى، وكلنا سمع ما تردده بعض الدوائر الغربية والأمريكية عن وجود نوايا لتمزيق دول أخرى وكأن التمزيق السابق لم يرو ظمأهم ولم يحقق أهدافهم الاستعمارية الخبيثة فسعوا إلى زيادة ذلك التمزيق ليزيد ضعفهم ضعفا.
وإذا كنا ندرك صعوبة الوحدة بين دول العرب أو حتى مجرد التفكير فيها حاليا لأن أمامنا تجارب مؤلمة في هذا الاتجاه وآخرها ما حدث بين دول الخليج فإننا نأمل أن تتصالح كل دولة مع شعبها - أولا - ثم إيجاد نوع من التعاون بين دول العرب من جهة وبينها وبين الدول الإسلامية من جهة أخرى - ثانيا - لأن ذلك يصب في مصلحتهم جميعا وربما هو الذي يحميهم من أعدائهم الذين يتربصون بهم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
12177
| 20 أكتوبر 2026
هناك قضية أراها مهمة جدًا، ولا ينبغي غضّ الطرف عنها، تتعلق بالتعليم الجامعي لأبناء المقيمين في دولة قطر، وما تتحمله أسرهم من أعباء مالية قد تحول بين هؤلاء الشباب وبين استكمال دراستهم وبناء مستقبلهم. المقيمون جزء أساسي من مجتمعنا، ويشكّلون النسبة الأكبر من سكان دولة قطر، ويشاركوننا العمل والبناء، ويسهمون في تسيير شؤون الحياة في مختلف المجالات الإدارية والمهنية والخدمية، في القطاعين العام والخاص. وما داموا يعيشون بين ظهرانينا، ويشاركوننا مسيرة التنمية، فإن معاناتهم تستحق أن تجد آذانًا صاغية، خصوصًا حين تتعلق بتعليم أبنائهم ومستقبلهم. كثير من هؤلاء الأبناء وُلدوا وترعرعوا في قطر، وتلقّوا تعليمهم في مدارسها، حتى وصلوا إلى أبواب الجامعة. وهنا تبدأ المعاناة؛ فالقبول في الجامعات الوطنية تحكمه شروط ومنافسة، وقد لا تتاح الفرصة لكل طالب، فتتجه الأسرة إلى خيارات جامعية أخرى، لتجد نفسها أمام رسوم تفوق قدرتها المالية. وحتى حين يتاح القبول، قد تبقى تكلفة الدراسة عائقًا أمام استكمالها. ولنتصور أسرة يبلغ دخلها الشهري خمسة عشر أو ثمانية عشر ألف ريال، تدفع منه إيجار السكن، وتغطي مصاريف المعيشة وتعليم الأبناء والتزامات الحياة اليومية. كيف تستطيع تحمّل رسوم جامعية مرتفعة، خصوصًا إذا وصل اثنان أو ثلاثة من أبنائها وبناتها إلى الجامعة في وقت واحد؟ هنا يجد الأب نفسه أمام معادلة صعبة بين تأمين احتياجات أسرته وتمويل دراسة أبنائه. والتقسيط، وإن كان يخفف العبء، يحتاج هو الآخر إلى مراجعة؛ فتوزيع الرسوم على دفعتين خلال الفصل الدراسي قد لا يحل المشكلة. المطلوب ترتيبات أكثر مرونة، تراعي الدخل الشهري والالتزامات الفعلية، وتمنح الأسرة قدرة واقعية على الوفاء. أقول ذلك لأنني أرى هذه المعاناة لدى أسر قريبة مني، وأسمع ما يؤلم القلب من آباء وأمهات يشغلهم مستقبل أبنائهم. شباب لديهم الرغبة والاستعداد والاجتهاد، لكن الإمكانات المالية تقف أمام طموحاتهم. ومن المؤلم أن يتوقف مسار شاب أو شابة عند الثانوية لعجز الأسرة عن تحمّل تكلفة الجامعة. ومن هنا، أرفع هذه الرسالة إلى وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي، وإلى الجامعات والجهات المعنية، نحتاج إلى خطة واضحة توسّع فرص التعليم الجامعي الميسّر لأبناء المقيمين في القطاعين العام والخاص، من خلال مراجعة الرسوم، وتوفير منح جزئية تراعي دخل الأسرة وعدد أبنائها الملتحقين بالجامعة، وتقديم خصومات للأشقاء، واعتماد أقساط شهرية مريحة. كما يستحق الأمر دراسة تسهيل إنشاء مؤسسات جامعية وطنية تقدم تعليمًا جيدًا لأبناء المقيمين برسوم معقولة، وتشجيع الشراكات التي تسهم في تمويل دراسة الطلبة المستحقين، وتمنح الأسر خيارات تتناسب مع إمكاناتها. قطر التي جعلت التعليم ركيزة أساسية في نهضتها، قادرة على إيجاد حلول تحفظ جودته وتوسّع فرص الوصول إليه. وتعليم هؤلاء الشباب يفتح أمامهم أبواب العمل والعطاء، ويعزز إسهامهم في المجتمع الذي نشأوا فيه. معاناة هذه الأسر تستحق الالتفات والعمل؛ فلا ينبغي أن يبقى الوالدان قلقين كلما اقترب أبناؤهما من إتمام المرحلة الثانوية، ولا أن تتحول فرحة النجاح إلى سؤال موجع: كيف سندفع رسوم الجامعة؟ إنه ملف جدير بالاهتمام، ويستحق التعامل معه بجدية.
10683
| 22 أكتوبر 2026
تصلك الدعوة رسمية الصياغة، تحمل عبارة "مؤتمر صحفي"، وتصل إلى المدربين رسائل تبشّرهم بـ"التكريم" و"الاعتماد"، فيحضر الجميع متوقعين أن يعرفوا ماذا سيُعلن، ومن سيُكرَّم، وعلى أي أساس، ثم يخرجون دون أن يعرفوا شيئًا من ذلك. والمشكلة ليست في ضعف التنظيم وحده، بل في غموض يحيط بالمنصة نفسها، فلا تعرف إن كنت أمام إطلاق مبادرة، أم إعلان سياسة، أم احتفال بروتوكولي لالتقاط الصور. في القاعة طاولة وكرسيان، المشهد المألوف لأي مؤتمر صحفي. لكن الكرسيين بقيا فارغين، فلم يجلس عليهما أحد، ولم يُفتح باب للأسئلة، ولم تكن في القاعة صحافة أصلًا. والمؤتمر الصحفي ليس ديكورًا، بل عقد ضمني تقول فيه المؤسسة: هذا ما نفعله، واسألونا عنه. فإذا غاب السؤال غابت المساءلة، وصار "المؤتمر الصحفي" مجرد اسم على بطاقة دعوة. أما المدربون، فقد دُعوا إلى ما قيل إنه حفل تكريمهم. ترك كثير منهم أعمالهم وحضروا، ثم جلسوا على الكراسي طوال الفعالية دون أن تُنادى أسماؤهم، وفي النهاية وُجّهوا إلى مبانٍ مختلفة ليستلموا شهاداتهم بأنفسهم. والتكريم رسالة اعتراف قيمتها في علنيتها، ومن يُستدعى من عمله ليُكرَّم ثم يُصرف إلى مكتب آخر، لا يشعر بالتقدير، بل يشعر بأنه رقم في قائمة الحضور. والمفارقة أن من عوملوا بهذه الطريقة هم المدربون أنفسهم، أي من يُفترض أن تقوم عليهم السياسة المعلنة كلها. والأغرب من طريقة التسليم هو مضمونه. فقد حصل المدربون على تصنيفات دون أن يُعلَن على أي أساس صُنِّفوا، وكثير منهم يتساءلون: لماذا وُضعنا في هذا التصنيف؟ وما الفائدة التي ستعود علينا منه؟ فالتصنيف بلا معايير معلنة يشبه أن يتسلم طالب درجته النهائية دون أن يعرف كيف وُزّعت الدرجات ولا ماذا تعني لمستقبله؛ قد تكون عادلة، لكنه لن يثق بها ولن يعرف كيف يتحسن. والتصنيف العادل يجيب قبل تطبيقه لا بعده عن ثلاثة أسئلة: 1. ما المعايير: الخبرة، أم الساعات التدريبية، أم المؤهلات، أم التقييم الميداني؟ 2. ما المستويات، وما الفرق بينها؟ 3. ما الأثر: فرص تدريبية، أم أولوية في التكليف، أم مسار للترقي؟ ثم عُرضت سياسة للتعليم المستمر والتعلم مدى الحياة (Lifelong Learning) كأنها توجه حديث. والحقيقة أن اليونسكو جعلت هذا المفهوم حجر الأساس في السياسات التعليمية منذ تقرير "تعلّم لتكون" (Learning to Be) عام 1972، ثم نصّ عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة عام 2015. أي أننا أمام مفهوم عمره أكثر من خمسين عامًا، فأين كانت الجهة المعنية بالتعليم والتدريب طوال هذه العقود؟ لا عيب في أن تتبنى مؤسسة سياسة متأخرة، فالتأخر خير من الغياب. العيب أن تُقدَّم المتأخرة على أنها سابقة، وأن يُغلَّف اللحاق بالركب بلغة الريادة. الحوكمة أولًا ما جرى ليس أخطاء تنظيمية منفصلة، بل عَرَض لخلل في الحوكمة، وهي في أبسط معانيها: أن يعرف الناس ما الذي يُقرَّر، وعلى أي أساس، ومن المسؤول عنه. وحين يغيب السؤال عن المؤتمر، والمعايير عن التصنيف، وتتوزع المسؤولية بين مبانٍ وإدارات لا يجمعها أحد، فنحن أمام غياب لهذه الأسس الثلاثة معًا. وقد يكون وراء ذلك خوف من السؤال، أو تقديم للصورة على المضمون، أو ضعف في التنسيق الداخلي، ولا شيء من ذلك يبرر النتيجة. والمؤسسة التي تطالب المدربين بالجودة والمعايير، أولى بأن تطبّقها على نفسها أولًا. والمطلوب ليس كثيرًا: • سَمِّ الحدث باسمه، فالمؤتمر الصحفي تحضره الصحافة ويُفتح فيه السؤال. • أعلن بوضوح: مبادرة أم سياسة أم إطار عمل، بجدول زمني ومؤشرات قياس. • كرّم المدعوين على المنصة، لا في ممرات المباني. • انشر معايير التصنيف وآثاره وآلية التظلم قبل التطبيق. • اعترف بالمرجعية الدولية، فهي تمنح السياسة مصداقية ولا تنتقص منها. الوضوح ليس ترفًا إداريًا، بل احترام للجمهور وأساس للثقة. والمدرب الذي لا يعرف لماذا دُعي، ولا لماذا صُنِّف، ولا ماذا يُنتظر منه، لن يكون شريكًا في أي سياسة، مهما كان عنوانها لامعًا.
3690
| 22 أكتوبر 2026