رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر القضايا الأمنية من أهم التحديات التي تواجهها الدول العربية في القرن الحادي والعشرين لاعتبارات عدة من أهمها ظاهرة العولمة والإعلام الجديد والمجتمع الرقمي والتطورات والتحولات العلمية والتكنولوجية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي يشهدها العالم. ناهيك عما أفرزته ثورات الربيع العربي من تداعيات وانعكاسات على مختلف الأصعدة. فالعولمة بمختلف مظاهرها وتجلياتها مست السياسة والإعلام والثقافة والاقتصاد والاجتماع والدين والهوية والعادات والتقاليد مما أدى إلى دمج وصهر دول العالم في بوتقة واحدة تشكل سوقا واحدة وأنماطا استهلاكية متشابهة وقيما معولمة وثقافة واحدة وهوية موحدة ما يعني انهيار وأفول الثقافات المحلية والهويات الوطنية واللغات وغيرها من مقومات الشعوب والأمم على مختلف أعراقها وثقافاتها ودياناتها وقيمها وعاداتها...الخ. فالبث الفضائي المباشر والإنترنيت جعل من العالم قرية واحدة تعكس سيطرة وهيمنة من يصنع التكنولوجيا ومن يتحكم في محتوياتها. فالشبكات الاجتماعية على سبيل المثال غيرت خريطة العلاقات الإنسانية داخل العائلة الواحدة فما بالك القرية والعشيرة والمجتمع المحلي والمدينة والبلد ككل. كل هذا يفرز بيئة جديدة للقضايا الأمنية تتعقد فيها الأمور وتختلط وتصعب مما يعقد الأمور ويزيد من التحديات أمام الجهات المعنية بالقضايا الأمنية خاصة والمجتمع ومكوناته المختلفة بصفة عامة.
هذه التحولات محليا وإقليميا ودوليا تتطلب جهودا كبيرة وآليات منهجية منتظمة لمواجهة التحديات العديدة في مجال القضايا الأمنية. ما يعني ضرورة التركيز على التوعية وعلى الآليات العلمية والمتطورة لتحقيق هذه التوعية ولجعل الفرد في المجتمع مسؤولا وواعيا بواجباته إزاء القضايا الأمنية المختلفة سواء تعلق الأمر بالإرهاب أو الجريمة المصدرة أو المخدرات أو إدمان الإنترنيت أو الجرائم الإلكترونية أو شغب الملاعب أو حوادث المرور أو السرقة أو التزوير والقتل أو التلوث البيئي وغيرها من الجرائم المختلفة التي تنتشر في المجتمع يوما بعد يوم. تعتبر التوعية الإعلامية من أهم أولويات الأجهزة الأمنية في الدولة كما أنها لا تقل أهمية عن قطاعات أخرى في المجتمع نظرا لأن موضوع الأمن يهم كل أفراد ومؤسسات المجتمع ولتوفير الأمن يجب كذلك مشاركة الجميع. فالأمن يعتبر العنصر الحيوي في حياة الشعوب وبدونه لا استقرار ولا تنمية شامله ولا ازدهار. فالفرد في المجتمع بحاجة إلى أمن حتى يعيش حياة كريمة وحتى يؤدي واجباته في المجتمع على أحسن وجه. إن الجهل بالقضايا الأمنية والقوانين والتشريعات المتعلقة بها يؤدي إلى انتشار الجرائم وغياب مختلف مكونات المجتمع عن التعاون والمساعدة في توفير الأمن وحمايته بحيث أن الأمن هو قضية الجميع وليس أجهزة الأمن فقط ومن هنا تأتي أهمية البرامج التوعوية والتعليمية من أجل نشر ثقافة أمنية في المجتمع تساعد الفرد ومكونات المجتمع والأجهزة الأمنية والدولة في مواجهة القضايا الأمنية بمهنية وحرفية وتبصر وفي توفير الأمن للجميع.
يعتبر الأمن من الحاجات الأساسية للإنسان ويأتي في المرتبة الثانية في هرم الضروريات بعد التنفس والطعام والماء والنوم. فالإنسان بدون أمن لا يستطيع أن ينتج ويبدع ويعيش عيشة طبيعية. فهاجس الأمن يُبقي الإنسان باستمرار في حالة من الخوف والارتباك وعدم الاطمئنان وعدم الثقة في نفسه وفي محيطه. وعندما نتكلم عن الأمن فهناك أنواع وأشكال كالأمن القومي والأمن الغذائي والأمن المائي والأمن الفكري والأمن الإعلامي والأمن الثقافي والأمن السياسي والأمن الاقتصادي والأمن البيئي والأمن الوظيفي والأمن المالي ...الخ. ولتحقيق الأمن في مختلف هذه المجالات يجب أن تكون هناك استراتيجية واضحة المعالم تتبناها مختلف مكونات المجتمع . فإذا أخذنا الأمن الإعلامي على سبيل المثال نجد معاناة الإعلام العربي من مشكلات عديدة كالتبعية والتقليد والصور النمطية والتضليل والتشويه...الخ. ونجد أن صورة العرب والمسلمين في وسائل الإعلام الفاعلة في النظام الإعلامي الدولي –الإمبراطوريات الإعلامية الكبيرة- صورة مشوهة ومقترنة بالعنف والإرهاب والتخلف والغطرسة...الخ. والأخطر من كل ما تقدم أن القيم الخبرية في وسائل الإعلام العربية أصبحت مستوردة ولا تعكس واقع المجتمع العربي. كما نلاحظ أن الكثير مما يبث في الفضائيات العربية هو مادة تهدد القيم والعادات والتقاليد والدين الحنيف والنسيج القيمي والأخلاقي في المجتمع. هذا مثال بسيط يتعلق بالأمن الإعلامي وقد يكون الأمر أكثر تعقيدا عندما نتكلم عن مجالات أخرى كالأمن الاقتصادي والأمن السياسي والأمن القومي. ومن هنا يجب التأكيد على أن القضايا الأمنية في المجتمع هي مسؤولية المجتمع برمته ابتداءً من الفرد إلى الأسرة إلى الحي إلى المدرسة فالثانوية فالجامعة فالنادي والمجتمع المدني بمكوناته المختلفة وكذلك المؤسسات وأجهزة الدولة والأجهزة الأمنية والمؤسسات الإعلامية. والأمن هو مفتاح النجاح ومفتاح التنمية المستدامة وكلما أختل أو اهتز كانت الانعكاسات وخيمة على مختلف المجالات. فانعدام الأمن الإعلامي على سبيل المثال هو التبعية والتقليد والانجراف وتفشي وانتشار قيم وعادات لا تمت بصلة لقيم وعادات المجتمع.
على مر العصور والأزمنة شكلت القضايا الأمنية هاجسا كبيرا للفرد وللمؤسسة وللدولة وزادت تحديات ورهانات هذا الهاجس أهمية بعد انفجار الثورة المعلوماتية وظهور أنواع جديدة من الجرائم التي أصبحت تهدد أمن الدول سواء كانت فقيرة أو غنية متقدمة أو متخلفة. من بين أهم الوسائل لمواجهة القضايا الأمنية هو اللجوء إلى برامج التوعية بمختلف أنواعها وأشكالها وإشراك المجتمع المدني في البرامج المختلفة من أجل تحصين الفرد في المجتمع بالمعلومات والبيانات والوعي اللازم بهذه القضايا. من أهم الطرق والوسائل لتحقيق التوعية حول القضايا الأمنية حملات العلاقات العامة والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي. والعبرة هنا ليس في الوسيلة بقدر ما هي في التخطيط المنهجي والدقيق والعلمي للعملية برمتها. فالبحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي هما أساس نجاح الوصول إلى الجمهور وتحقيق التوعية بالقضايا الأمنية. والمقصود هنا بالبحث العلمي والتخطيط هو عدم التسرع والتركيز على الإلمام بالقضية من مختلف جوانبها وكذلك دراسة الجمهور دراسة متأنية ومحاولة الوصول إليه برسالة يفهمها ويستوعبها وبوسيلة يتعامل معها باستمرار وبوفاء. فالرسالة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الإطار المرجعي للجمهور. من جهة أخرى يجب المتابعة والإدارة الجيدة لعملية التوعية والتركيز على التنفيذ المحكم والدقيق. كما لا يجب أن ننسى عملية التقييم للتأكد من نقاط القوة والنجاح ونقاط الضعف والفشل. ومن أهم عوامل النجاح كذلك إشراك المجتمع المدني ومختلف القوى الفاعلة في المجتمع في الحملات الإعلامية بهدف التوعية الأمنية. فالقضايا الأمنية تهم المجتمع بأسره أفرادا وعائلات ومؤسسات ومن ثم فإن انخراط الأسرة والمدرسة والمسجد والثانوية والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني بمختلف أنواعها أمر لا جدال فيه. على المؤسسات الإعلامية أن تقوم بمسؤوليتها الاجتماعية كما ينبغي ويجب أن تولي اهتماما كبيرا بالقضايا الأمنية وبالوعي الأمني وأن تتعامل معها بحرفية ومهنية وليس بمنطق السبق الصحفي والإثارة وغير ذلك من التفكير التجاري للممارسة الإعلامية. فالأمن أيا كان نوعه ليس للإثارة والتشويق بل هو أهم من ذلك بكثير. وهنا يتوجب على وسائل الإعلام وعلى الأجهزة الأمنية والمجتمع المدني التنسيق والتعاون للتعامل مع القضايا الأمنية بحرفية ومهنية ومسؤولية. كما يجب الإشارة هنا إلى ضرورة الاستثمار في الإعلام الجديد وشبكات التواصل الاجتماعي نظرا للإمكانيات الكبيرة والقدرات الهائلة التي تتميز بها لتحقيق التواصل والحوار والنقاش من أجل توعية أمنية فعالة تخدم المجتمع برمته.
الجزائر ... من أحداث 5 أكتوبر 1988 إلى حراك 2019
بعد مرور أكثر من 7 شهور على الحراك يتساءل المواطن الجزائري عن مصير الانتخابات الرئاسية التي تأجلت مرتين... اقرأ المزيد
2829
| 12 أكتوبر 2019
إعلام "الشو بيز" وأفول الفضاء العام
يمثل الفضاء العام حركة إدماج وتمجيد الحريات الفردية والتعبير عن الآراء وتمكين الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والدينيين والثقافيين من... اقرأ المزيد
2138
| 28 سبتمبر 2019
الصراعات والأزمات وصناعة الواقع
يتساءل الكثيرون عن واقعية وموضوعية مخرجات الوسائل الإعلامية وإلى أي مدى تعكس هذه الرسائل الواقع كما هو أم... اقرأ المزيد
1350
| 29 يونيو 2019
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9363
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2016
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1119
| 06 أكتوبر 2026