رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
شغلَ عبد اللّه بن المقفّع الباحثين والكتّاب على امتداد عصور. وصارَ كتابه «كليلة ودمنة» من الكتب الأكثر ذيوعا وانتشارا في الثقافات العالميّة، فقد تُرجم الكتابُ إلى عدد كبير من لغات العالم، وسعت الأمم إلى الحصول عليه ونقله إلى آدابها، مثلما أودعته أمم أخرى خزائنها وأحكمت إخفاءهُ عن العامّة. وسيطرت على رحلته من أمّة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى، حكايات زادتهُ سحرًا، فشكّلت نوعا من السّرديّة المُضافة لمحتواهُ.
وقد انشغلتُ بالكتاب قراءة وتدريسًا وتدبّرا لسنوات إلى أن توصّلتُ إلى وضع فرضيّة نقصان النسخة المتداولة للكتاب على مرّ قرون ووضعتُ ما أسميته بـ»الباب المفقود من كليلة ودمنة»، وهي فكرةٌ اختلقتها دون أن يشير إلى ذلك محقق أو باحث أو مستشرق على امتداد تاريخ تداول الكتاب منذ كتابته واختفائه لقرون ومن بعد ظهوره من جديد. وصغت هذه الفرضيّة بشكل تخييليٍّ أدبيٍّ في روايتنا «دم الثّور الباب المفقود من كليلة ودمنة» ( دار الوتد للنشر- دار الفارابي، 2019).
وكان من البديهي أن تستدعي مقاربة كتاب «كليلة ودمنة» إلى جانب الأعمال التحقيقيّة للبعض من المحقّقين عملاً تحليليّا واستقرائيّا، لن يكون من غاياته بلوغ الحقيقة المفترضة، و»إقرار» نسخة على حساب نسخة أخرى، حتّى وإن «ظهر» مخطوطٌ مخالفٌ لما هو شائعٌ بين النّاسِ، فلا ينزّهُ مخطوط عمّا حفّ به من ملابساتٍ، ولا يُمكن تنزيهُ صاحبه النّسّاخ عمّا أحاط به من ظروفٍ سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة، إذ سيكون الجهلُ بإحداثيّات عمليّة النّسخ حجّة على تنسيبِ حقيقة ما يقع بين أيدينا من مخطوطات. وإذا كنّا لا ندّعي امتلاك مخطوطة «أصليّة» للكتاب، فقد قمنا بالتدقيق فيما بلغنا من نسخ لمخطوطات سلّم محقّقوها بأنّها «أصلٌ» والوقوف عند أسئلةٍ ظاهرها تقليبُ حقيقة كتاب «كليلة ودمنة» وباطنها مساءلة «مسلّمات الثقافة العربيّة»، فليس من رهاناتنا من خلال تناولنا للمتون المنشورة والرّائجة، على اختلافات بينها في التبويب أو التدقيق اللغوي، البحث في تطابقها مع أقدم مخطوط «أصليّ» لها، وإنّما وضع الشّكوك حول مسلّمة تطابق ذلك «المخطوط» الذي عُدّ أصلا للنسخ المتداولة مع «الكتاب» الأصلي الذي ألّفه ابن المقفّع حقّا.
لا أحد يمتلك «الكتاب» الأصلي لابن المقفّع، هذا ما انتهينا إليه، وليست ملاحظاتنا وقراءتنا غير «فرضيّات» جائزة وغير حاسمة، مثلما لا يمكن لأحد الادّعاء بإطلاق أنّ أقدم مخطوط أصلي لسائر النسخ المتداولة هو مطابقٌ لما «كتبه» ابن المقفّع، مع التسليم بعناية السلطة السياسيّة به زمن «وضعه» وسلامة كلّ سلاسل انتقاله وتداوله عبر القرون من نسّاخ إلى آخر، إلى درجة اعتباره «كتابا محفوظًا» من أيّ تغيير أو تشويه أو نقصٍ. ورغم اغتيال ابن المقفّع على يد السلطة السياسيّة، فإنّ هذا الاغتيال لم يربك المعتقدين بتطابق ما وصلنا مع ما كتبه في «كليلة ودمنة»، باعتباره، كما يُشاع، كاتبًا سُلطانيّا، وخادما طيّعا لأولي الأمر، ومن دعاة استمرار حكم السلطان، بدليل أنّه اكتفى في «كليلة ودمنة» بمحاكمة مصدر الفتنة وليسَ القاتل.
ولئن تعدّدت أبوابُ الكتاب فإنّ الموقف الفكري والسياسي لابن المقفّع ظهر بخاصّة في بابين أساسيّين وهما «باب الأسد والثّور» و»باب الفحص عن أمر دمنة»، فهما في الكتاب بمثابة الجذع لسائر الأغصان من الأبواب، ففي الباب الأوّل يبثّ ابن المقفّع ما يدور في بلاط السّلطان من مؤامرات ودسائس، تحتال بها البطانة لأجل كسب المنزلة، فتحتدّ الصراعات في داخل السّلطة السياسيّة، ويستخدم المستشارون أو الوزراء ما لديهم من مكرٍ لتوجيه سياسة الحكم دون مراعاة للقيم الأخلاقيّة، وقد مثّلت شخصيّة ابن آوى «دمنة» في هذا الباب المستشار المحتال الذي أوغر قلب الأسد/الملك للتخلّص من «الثّور» المستشار الآتي من جغرافيا ثقافيّة مختلفة، بينما خصّص الباب الثاني لمحاكمة «دمنة» وفيه بثّ ابن المقفّع آراءه الإصلاحيّة حول القضاء، وحاولَ إنصاف «الثور» المقتول وتحقيق العدل. إلاّ أنّنا نزعمُ أنّ رؤية ابن المقفّع للعدل لا تستقيم بالاكتفاء بـ» باب الفحص عن أمر دمنة»( أجمع المحققون والباحثون أنّه باب «مزيد» عن الترجمة وهو من «وضع» ابن المقفّع)، إذ كيف يكتفي ابن المقفّع/ الكاتب المدافع عن «العقل» و»العدل» في جلّ كتاباته بمحاكمة «دمنة» دون أن ينتبه لضرورة اتّهام القاتل الحقيقي وتطبيق العدل الذي يتعارضُ مع لعب «القاتل» دور «القاضي» ؟ ألا يعزّز الوقوف عند محاكمة «دمنة»( الوزير العربي) القول بـ»شعوبيّة» ابن المقفّع، وتطويق دافع «وضع» ابن المقفّع لـ «باب الفحص عن أمر دمنة « في دائرة الصراع الثقافي العربي-الفارسي؟
لا يمكن لمنطق قصّة «الأسد والثور ودمنة» أن ينفرج بمجرّد محاكمة «دمنة»، وهو ما جعلنا ننظر من جديد في سيرة ابن المقفّع وآرائه في مختلف مؤلّفاته وإلى «حقيقة» ترجمته من «تأليفه» للكتاب، فلم نرَ في الشخصيّات الحيوانيّة التي تخفّى وراءها ابن المقفّع غير أقنعة لشخصيّات مرجعيّة تعرّف إليها أو عاش بينها، فشكّلت مرجعه الغائب في النصّ والحاضر في زمن «التأليف»، ولم نجد في مآل دمنة نداء العدل الذي نشده ابن المقفّع في كتاباته. وإذا كانت نهاية ابن المقفّع دمويّة على يد السّلطة، فكيفَ يأمر الخليفة أبو جعفر بقتل المثقّف الذي برّأ ساحة السّلطة في كتابه، فلم يُحاكم الأسد/ القاتل للثّور بينمَا ألقى وزر الجرم لمستشاره النمّام فقط؟ وهل يُمكن الاقتناع بأنّ ابن المقفّع دفعَ ثمن حياته مقابلَ إدانة سلطة «البطانة» و»المستشارين» فقط؟ وهل كانت حيلة الأقنعة الحيوانيّة التي ألبسها الشخصيّات السياسيّة لا تُسعفه لمحاكمة القاتل/الأسد الذي قاد محاكمة ابن آوى/ وزيره وهو ملطّخ بدم الضّحيّة؟ هل كتب ابن المقفّع «حكاياته» من باب التخييل المحض، أم كانت لشخوصه الحيوانيّة مراجع واقعيّة، وكانت حِكمه ثمرة تجربته الشّخصيّة وتجارب «مستشارين» آخرين عاشوا في فلك السّلطة السياسية؟.
إنّها مجرّد أسئلة قادتنا منذ سنوات إلى افتراض القول بـ»نقصان» النسخة المتداولة من «كليلة ودمنة»، والزّعم بوجود «باب مفقود» متّصل بأحداث ما بعد محاكمة «دمنة» ويلي «باب الفحص عن أمر دمنة».
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4614
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3309
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026