رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا ريب أن فكرة الإسلام عن السلام والإرهاب فكرة عميقة تتصل بنظرته إلى الكون والحياة والإنسان، ومن هنا فإنه يؤكد على الفطرة النقية التي فطر الله الناس عليها وهي السلام والمحبة وهذا هو الأصل لكل من يعقل المفهوم الإنساني العادل في الإسلام ولذلك رأينا محمد صلى الله عليه وسلم يحضر حلف الفضول في الجاهلية لنصرة المظلوم ويقول إنه عقد في بيت عبد الله بن جدعان شهدته وهو حلف ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" كما يروي ابن هشام في السيرة: أي إن العمل على العدالة الاجتماعية والانتصاف للمظلومين هو ديدن رسول الله في الجاهلية فكيف في الإسلام. وما الحرب في الإسلام إلا استثناء من الأصل للضرورة ومع ذلك فهي حرب أخلاقية تماما كما كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقواد الجيوش: لا تغلوا ولا تغدروا وليدا ولا امرأة ولا هرما وأوصى أبو بكر رضي الله عنه بعدم قطع الشجر و... وهذا ما نهلوه من رسولهم القائد.
وإذا نظرنا إلى الحرب العالمية الأولى والثانية ثم ملاحقة دول الطغيان والاستعمار للضعفاء في العالم فإننا لا نرى هذا في نظام الإسلام لأن الحرب لم تكن لإكراه الناس على الدين ولا لاستعمارهم واستغلالهم وإذلالهم أبداً وهكذا فالإسلام يسعى إلى سلام العالم أجمع سلام الضمير وسلام البيت والمجتمع والدول والطوائف ما لم يعتد عليه فهنا لابد من المواجهة:
إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا فما حيلة المضطر إلا ركوبها
وحيث إننا نرى معظم نظم الحكم في بلادنا ضعيفة فإنها تنظر في ضرورة بقائها بالعمل على القضاء على المعارضة مما يفضي إلى نظم أمنية داخلية مقيتة هدفها تعزيز النظام السياسي التسلطي وحكم العائلة فبقاؤها أو فناؤها مرتبط بحراكها ضد الشعب لتخمد ثورته كما يحدث اليوم في سورية حيث تكالب الغرب والشرق في مؤامرة إرهابية كونية وتحت ذريعة القضاء على داعش والحقيقة أكبر من ذلك فلماذا لا يقضون على منبع الإجرام فهو وهم متفقون اتفاق السادة والعبيد وإلا لطار الكرسي من تحته فورا.
وانظر في هذه المعاني كتاب الإسلام والغرب في كتابات الغربيين للدكتور زغلول النجار. وفي هذا المعرض لابد أن نؤكد عزم التحالف الغربي على تحقيق مصالحه المؤقتة والإستراتيجية. وكم أخطأ أوباما عندما أبان بعظمة لسانه أن التحالف يحارب الإرهابيين وأن أمريكا لا تريد إلا مصالحها في العراق وسورية والذي يخشى منه – وقد حدث بعضه – قصف مواقع الجيش الحر والمدنيين مع أن الغالبية العظمى من التنظيمات الإسلامية ليست متورطة بأي تطرف وإنما يجري اتهامها من أجل القضاء عليها. ولذلك فإن سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حاكم دولة قطر كان مصيبا عندما قال: نحن لا نشاطر أوباما بنظرته إلى الإرهاب والتطرف فإن كثيرا من المجاميع المعتدلة لا يقترب إليها هذا الوصف أبدا.
ومن هنا فإننا يجب أن نقف ضد الإرهاب الإعلامي الصادر من مصانع الغرب وأن نستنكر ثقافة العنف والمبالغة فيها لمآرب معينة وأن يكون الإعلام رهن إشارتها وحسب شروطها وإملاءاتها وتستخدمه كسلاح ينضم مع الأسلحة الأخرى الحربية. ويجب ألا ننسى حراك اللوبي الصهيوني في أمريكا حيث هو المحدد الأول للسياسة الأمريكية وأيضا الروسية والفرنسية والألمانية وسواها كما كتب زكي علي السيد أبو غضة في كتابه الإرهاب في اليهودية والمسيحية والإسلام ص: 90 وأشار إلى حقد الصليبيين في فلسطين حيث إنهم منذ دخلوا بيت المقدس في القرون الوسطى ذبحوا سبعين ألفا وكتب القائد المسيحي للبابا أن سنابك الخيول تخوض في بحر من دماء المسلمين والخلف منهم على درب السلف بل أشد وما إنشاء أمريكا قوة ضاربة لديها بغية التدخل السريع في بلادنا إلا دليل واقع على ما نقول.
أليس من العيب ألا تصنف أمريكا أكثر دولة لقتل المدنيين منذ حربها ضد أهل البلاد الأصليين؟ وكيف ضربت هيروشيما وناجازاكي؟ وما مشاهد العراق في الحرب الثانية والحالية عنا ببعيد. فهذا هو الإرهاب الدولي بعينه وإلا فهناك أساليب غير ذلك تستعمل مع مثل داعش كما فعل ابن عباس رضي الله عنهما مع الخوارج فرجع ثلثاهم إلى الصواب.
ولكن هل تستحق داعش كل هذا الحشد الدولي "إن وراء الأكمة ما وراءها" ولكن وللأسف الشديد فإن هذه الفرقعات تلقفها بعض حكامنا كالببغاءات وفاتهم أن الغرب بدأ حربه المجنونة دون بصيرة وهذه هي الحقيقة يقول" غود فروا كورث" في كتابه الصليب والهلال المنشور عام 1989: إن الإسلام قد عمل ما لم يعمله غيره ففي حين أن الصليب تغلب على جميع الأديان جاء الإسلام فغلبه وصرعه ولابد من الانتقام ومحاربة من حاربه آباؤنا كما في كتاب التعصب الأوروبي أم الإسلامي ص 28 وفي ص: 12 قرأنا أن المتعصب الروسي"جيرينوفسكي" الذي ظهر على المسرح السياسي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي: إن جميع مصائب روسيا آتية من الجنوب (المسلمين) ولابد من حرب صليبية جديدة يشنها الجيش الروسي للوصول إلى شطآن المحيط الهندي والبحر المتوسط. أما الجنس التركي فلا يزال يهدد أمننا إنه ملعون! الأتراك الذين زحفوا نحونا صدموا أوروبا شديدا مما جعلها تفكر بإسقاط الخلافة ومن قرأ كتاب مائة مشروع لتقسيم الدولة العثمانية للوزير الروماني (ت. ج. دجوفارا) عن التعصب الإسلامي أو المسيحي، ط دار ابن حزم، عرف الخطوط وأدرك أنهم شملوا استعمار مراكش المغرب مع أنه لم يكن داخلا في غنائم أوروبا وليس تابعا للعثمانيين فهؤلاء قوم إرهابيون وإذا كان المؤرخون يعدد من قتل من السكان الأهليين للقارة الأمريكية على يد الأوروبيين بين 20- 70 مليونا فكيف بإرهاب غيرهم خصوصا المسلمين. إن دماءنا لديهم رخيصة لأنهم أسياد ونحن العبيد في عرفهم، ولكن الذي حدث في التاريخ أيضا أن أوروبا بدأت تنهض منذ القرن السادس عشر وتأخذ على عاتقها تطويق العالم الإسلامي وتابعت إلى أن حققت ما تريد واليوم تريد المزيد المزيد. والعلة حاليا فينا لإفهام حكامنا ومن ينسب إلى أهل العلم من المنافقين فلابد من رجعة ووعي بعيد النصاب. فكيف سنسكت هؤلاء الأوروبيين والأمريكان الذين طاشت أحلامهم وأصبحوا كما قال غوستاف لوبون: لقد تجمعت العقد الموروثة المتعصبة ضد الإسلام حتى أصبحت ضمن تركيبنا العضوي.
أقول: إن المسلمين – كما نصح غيري – يجب أن يفهموا العقل الغربي كما فهموا هم عقولنا فاستعملونا لتحقيق مآربهم ونهب خيراتنا وبترولنا وتحريش بعضنا على بعض حتى لم يعد يعرف من قتل فيم قتل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع ذلك نقول: كم في المحن من منح!.
لَيْلةُ القدْر
ليلةُ القدْرِ في زمانِ الأَضاحيغرِقتْ بالدَّماءِ والأتراحِفالشّآمُ الذَّبيح رهنُ سيوفًٌوَالعِراقُ الجريحُ رهنُ رِماحٍوبلِيبيا الشقاقُ ثم بمصرٍويَمانٍ مباضع الجَرّاحِطال... اقرأ المزيد
492
| 02 يوليو 2016
ذكِّرونا
ذكِّرونا مَواقِفَ السابقيناوَدَعُونا مِن خِدْعَةِ القاعِدينافالنُّفوسُ الكِبارُ تَهْوَى السَّجاياوَهْيَ تَأْبى مَصائِرَ المُرْجِفيناالثباتَ الثباتَ فهو كَلَيْثٍيَبعثُ الحَزْمَ والبطولة فيناوالمُنى... اقرأ المزيد
604
| 01 يوليو 2016
أنا حُرٌّ
ذوَّبَتْني حتى غدَوْتُ خيالا فاجِعاتُ السَّلامِ حالاً فحالا أنا حُرٌّ والذلُّ عندِيَ كفرٌ فَهَبوني عَيْشَ الجهادِ مَجالا وَخُذوني... اقرأ المزيد
411
| 30 يونيو 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2235
| 09 أكتوبر 2026
قد يربح استثمارك، ثم تكتشف أن من يديره اختاره لأن عمولته أعلى، رغم وجود خيار أنسب لاحتياجاتك. هل يكفي الربح لتطمئن إلى أنه أدى الأمانة؟ هذا السؤال يفتح بابًا مهمًا لفهم المسؤولية التي يتحملها كل من يُؤتمن على إدارة مصالح الآخرين. في قلب هذه المسؤولية يأتي مفهوم Fiduciary Duty، الذي يمكن تبسيطه بأنه واجب الأمانة والولاء والعناية تجاه من ائتمنك. فمن يُمنح صلاحية إدارة أموال أو مصالح، عليه أن يستخدمها لخدمتها، وأن يدرس قراراته بعناية، وأن يُفصح عن أي مصلحة شخصية قد تؤثر في اختياره. ولفهم المبدأ، يكفي طرح سؤالين: هل درس المسؤول القرار كما ينبغي؟ وهل اتخذه لخدمة المصلحة التي كُلّف بحمايتها؟ يتعلق السؤال الأول بالعناية، والثاني بالولاء. فقد يكون المدير أمينًا، لكنه يوافق على استثمار كبير دون فهم مخاطره. وقد يكون خبيرًا، لكنه يستخدم معرفته لتوجيه عقد نحو شركة ينتفع منها. ولذلك تحتاج الإدارة المسؤولة إلى الأمانة والكفاءة معًا. وتظهر أهمية هذا الواجب لأن صاحب المال لا يستطيع متابعة كل قرار. فالمساهم لا يحضر اجتماعات الإدارة اليومية، والعميل لا يعرف جميع تفاصيل المنتجات الاستثمارية، بينما يمتلك المسؤول معلومات وصلاحيات تمنحه تأثيرًا واسعًا. وكلما اتسعت هذه المسافة، ازدادت الحاجة إلى قواعد تحدد كيف تُستخدم السلطة وكيف يُساءل صاحبها. والأمانة هنا تتجاوز الامتناع عن السرقة. فقد يضر المسؤول بمن ائتمنه دون أن يأخذ مالًا من حسابه مباشرة؛ كأن يخفي مصلحته في صفقة، أو يستغل فرصة تخص المؤسسة لحسابه، أو يهمل دراسة التزامات تتحمل المؤسسة نتائجها لسنوات. لذلك ينبغي أن يمتد الاهتمام إلى أسباب القرار وطريقة اتخاذه، إلى جانب نتيجته. في الولايات المتحدة، يقدم عمل مستشاري الاستثمار مثالًا واضحًا. فالمستشارون الخاضعون لقانون مستشاري الاستثمار الاتحادي ملتزمون بواجبَي العناية والولاء تجاه عملائهم، بما يقتضي تقديم المشورة في مصلحة العميل وفهم أهدافه وظروفه. وهذا تطبيق محدد للمبدأ، إذ تختلف الالتزامات بحسب طبيعة الدور والعلاقة القانونية. لنفترض أن متقاعدًا يريد دخلًا منتظمًا، ويحتاج إلى جزء من مدخراته خلال عام. ينبغي للمستشار أن يفهم هذه الحاجة قبل أن يوصي باستثمار طويل الأجل يصعب الخروج منه. وعليه أن يدرس المخاطر والتكاليف وقدرة العميل على تحمل الخسارة. فالمنتج الذي يناسب شخصًا يستطيع الانتظار عشر سنوات قد لا يناسب من يحتاج أمواله قريبًا، مهما بدا عائده جذابًا. أما إذا كان المستشار يحصل على منفعة مرتبطة بتوصيته، فإن ذلك يثير تعارضًا محتملًا بين مصلحته ومصلحة العميل. وتوضح الإرشادات الأمريكية ضرورة إزالة التعارض، أو الإفصاح عنه بصورة كاملة وواضحة تتيح للعميل الموافقة عن علم، مع استمرار الالتزام بمصلحته. وإذا تعذر الإفصاح بما يسمح بموافقة واعية، وجب إزالة التعارض أو تخفيفه على نحو يتيح ذلك. وجود عمولة لا يجعل كل توصية خاطئة، لكن إخفاءها أو إخفاء أثرها يحرم العميل من معلومة قد تغير قراره. ولذلك، قبل أن تمنح أحدًا سلطة إدارة أموالك، اسأله كيف يتقاضى أجره، وما المصالح التي قد تؤثر في قراراته. واسأله أيضًا: لماذا اخترت هذا الاستثمار؟ ما تكلفته؟ وما البدائل التي درستها؟ تساعد هذه الأسئلة على جعل العلاقة أوضح منذ البداية. وفي قطر، توجد أحكام قانونية تحقق جوانب أساسية من هذا الغرض. ففي الأحكام المنظمة لمجلس إدارة شركة المساهمة بقانون الشركات التجارية رقم 11 لسنة 2015 وتعديلاته، تُلزم المادة 109 رئيس وأعضاء مجلس الإدارة وأعضاء الإدارة التنفيذية العليا بالإفصاح عن مصالحهم المباشرة وغير المباشرة في صفقات الشركة وتعاملاتها. كما تمنع صاحب المصلحة من حضور الجلسات التي تناقش الموضوع المتعلق به أو التصويت عليه. وتنظم المادة 108 عدم منافسة هؤلاء للشركة دون موافقة الجمعية العامة، بينما تقرر المادة 113 مسؤولية رئيس وأعضاء المجلس عن الأضرار الناشئة عن الغش وإساءة استعمال السلطة ومخالفة القانون أو النظام الأساسي والخطأ الجسيم في الأداء. وتختلف التفاصيل القانونية بحسب نوع الشركة وصفة المسؤول. وتمتد الحماية إلى القضاء. فالمادة 109 تتيح للمساهمين، وفق شروطها ومع مراعاة حقوق الغير حسن النية، المطالبة ببطلان صفقات والتعويض عن المخالفات، وتُلزم المخالف برد المنفعة التي حققها إلى الشركة. وتتيح المادة 115 للشركة رفع دعوى المسؤولية عن الأخطاء التي تضر بمجموع المساهمين، بقرار من الجمعية العامة العادية. كما تسمح المادة 116 للمساهم برفع الدعوى منفردًا إذا لم ترفعها الشركة وكان الخطأ يُلحق به ضرر خاص كمساهم، بشرط إخطارها. وإذا صدر حكم لصالحه، تلتزم الشركة بتعويضه عن نفقات ومصاريف التقاضي. ولتقريب الصورة، تخيّل أن شركة تريد شراء معدات، وأحد أعضاء مجلس إدارتها شريك في الشركة التي قدمت العرض. قد يكون العرض جيدًا، لكن مصلحته فيه يجب أن تكون معلومة. ووفق الأحكام المنطبقة، يفصح عنها ويتنحى عن حضور المناقشة والتصويت، وتُستكمل الموافقات المطلوبة. ثم يقيّم الآخرون العرض وفق السعر والجودة والخدمة، ويوثقون أسباب اختيارهم. فالإفصاح عن المصلحة الشخصية لا يمنح المسؤول حرية تمرير القرار، بل يتيح إخضاعه للمراجعة والموافقات المطلوبة. وهناك سؤال مفيد للمراجعة الذاتية قبل اتخاذ القرار: لو لم تكن لي منفعة شخصية، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ هذا السؤال لا يغني عن الإجراءات القانونية، لكنه يساعد المسؤول على ملاحظة تأثير مصلحته في حكمه، خصوصًا حين يجد نفسه يدافع عن خيار لا يستطيع تبريره بمعايير واضحة. ولكي تصبح هذه الحماية جزءًا من العمل اليومي، تحتاج المؤسسة إلى سجل للمصالح يُحدّث عند تغيرها، وطريقة واضحة للإفصاح، ومحاضر تثبت التنحي، ومراجعة للصفقات التي تتداخل فيها المصالح. ويحتاج المسؤول إلى فهم حدود صلاحياته، كما يحتاج المساهم إلى معرفة حقوقه ووسائل المطالبة بها. فالنص القانوني يزداد أثره حين يتحول إلى إجراءات يعرفها الناس ويطبقونها. ومع ذلك، يجب التمييز بين الخسارة والإخلال بالأمانة. فقد يُدرس مشروع بعناية ثم تتغير ظروف السوق، وقد تحقق صفقة ربحًا رغم إخفاء مصلحة شخصية فيها. لذلك ينظر التقييم السليم إلى العناية التي بُذلت، والمعلومات المتاحة، والالتزامات ذات الصلة، إلى جانب النتيجة. فهذا التوازن يحمي أصحاب الأموال، ويتيح للإدارة اتخاذ قرارات مهنية مسؤولة. حين تُسلَّم أموال الناس ومصالحهم إلى مسؤول، فإنهم يمنحونه صلاحية التصرف وثقة تستحق الحماية. ولهذا يجب أن تكون الأمانة التزامًا واضحًا، تدعمه قواعد للإفصاح، ورقابة تكشف التجاوز، وحق في التقاضي يتيح المطالبة بالإنصاف. فالمؤسسة التي تحمي أصحاب الأموال تجعل المسؤول قادرًا على تفسير قراراته، وتُلزمه بتحمل تبعات إخلاله. ومن يملك سلطة القرار في أموال الآخرين، لا يملك حق تقديم مصلحته على مصالحهم.
1125
| 11 أكتوبر 2026
أشدّ ما يؤلم في الفقد أن نكتشف متأخرين أننا أضعنا وقتا طويلا في طرق أبواب لا تعرفنا، بينما كان هناك باب واحد يستحق أن نقف أمامه طويلا، وصاحب ينتظر منا التفاتة صغيرة، أو سؤالا عابرا، أو زيارة تؤكد له أنه ما زال حاضرا في قلوبنا. ثم تمضي الأيام، ويغيب صاحب الباب، ونكتشف أن الطريق إليه صار أبعد من قدرتنا، وأن بعض المواعيد التي أجلناها بحجة الانشغال قد لا تمنحنا الحياة فرصة أخرى للوفاء بها. الأسى الحقيقي أن تطرق في الدنيا بابا، فيما قد يكون صاحب القلب الذي أهملته قد سبقك إلى غياب لا تعرف متى تلتقيه بعده، ولا كيف يمكن أن تصله رسائلك المؤجلة. أن تنشغل بمن لا يراك، وتستنزف مشاعرك في استرضاء من لا يعنيه حضورك، وتبذل من وقتك وكرامتك ما يكفي لشراء لحظة رضا عابرة، فيما هناك قلب يحبك بصدق، ويكتفي منك بما تستطيع من محبة واهتمام. قد يكون ذلك القلب أما أو أبا أو أو أخا صديقا قديما، أو شخصا منحك من عمره ما لم تنتبه يوما إلى قيمته، لأنه كان قريبا بما يكفي لتطمئن إلى بقائه. نؤجل الزيارات أحيانا لأن الغد يبدو مضمونا، ونختصر المكالمات لأن لدينا ما هو أهم، ونعد أنفسنا بأننا سنعوض من نحب حين تنتهي مشاغلنا. غير أن المشاغل تعرف كيف تتكاثر، والأيام تمضي من غير أن تستأذننا، حتى يأتي خبر صغير يغيّر ترتيب الأشياء في أعيننا إلى الأبد. عندها نستعيد وجوها لم نمنحها حقها من التأمل، وأصواتا كنا نستعجل انتهاء أحاديثها، وعتبا بسيطا تمنينا لو سمعناه مرة أخرى. ما أغرب قدرتنا على منح الغرباء من وقتنا أكثر مما نمنح أهلنا، وعلى الوقوف طويلا أمام أبواب مغلقة نرجو منها قبولا أو اعترافا، فيما نمر سريعا على الأبواب التي تفتح لنا بمحبة. نركض وراء مكانة قد لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ونحزن لأن شخصا لم يلتفت إلينا، وننسى من كان يفرح لمجرد سماع أصواتنا. وحين نراجع حساباتنا بعد الفقد، ندرك أن بعض ما أرهقنا كان يستحق التجاهل، وأن بعض من أهملناهم كانوا يستحقون أعمارا إضافية من قربنا. ولعل أقسى ما في الرحيل أنه يكشف لنا حقيقة علاقاتنا بأنفسنا أيضا. كم مرة خذلنا مشاعرنا الصادقة كي نرضي آخرين، وكم مرة اعتذرنا عن زيارة حبيب بحجة التعب، ثم احتملنا مشقة الطريق إلى شخص لا يبادلنا الود. كم مرة عرفنا أن أحدهم يحتاج إلينا، وقلنا إن الوقت لم يحن بعد، حتى صار الوقت كله ملكا للندم. لا أظن أن أحدا يستطيع استعادة الماضي، أو إصلاح ما انكسر في لحظة غياب، لكننا نستطيع أن نتعلم كيف نوزع محبتنا بعدالة أكبر، وأن نعيد النظر في أولوياتنا قبل أن يفرضها علينا الفقد. فالعلاقات الحقيقية تحتاج إلى رعاية يومية، وإلى حضور يشعر به الآخر، وإلى كلمات تقال في وقتها، واعتذارات لا تتأخر حتى تفقد معناها. وقد تكون زيارة قصيرة أثمن من هدية باهظة، ومكالمة صادقة أعمق أثرا من وعود طويلة نرددها كلما ضاق بنا تأنيب الضمير. أما الذين رحلوا، فلهم في القلب مكان لا تبلغه الأقدام، وتبقى ذكراهم امتحانا لمحبتنا ووفائنا. نرجو أن تصلهم دعواتنا، ونحفظ ما أحبوه، ونصل من كانوا يحبونهم، ونجعل من غيابهم سببا لمزيد من الرحمة في حياتنا. وربما كان أجمل الوفاء لهم أن ننتبه إلى الأحياء الذين ما زالوا ينتظرون منا التفاتة، قبل أن تتحول أسماؤهم إلى ذكريات نستدعيها كلما أوجعنا الحنين. فلنخفف من طرق الأبواب التي تستنزف أرواحنا، ولنلتفت إلى الذين يفتحون لنا قلوبهم بمحبة. فما أقسى أن نقضي أعمارنا في انتظار من لا يأتي، ثم نكتشف أن الذين كانوا يستحقون انتظارنا قد رحلوا إلى حيث لا نعرف من أمر اللقاء إلا ما نرجوه ونؤمن بإمكانه. عندها لن يعيد الاعتذار المتأخر صوتا غاب، ولن تعود يد امتدت إلينا ذات يوم لتمنحنا الأمان. وربما كان علينا أن نفهم باكرا أن بعض الأبواب ينبغي أن نغادرها، وأن بعض الأبواب تستحق أن نبقى عندها أكثر، لأن أصحابها كانوا يمنحوننا الحب الذي بحثنا عنه طويلا في الأماكن الخطأ.
645
| 12 أكتوبر 2026