رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كتبت في الأسبوع الماضي هذه المقدمة، واليوم أرويها لكن الوقائع جديدة "سيكتب التاريخ مرحمة المعتصمين السلميين وسماحتهم وثباتهم بحروف من نور يضيئ للأجيال التالية، كما سيسجِّل بحروف من نار الرَصاص ملحمة الانقلابيين الدمويين بأشكال من الخسة والسفاهة والنذالة غير مسبوقة لطَّخت تاريخ الجيش والشرطة بدماء وشواء أجساد المصريين، سيخجل منها كل مصري حر، بل كل إنسان في العالم".
وإليكم اليوم أمثلة جديدة من نبل وسماحة أولئك المعتصمين السلميين، وسفاهة ووضاعة وخسة هؤلاء الانقلابيين الدمويين:
1. ذهبتُ في الأسبوع الأول لتولي د.مرسي إلى قصر الرئاسة مع وفد من مجلس أمناء الاتحاد العالمي، برئاسة العلامة د.القرضاوي وحضور الشيخ الددو من موريتانيا، ود.خالد المذكور من الكويت، ود.عبد اللطيف المحمود من البحرين، والشيخ فريد واصل مفتي الديار المصرية سابقا، و..... بهدف نصح الرئيس، ومما دار في الحوار الموقف من تهديدات إيران للخليج فرد فخامة الرئيس: أول لقاء للمجلس العسكري طلبتُ إعادة تحديد مجال الأمن القومي المصري ليكون من المحيط إلى الخليج ، وأن أي اعتداء على دولة خليجية أو مغربية نعتبرها اعتداء كاملا على مصر، فقال أحد العلماء: حتى مع تصريحات ضاحي خلفان، فرد الرئيس فورا: هل من المعقول أن أضيٍّع بلدّا وشعبا بسبب تصريح واحد، مصر أكبر من كده" هذه هي سماحة وكياسة وعروبة ورجولة الرئيس ومن يعتصم لأجله اليوم الملايين، لكن أكثر دول الخليج انغمست يدها في الانقلاب والدم والتآمر على قوت الشعب المصري بتدمير مشروع مستقبل مصر كلها "محور قناة السويس" الذي سيدِّر على مصر كل عام 100مليار دولار ليُغنيَها عن التسول، ويحرر قرارها من التبعية للخارج، ومع مرارة الدماء والخنق والحرق الذي تم بيد مصرية، وتمويل ومؤامرات صهيوأمريكيليجية، سفاهة وخسة، لكننا نفتدي أرض الخليج وشعبها الطيب الحر بأرواحنا، ونقدر الفرق بين القشرة الظالمة والمجتمع المقهور.
2. عندما يخرج عشرات الملايين في مصر كلها يوم 30/8/2013م حتى ازدحمت 5 كيلو في شاطئ الإسكندرية بأكثر من مليون مصري بهروا العالم، بما يزيد عن كل ما جمعته حركة المخابرات "تمرد"، التي صنعها، وامتلأت شوارع مصر كلها من الصعيد إلى محافظات الدلتا والإسكندرية، ومن سيوه ومرسى مطروح إلى كل سيناء ، فعلى الأقل كانت هناك 400 مظاهرة في وقت واحد، وكأن اعتصام رابعة كان قد حبس الناس عن إقناع بعض ذويهم وأسرهم وجيرانهم، فانتشروا في كل شبر بمصر انتشارا أذهل العالم ما عدا تليفزيون مصر وقادة الانقلاب: عسكريين وشرطة وإعلاميين فقد قالوا: "انحسار تيار الإخوان، والشعب تنكر لهم، وقال أحدهم على قناة الجزيرة كلهم 30 ألفا، وهؤلاء تعداد مسيرة في حارة من حارات مصر، وماذا عن مسيرات واعتصامات ضد الانقلاب في تركيا وواشنطن واليابان وفرنسا ولندن وإيطاليا واستراليا، وألمانيا، وأفغانستان والباكستان، وماليزيا و.... وصار اعتصام رابعة ورمزها بالكف أشهر رمز على مستوى العالم كله، وهذه كلها لم تحدث فيها حالة إخلال بأمن المواطنين أو المنشآت، ولم يستجب المواطنون الواعون في بورسعيد وغيرها لرجال أمن الدولة باللبس المدني في تحريض المعتصمين على ضرب المنشآت، فرفضوا جميعا حبًا لبلدهم وإخوانهم وسماحة في أخلاقهم، وأؤكد أن كل مواطن مُس بسوء أو منشأة مصرية هو من سفاهة وخسة بعض كتائب الجيش والشرطة والبلطجية.
3. لم يشهد كبار الضباط في جيشنا حربًا مع الصهاينة منذ تخرجوا لأن حرب أكتوبر مر عليها أربعون عاما، فهم حكموا مصر ولم يحاربوا، وشهوة الحكم تخللت كل ذراتهم، وكل المصاريف التي أنهكت وأرهقت الاقتصاد المصري والمنح الأمريكية التي أذلونا بها وخطفوا جيشنا، الآن تحمي بني صهيون، ويُقتل من أبناء مصر ويُحرق في50 يوما ويُخنق 6000، ويُجرح 25000، ويُعتقل 12000 على يد جيش الانقلابيين، وهو ما لم يفعله شرفاء الجيش في كل حروبه مع الصهاينة، لكنه اليوم يحكم ويحاربنا، ويقتلنا مرة بيده، ومرة بيد شرطته، ومرة بطائرات صهيونية وبتنسيق مباشر مع السيسي، وأخيرا يقتل أبناء سيناء بإخراجهم فجأة من ديارهم في رفح كي يهدم بيوتهم، في مناظر بشعة للجيش، أراها الآن وهي تدك بالطائرات وبالقنابل بيوتا في العريش، ليقيم منطقة عازلة بين غزة هاشم ومصر، فأهلنا في مصر قرابين من أجل عيون بني صهيون، ويريد أن يكمل دور سيده المخلوع في خنق قطاع غزة رمز العزة، وبوابة الحماية لمصر من خطر الصهاينة، ولو شاءوا لدخلوا غزة بدباتهم يحملون معهم أمثالهم في حب الصهاينة عباس ودحلان وعزام الذي تمنّى أن يدخل غزة على دبابة الجيش المصري وعلّقتُ على التويتر عندي: "عزام الأحمق يريد أن يدخل غزة على متن جيش مصر والدبابة، مرحبا بك أولا لتلعق البيادة، ثم يكون مآلكم الهزيمة والخيابة يا من خسرتم الصناديق وأدنى صفات الرجولة والقيادة". نحن إذن أمام خطف حقيقي من الانقلابيين لجيشنا المصري ليتحول إلى غول على الشعب المصري يحكمه بالحديد والنار والسيف البتار، وفي الوقت نفسه حَمَلٌ وديعٌ مع الصهاينة، وهو تحول خطير لا يرضاه الكثير من شرفاء الجيش، لأنه قد يؤدي لكارثة ونكسة كبرى تماما كما فعل الصهاينة بعد الانقلاب العسكري من عبد الناصر، فحدث العدوان الثلاثي سنة 1956م، ونكسة 1967م، وكان الجيش آنئذ لا مهمة له سوى ملاحقة الإخوان المسلمين، فالتهَمنا الصهاينة وهم لا يبالون بأي عميل، المهم هو مشروعهم الجهنمي الذي ستحبطه إن شاء الله شعوب الأمة كلها، وعذرا شيخنا "رائد صلاح" لاعتقالك اليوم؛ لأنك تقف اليوم وحدك تدافع عن حرمة المسجد الأقصى من قطعان الصهاينة.
4. أليس من السفاهة ما قالته المستشارة تهاني الجبالي، نائب رئيس المحكمة الدستورية السابق، خلال لقائها ببرنامج "بيتنا الكبير" على التلفزيون المصري، عن الأسباب الرئيسية لعدم محاربة الولايات المتحدة الأمريكية للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان، حيث قالت: "إن أمريكا التى تحرك المجتمع الدولى ضد مصر، متهمة بوثائق لدى أجهزة الأمن القومى المصري، ولابد وأن تظهر للنور، لتؤكد بأن هذا التنظيم الدولي صُرف عليه من المخابرات الأمريكية حتى يصل إلى سدة الحكم!!!" وأضافت: "نحن نهدي للشعب الأمريكي معلومة أن شقيق رئيسهم الإفريقي هو أحد مهندسي الاستثمارات للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين"، وعندما طلب منها مقدم البرنامج إعادة تصريحها مرة أخرى قالت: "شقيق أوباما هو أحد مهندسي الاستثمارات للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين"، ولذلك فهم لا يريدون محاربة قيادة التنظيم حتى الآن بسبب ذلك، على حد قولها، فهل نتصور سفاهة تفوق ذلك، وهم يدركون جيدا أن السيسي قد صرح أنه كان على تواصل يومي مع وزير الدفاع الأمريكي قبل وبعد الانقلاب، وكانت السفيرة الأمريكية بالقاهرة "آن باترسون" مهندسة الانقلاب، وقد صرح على التليفزيون عضو كبير بحزب النور أن السفيرة اتصلت به وطلبت منهم الموافقة على أن يكون البرادعي رئيسا للوزراء مقابل أن يُختارمنهم 4 وزراء في حكومته، فيتعجب الإنسان من حجم الكذب والافتراء والاستخفاف بعقول الناس.
5. عندما تحمل لنا الكاميرات والصور التي لا تخطئ أن هناك شابا أحسن الظن في أخيه الذي يركب دبابة جيشنا، ودخل على الدبابة رافعا يديه - يعني لا شوكة معه - فعاجله الضابط أو الجندي المصري برصاصة مباشرة في الصدر فأرداه قتيلا، وعندما يخرج أعداد من اعتصام رابعة رافعين أيديهم أمام قادة حرب الإبادة من الجيش والشرطة لكن ضباطنا الأشاوس صوَّبوا الرصاص إلى إخوانهم الخارجين من الميدان رافعي أيديهم! ومن يحمل جريحا فيصوب إليه جنود مصر لا الصهاينة الرصاص فيرتمي مع الجريح قتيلان؟ فهل هناك سفاهة أحط من هذا في الوقت الذي ظللنا 47 يوما بين الجنود والمباني التابعة للشرطة والجيش دون أن نؤذيهم بكلمة أو حجر.
6. عندما نحمي الكنائس إلى اليوم بصدور مصرية، وتوضأ المسلم بماء المسيحي، فهذه سماحة مصرية من عبير ثورة25 يناير واعتصامات ومسيرات دعم الشرعية ورفض الانقلاب، لكن عندما يقود تواضروس بابا الكنيسة الأرثوذوكسية التمرد المسيحي، ويجلس على بركة من دماء المصريين، ويدفع بأعداد هائلة من البلطجية لقتل إخواننا وقد رأيت بعيني بعض نصارى الدويقة من البلطجية وعلى يدهم نقش الصليب، في أحداث المنصة التي راح ضحيتها 300 شهيد و4500 جريح، وقد قال وزير الداخلية إن أهالي الدويقة - وأكثرهم مسيحيون – هم الذين واجهوا معتصمي رابعة طبعا تحت رعاية منه كاملة مرئية غير مسموعة فقط، فهل من سماحة أكثر منا؟ وسفاهة قادة يحرقون مصر حاضرا ومستقبلا بوهم أنهم منتصرون ووراءهم سند صليبي قوي.
7. عندما يُقبض على د.محمد البلتاجي وهو كما كتبتُ عنه في التويتر:" لك الله د.بلتاجي: أشهد ربي أنك أرق الناس قلبًا، وأعفهم لسانًا، وأصدقهم حديثًا، وأوسعهم صدرًا، وألينهم عريكة، وأنشطهم حركة، و...." سيجعل الله بعد عسر يسرا"، ويُضرب ويُهان، ويسجن في زنزانة انفرادية لمن يحكم عليه بالإعدام، قبل صدور أي حكم عليه وفقا للقاعدة الأصيلة في كل القوانين والدساتير "المتهم بريء حتى تثبت إدانته"، و"الشك يفسر لصالح المتهم"، لكن الإعلام المصري والداخلية كانوا في غاية الخسة والسفاهة عندما يقول وزير داخلية الانقلاب: إن نخنوخ كلمه وطلب منه أن يسلمه البلتاجي، فهذا قمة الإسفاف بقيمة الإنسان، ويؤكد على لسان أعلى سلطة في شرطة الانقلاب أن هناك تواصلا وتنسيقا بين البلطجية والداخلية، ويؤكد ذلك رواية المقدم محمد كمال التى نشرها عبر حسابه على "فيس بوك" وهو مسئول تأمين المستشارين المسئولين عن التحقيق مع البلتاجي والتي بثها مساء الجمعة، وقال فيها: "بتوع الجيزه شغالين" تعذيب" من 9 مساء ومكملين ولسه القاهره ما بدأتش، أحب اطمنكوا إننا قايمين بالواجب وزياده مع البلتاجي من بعد التصوير ما خلص وشرب الكابي والميه، وتم تطبيق نظرية الضرب عالقفا شفا …. أما نخنوخ بئه اللي هيموت ويبات الليلادي مع البلتاجي عشان يوريه نكاح الجهاد المعتاد في السجون وأحب أوجه الشكر لإخواتنا في العمليات الخاصة علي جهودهم"، ولا أدري في أي عالم نعيش؟!!! وعندما يتسفل الإعلام في اللعب والشماتة في قتل أسماء البلتاجي، فيقول أحد الإعلاميين: هم يتاجرون بأبنائهم، ويفقد هؤلاء المصداقية المهنية فيقول أحدهم : بلتاجي معندوش بنات أصلا، بينما يفبرك آخر - دون تنسيق – اتصالا من واحدة مأجورة، وتقول: أنا أسماء البلتاجي، وبابا حابسني عشان يتاجر بيَّ، وأنا ماموتش ولا حاجة"!!! ولا يوجد واحد عنده أدنى درجة من الإنسانية يمكن أن يشمت أو ينكر الموت مثل هؤلاء، ومع هذا يقيني أن سماحة د.بلتاجي - بعد أن يفك الله أسره بإذن الله - ستكون مصلحة مصر وشعبها فوق جراحه في ابنته، وضربه وإهانته، وتهديد أمه ومساومتها، واعتقال ولده، ثم زوج أخته وهو معصوب العينين من عملية جراحية قبل 3 ساعات من اقتحام بيته وسحبه وسحله من رجله على الأرض واعتقاله.
8. أليس من السماحة أن يتغاضى الإخوان عن مظالم بالجملة لمصلحة مصر وشعبها وقد حُكم بالسجن ظلما في عهد المخلوع مبارك على أعضاء الإخوان بما مجموعه 15ألف سنة، وتجاوزا كل الإسفاف في الإعلام، وكان أول ممارسة لصلاحيات الرئيس إصدار قانون يمنع حبس الصحفيين، وهو أول رئيس في العالم كان يُشتم ويُهان جهارا نهارا، ويقتل أبناء جماعته، وتحرق مقرات جماعته وحزبه، ولم يُقدِم أحدا للجنايات، واليوم يحال د.مرسي سفاهة وخسة إلى محكمة الجنايات بتهمة قتل أنصاره!!! بينما تم الإفراج عن المخلوع مبارك مع كل الجرائم التي فعلها أثناء حكمه وثورة الشعب عليه، فضلا عن 1400 قتلى العبارة المصرية، و130 من كبار ضباط الجيش المصري، وملايين ماتوا صبرا بأمراض الكبد والسرطان بسبب الأغذية الملوثة التي باعها حاشية مبارك، وأترك بقية الكلام للكاتب العالمي "روبرت فيسك" "بالاندبندنت" بعنوان: "سري للغاية": "علم من عدة مصادر أن السيسي أخرج مبارك من محبسه؛ ليجرى له عدة اتصالات مع قادة دول الخليج لإقناعهم بضرورة مساندة مصر حتى نهاية المطاف رغم خطورة ذلك على انقلابه العسكري إلا أنه اضطر إلى ذلك اضطرارا، وقد أجرى مبارك عدة مكالمات مع بعض القاده بمساعدة السيسي أخبرهم فيها بحقيقة الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يهدد نظام الحكم بالسقوط المدوي في حالة استمرار التظاهرات الكبيرة التى لا زالت تخرج بشكل يومي". ليست المأساه أن يخرج مبارك من محبسه فقط، إن الجريمة الكبرى أن يعود مبارك إلى ممارسة شئون رئاسية من وراء ستار أسود حتى بدون علم أغلب قادة الجيش المصري. من المكالمات التى أجراها مبارك هي مكالمة مع "بنيامين بن أليعازر" وزير الدفاع الإسرائيلي السابق الذي تربطه بمبارك علاقه شخصيه وطيدة رغم أنه الضابط الذي قتل مئات الأسرى المصريين سنة 1967م وطمأنه "أليعازر" بأن إسرائيل لا تمل من محاولات إقناع الغرب بضرورة إعطاء فرصة أكبر للجنرال السيسي حتى يستعيد السيطرة على مفاصل الدولة، وأخبره مبارك أنه لن يعود للسجن مرة أخرى إلا إذا عاد الإخوان للحكم مرة أخرى، وتم تجهيز جناح مبارك في مستشفى المعادي العسكري بأحدث الأجهزة الطبية وأثمنها كما زوِّد الجناح الملكي الفخم بكل أجهزة الاتصال....، وفي المقابل يتعرض المرشد العام للضرب من قِبل رجال الأمن ويتعرض الرئيس د.محمد مرسي الرئيس المنتخب لمعاملة لا تليق برجل تولى رئاسة مصر" هذه شهادة لرجل من غير العرب من كبار الكتاب في العالم كله وهو يتوقع انهيار الانقلاب.
9. ليس أشد سفاهة ولا أعظم خسة من موقف الانقلابيين من البنات والنساء، فالرصاص المصوب بعناية إلى الرأس والصدر طال الكثير أمثال هالة شعيشع، ثم اعتقال والدها م. محمد شعيشع، وأسماء البلتاجي، وحبيبة أحمد عبد العزيز وتصويب بلطجية الشرطة الرصاص على الطفلة أثناء السحور في اعتصام النهضة، ودفنت الأم طفلتها ولبست الكفن هي وأولادها وجاءت من القبر على المنصة وقالت يا سيسي قتلت طفلتي بنت السادسة من العمر، والآن أنا جاهزة للشهادة مع كل أولادي، اقتلنا جميعا لنلحق بطفلتنا، وتكرر دخول البيوت في الاعتقال بعد كسر الباب وعدم السماح للنساء بالحجاب، وضربهن وإهانتهن وتوجيه أحط الألفاظ للنساء والأطفال والأمهات العفيفات، واعتقال 300 أخت منهن الدكتورة حنان أمين الأستاذة بكلية طب الزقازيق التي اعتًقلت من مسجد الفتح برمسيس وهي تقوم بدورها الإنساني مع أخواتها في الجانب الطبي الإغاثي لضحايا الجيش والشرطة والبلطجية، واعتًقلت بنت السابعة عشرة شروق شواف بنت طبيب المستشفى الميداني، وحفصة أحمد وعفت البحيرى و... وندع لصحفي ألماني اسمه "سباستيان باكوس" اعتًقل ورأى بعينيه كل صنوف الخسة والسفاهة والسفالة والتعذيب والتحرش بأخواتنا من أخساء الشرطة والبلطجية داخل سيارات نقل المعتقلين ناهيك عما يحدث داخل الأقسام والزنازين، يقول "سباستيان باكوس": " بعد يوم من الاعتقال والتعذيب شهدنا فيه محاولة اغتصاب بعد أن كدنا أن نُقتل، أفرجوا عنا، لم يكن لنا أن نخرج من دون تدخل السفارة الألمانية، أما بالنسبة للمساجين الباقين فلا أعرف عنهم أي شيء، فهم لم يكونوا من ألمانيا!. وأضاف: "العبء يزول عن كاهلك عندما تدرك أنك لن تُحترق حتى الموت في سيارة ترحيلات تابعة للشرطة المصرية، لكن على الرغم من ذلك، مشاهدة محاولة اغتصاب بعد ذلك بلحظات يريك مباشرة حقيقة الوضع الذي تعيشه، وهو - في حالتي- أنك سجين في القاهرة أثناء أكثر الاشتباكات دموية في تاريخ مصر الحديث، تحركنا في سيارة أخرى مع تسعة سجناء، وعندما ركبنا في السيارة كانت هناك امرأة شابة معنا، وبعد دقائق من تحركنا بدأ الرجل الجالس أمامها بالتحرش بها جسديا، بدأتُ وصديقي بالصراخ محتجين، لكنه لم يلتفت إلينا، ظل الرجل يحاول أن يمسك بقدميها، وبعدها أمسك بصدرها، ثم حاول أن ينزع عنها حجابها، ثم أمسك برأسها بعنف صادما إياه بجدار السيارة، وبعد أن أدرك أنه لن يستطيع أن يحصل منها على ما يريد، بدأ يضربها بشكل عنيف ويائس، لاحظت عندها أن الرجل كان يرتدي ضمادات على يديه وقدميه، لكنه لم يكن مُقيدا مثل الباقين، كما أنه كان الشخص الوحيد الذي من المسموح له أن يتكلم مع الضباط من غير أن يعاقبوه لاحقا. حاول الشخص الجالس بجوار الفتاة أن يساعدها، إلا أن الرجل المهاجم أزاح ضمادته عن سكين أخفاها، ثم طعن الشخص الذي حاول مساعدة الفتاة مخترقا يده، بدأ الجريح في الصراخ مع مشهد الدماء تغرق السيارة، ولم يهدأ إلا بعد أن حاول أحد المسجونين الأكبر سنا تهدئته".
هذه بعض صور تستنفر كل إنسان حر في العالم لا زالت فيه إنسانية وكرامة وغيرة على الأعراض، وخوف على مصر حاضرا ومستقبلا أن ينفض عنه غبار الكسل، وقيود الخوف، وحدود المكان، أن يخرج ثائرا سلميا ضد هذا الانقلاب مع اليقين بأن الله تعالى في عليائه لن يدع هؤلاء السفهاء طويلا، قال تعالى: "وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا" (طه: من الآية111)، وللكون إله واحد يحكم ما يريد، و"سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا " (الطلاق: من الآية7).
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
964
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4217
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4171
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3306
| 06 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1074
| 06 أكتوبر 2026
في الأوقات العادية، قد تبدو الاحتياطيات المالية والاستثمارات الخارجية مجرد أرقام كبيرة في التقارير. أما في الأزمات، فتتحول هذه الأرقام إلى قدرة حقيقية على حماية الاقتصاد واستمرار الخدمات وتوفير احتياجات الناس. وهذا ما ظهر خلال أزمة هرمز، التي وضعت قطر أمام اختبار صعب لم يقتصر على تراجع الإيرادات، بل امتد إلى صادرات الطاقة وحركة التجارة وسلاسل الإمداد. وعلى الرغم من شدة الأزمة، حافظت الدولة على استمرار الخدمات، ووفرت الاحتياجات الأساسية للمواطنين والمقيمين، وأدارت آثارها بما حافظ على استقرار الحياة اليومية ومتانة الاقتصاد. وهذا نجاح يستحق الإشادة، لكنه يستحق أيضًا أن نتوقف عنده لفهم أسبابه واستخلاص ما يفيدنا في المستقبل. لم تبدأ قوة قطر المالية مع الأزمة، بل بُنيت على مدى سنوات من خلال الاحتياطيات المالية والأصول السيادية والاستثمارات الخارجية، إلى جانب قوة الجهاز المصرفي والقدرة الائتمانية للدولة. كما استفادت قطر من خبرتها في أزمات سابقة، خصوصًا في الأمن الغذائي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. وهذا الاستعداد لم يكن مجرد انطباع، بل تؤكده التقارير الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، قبل الأزمة، إلى قوة الوضع المالي والخارجي لقطر وسلامة قطاعها المصرفي، مؤكدًا أهمية مواصلة الإدارة المالية الحصيفة. وقد أثبتت التطورات أن هذه القوة وفرت للدولة مساحة للتحرك عندما تعرضت الإيرادات ومنافذ التصدير لضغوط مفاجئة. لكن متانة الاقتصاد لا تعني أن الأزمة مرت من دون تكلفة. فقد أظهرت بيانات وزارة المالية ارتفاع عجز الموازنة إلى نحو 21.2 مليار ريال في الربع الثاني من عام 2026، بعد أن بلغ 10.3 مليار ريال في الربع الأول. ولا تعني هذه الأرقام أن الاقتصاد فقد قوته، بل تكشف حجم الضغط الناتج عن تأثر صادرات الغاز وحركة الملاحة. وفي مثل هذه الظروف تظهر قيمة ما راكمته قطر من احتياطيات وأصول سيادية؛ فقد وفر ذلك للحكومة هامشًا لمواصلة الإنفاق الضروري، وتلبية احتياجات الدولة والمواطنين والمقيمين، والمحافظة على الاستقرار رغم تراجع الإيرادات. وإلى جانب ذلك، برز دور الاستثمارات الخارجية عبر جهاز قطر للاستثمار؛ فهي تحقق عوائد للأجيال القادمة، وتعزز قدرة الدولة على مواجهة الظروف الاستثنائية، وتخفف اعتمادها الكامل على الإيرادات السنوية للطاقة. غير أن الأزمة كشفت أن القوة المالية، على أهميتها، ليست كافية وحدها. فالمال يستطيع تعويض جزء من تراجع الإيرادات، لكنه لا يوفر فورًا موردًا بديلًا لمادة أساسية، ولا يفتح مسارًا بحريًا متعطلًا، ولا يعيد تشغيل خدمة تعتمد على نظام تقني خارجي واحد. ولذلك لا ينبغي أن يكون السؤال: كم نملك من الاحتياطيات فقط؟ بل أيضًا: ما البدائل الجاهزة، وكم نحتاج من الوقت لتشغيلها؟ وتزداد أهمية هذا السؤال لأن أزمات اليوم لا تبقى داخل حدودها الأولى. فقد أشار تقرير المخاطر العالمية لعام 2026، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى ترابط المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية؛ فقد تبدأ الأزمة في ممر بحري، ثم تنتقل إلى الطاقة والشحن والتأمين والإنتاج والأسعار. كما توضح تقارير الأونكتاد أن تأخر السفن ليس سوى بداية لسلسلة من التكاليف التي تصل في النهاية إلى الشركات والمستهلكين. وفي الاتجاه نفسه، تذكر ورقة «الصمود الاقتصادي في ظل الأزمة الجيو-اقتصادية»، الصادرة عن المركز الدولي للتنمية، أن الاحتياطيات والمخزونات تمنح الدولة وقتًا ثمينًا، لكنها لا تصنع الصمود بمفردها. فالاحتياطي يساعد الدولة على التحرك، أما البدائل الجاهزة فتحدد نجاح هذا التحرك وسرعته. ومن المفيد، في ضوء هذه التجربة، تشكيل فريق وطني مؤقت لدراسة دروس أزمة هرمز ووضع برنامج عملي لزيادة مرونة الاقتصاد القطري. والغاية ليست إضافة تقرير نظري جديد، بل تشكيل فريق محدد المدة والصلاحيات والمخرجات، يجمع الجهات المعنية بالمالية والاقتصاد والطاقة والنقل والموانئ والغذاء والدواء والتكنولوجيا، إلى جانب المصارف والقطاع الخاص. وتكون الخطوة الأولى إعداد خريطة للاعتماد الاقتصادي الحرج. والمقصود ليس حصر جميع السلع المستوردة، بل معرفة المواد والخدمات التي قد يؤدي تعطلها إلى توقف وظيفة أساسية. فقد تكون قطعة غيار صغيرة أهم من سلعة مرتفعة الثمن إذا كان غيابها قادرًا على إيقاف محطة إنتاج أو منشأة صحية أو نظام تقني كامل. وبعد تحديد هذه النقاط، يمكن اختبار قدرة القطاعات الحيوية على الصمود لفترات تمتد إلى 30 و90 و180 يومًا. فإذا تعطل المسار البحري المعتاد، فكم يكفي مخزون الغذاء والدواء والمواد الصناعية؟ وما المدة اللازمة للانتقال إلى مورد آخر؟ وهل لدينا عقود ومسارات بديلة جاهزة، أم سنبدأ البحث عنها بعد وقوع الأزمة؟ وينبغي أن تقود هذه الاختبارات إلى مؤشرات واضحة، مثل عدد أيام تغطية السلع الحيوية، والحد الأعلى للاعتماد على مورد واحد، والوقت المطلوب لتشغيل البديل، ومدى جاهزية الأنظمة الرقمية الاحتياطية. فمن دون مقاييس محددة، قد تبقى المرونة الاقتصادية فكرة جيدة يصعب معرفة مدى تحققها. وليست الفكرة أن نخزن كل شيء أو ننتج كل ما نستهلكه؛ فهذا مكلف وغير عملي. المطلوب هو معرفة ما يمكن شراؤه بسهولة من الأسواق العالمية، وما لا ينبغي أن نعتمد فيه على مصدر أو مسار واحد. وقد يكون المورد الأقل تكلفة مناسبًا في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح مكلفًا إذا أدى تعطله إلى توقف قطاع حيوي. وعندها تصبح تكلفة المورد الثاني أو المخزون الإضافي أشبه بقسط تأمين يحمي الاقتصاد من خسارة أكبر. وتعرض الورقة نفسها خمس خبرات دولية يمكن الاستفادة منها. فقد حددت اليابان المنتجات والخدمات الحيوية لأمنها الاقتصادي، وطورت فنلندا تعاونًا منظمًا بين الحكومة والقطاع الخاص لضمان استمرار الخدمات الأساسية، بينما اعتمدت سنغافورة على مزيج من تنويع مصادر الغذاء والمخزون والإنتاج المحلي والشراكات الخارجية. والمطلوب ليس نسخ هذه التجارب، بل الاستفادة من منطقها وتكييفه مع احتياجات قطر. وبالتوازي مع تعزيز الجاهزية داخل الاقتصاد، تظل الاستثمارات الخارجية ركيزة أساسية في بناء القوة المالية للدولة. ولذلك ينبغي مواصلة تنميتها وتنويعها، مع تحقيق توازن بين الاستثمارات طويلة الأجل والأصول التي يمكن تحويلها إلى سيولة عند الضرورة، وزيادة الاستثمارات التي تجمع بين العائد المالي والمصلحة الاستراتيجية في الغذاء والدواء والتكنولوجيا والنقل والخدمات اللوجستية. لقد أثبتت أزمة هرمز أن قطر تمتلك احتياطيات وأصولًا ومؤسسات قادرة على امتصاص صدمة كبيرة، وأن الحكومة أحسنت إدارة الأولويات وحماية احتياجات المجتمع. لكن أفضل طريقة لتقدير هذا النجاح هو البناء عليه، وتحويل ما تعلمناه إلى سياسات وبدائل جاهزة تعزز استعداد الدولة لأي أزمة مقبلة. فالهدف ليس أن نعود إلى ما كنا عليه قبل الأزمة، بل أن نخرج منها أفضل مما كنا: باقتصاد أكثر تنوعًا، ومؤسسات أسرع استجابة، وسلاسل إمداد أكثر أمانًا. وعندها تتحول الأزمة، رغم كلفتها، من مرحلة صعبة تجاوزناها إلى فرصة جعلت الاقتصاد القطري أكثر مرونة وصمودًا.
1071
| 04 أكتوبر 2026