رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فوزية أحمد

مساحة إعلانية

مقالات

171

فوزية أحمد

رفقاً بقلوب الوالدين

06 أغسطس 2026 , 11:13م

تأثرت كثيراً بقصة الأم التي تداولتها منصات التواصل الاجتماعي، والتي أصيبت بسكتة قلبية وهي تحتضن أطفالها وتحاول حمايتهم أثناء الزلزال. لم يكن الخبر بالنسبة إليَّ مجرد حادثة مؤلمة، بل كان رسالة صامتة تذكرنا بقيمة عظيمة، فالأم حتى في اللحظة التي يهدد فيها الموت حياتها، لا تفكر في نفسها، وإنما في أبنائها. وكأن قلبها خلق ليمنحهم الحياة، حتى وإن كان الثمن حياتها.

أعادت تلك القصة إلى ذهني معنى قد يغفل عنه كثيرون، وهو أسمى علاقة في الوجود، علاقة الوالدين بأبنائهما. إنها علاقة لا تقوم على المصالح، ولا تنتظر مقابلاً، ولا تعرف الأنانية. فالأم تحمل طفلها بين أحشائها أشهراً طويلة، ثم تحمله على كتفيها سنوات، وتظل تحمله في دعائها ما بقي لها من عمر. أما الأب، فيقضي شبابه في الكد والتعب، ويستهلك صحته في سبيل أن يرى أبناءه بخير، وربما يغادر وطنه، ويعيش مرارة الغربة، ويكتم شوقه لأهله، ليؤمن لعائلته حياة كريمة ومستقبلًا أفضل.

لكن ما يؤلم حقاً أننا نعيش زمناً تبدلت فيه الأولويات. فقد أصبح كثير من الأبناء يمنحون أفضل ساعات يومهم لهواتفهم، ويتابعون حياة الغرباء عبر الشاشات، بينما يجلس الوالدان في المنزل بانتظار زيارة قد لا تأتي، أو اتصال قد يتأخر، أو جلسة قصيرة تعيد إليهما شعور القرب من أبنائهما. وكم هو مؤلم أن يعرف الأبناء آخر أخبار المشاهير، بينما يجهلون ما الذي يؤلم والدتهم اليوم، أو لماذا أصبح والدهم أكثر صمتاً من ذي قبل.

والحقيقة التي كثيراً ما تغيب عن الأذهان أن الوالدين، كلما تقدما في العمر، قلّت احتياجاتهما المادية، وكبرت حاجتهما إلى الحنان والاهتمام. فهما لا ينتظران هدية ثمينة، ولا يبحثان عن مظاهر الرفاه، بقدر ما يتوقان إلى وجود أبنائهما بقربهما، والجلوس معهم حول مائدة واحدة، أو احتساء كوب من الشاي، أو الخروج في نزهة بسيطة، أو تبادل حديث يعيد إلى قلبيهما دفء الأيام القديمة. إن برّ الوالدين لا يحتاج إلى أموال طائلة، بل إلى قلبٍ حاضر ووقت صادق، إلى زيارة لا تؤجل، واتصال يطمئن قلبيهما، واحتضان يبدد وحدتهما، وكلمة طيبة ترسم البسمة على وجهيهما. اجلس معهما، ورافقهما في بعض شؤونهما، واستمع إلى ذكرياتهما، وشاركهما تفاصيل يومك، ولا تبخل عليهما بحنانك ودعائك، فربما كانت دقائق قليلة من اهتمامك كفيلة بأن تمنحهما سعادة لا تساويها كنوز الدنيا كلها.

كم من أمٍ تنظر إلى باب منزلها كل مساء، لعل أحد أبنائها يدخل مبتسماً، وكم من أبٍ يخفي شوقه خلف انشغاله، بينما يغمره الفرح لمجرد أن يرى أبناءه مجتمعين حوله. فالوالدان لا يبوحان غالباً بحاجتهما إلى أبنائهما، لأن الحب الصادق لا يعرف الشكوى، ولكنهما يعيشان شعوراً بالوحدة أكثر مما نتخيل، ويكتمان في قلبيهما شوقاً لا يراه أحد.

ثم يأتي يوم لا يتوقعه أحد، يدخل الإنسان بيت والديه، فلا يسمع صوت أمه يناديه، ولا يرى أباه ينتظر عودته. يبقى كل شيء في مكانه، الكرسي، والغرفة، والصور، ورائحة البيت، إلا هما. عندها فقط يدرك أن أكثر ما كان يؤجله، كان أولى الأشياء بأن يقدّم، ويتمنى لو عاد به العمر ليجلس معهما ساعة واحدة، أو ليقبّل رأسيهما مرة أخرى، أو ليسمع دعاء أمه قبل أن تغفو، لكن العمر إذا مضى لا يعود، والندم لا يعيد الأحبة.

ولذلك لم تكن وصية الله بالوالدين وصية عابرة، بل جاءت مقرونة بتوحيده سبحانه وتعالى، فقال عز وجل: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إِياه وبالوالدين إِحساناً﴾، ثم قال: ﴿فلا تقل لهما أُفّ وَلَا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماًً﴾. رسالة واضحة بأن بر الوالدين ليس خلقاً حسناً فحسب، بل عبادة نتقرب بها إلى الله.

وجود الوالدين نعمةٌ لا يدرك قيمتها حقّاً إلا من فقدها، فاغتنموا أيامهما، وأحسنوا إليهما ما داما بقربكم، وأكرموهما بالوقت والاهتمام قبل أن يصبح حضورهما ذكرى. فغداً قد لا يبقى لكم سوى دعواتهما، وصور تفيض بالحياة، وفراغ لا يملؤه أحد.

مساحة إعلانية