رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مثل بقية دول العالم، نعيش في قطر فترة هلع بسبب انتشار فيروس كورونا المتحور «أوميكرون»، ما أدى إلى تكدس الناس على أبواب المراكز الصحية والعيادات التابعة لمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، وبأعداد مهولة، في منظر مستغرب ومخيف، وكأن الدولة لم توفر اللقاح بتاتاً ضد الفيروس، أو أن الجميع ينتظر جرعته الأولى، أو أن الدولة لم تتعامل مع ما هو أصعب من هذه المعضلة في السابق، ولا توجد لديها إمكانات، وأننا على مشارف انهيار في القطاع الصحي، لا سمح الله.
وكم من صورة ومقطع فيديو انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، لأعداد كبيرة من المواطنين والمقيمين الذين توافدوا على المرافق الصحية في البلاد، طلباً لإجراء فحص PCR، للتأكد من خلوهم من الفيروس بعد الانتشار المهول له، في مشهد فوضوي عانى فيه الكثيرون، بسبب غياب الاستعداد والتنسيق الجيد لمثل هذا الوضع، علماً أن هذه السلالة من الفيروس بدأت في الانتشار في عدة دول على مستوى العالم قبل أن تنتشر في منطقتنا وفي قطر بالتحديد، أضف إلى ذلك أن الغالبية العظمى ممن تهافتوا على الفحص لم تبدُ عليهم أعراض الإصابة، وجاءوا بسبب الشك والخوف، وآخرون مصابون برشح موسمي بسبب البرد، علاوة على عودة غالبية المسافرين من الخارج، مع نهاية إجازة منتصف العام، لإجراء الفحص الإجباري، بعد أن تحدوا كل التحذيرات والنصائح بعدم السفر في ظل هذه الظروف، من أجل متعة مؤقتة.
كان التفاعل مع هذه الظاهرة كبيراً، إذ حظيت بمتابعة واهتمام الكثير من أفراد المجتمع، الذين أغرقوا وسائل التواصل الاجتماعي والمجالس بأحاديث وآراء واقتراحات وانتقادات وإشادات. كلٌ أدلى بدلوه، وأغلبهم كان (منتقداً)، وليس (ناقداً)، إذا أخذنا في الاعتبار الفرق بين الكلمتين، فالمنتقد بلهجتنا المحلية تعني (المتسبب)، الذي يتصيد الأخطاء دون اقتراح حلول، أما الناقد فقد يكون أقرب إلى (الداعي للإصلاح)، الذي يبين الأخطاء ويقترح الحلول لها.
بالعودة إلى قضيتنا الرئيسية، أنا عايشت شخصياً هذه التجربة، عندما اضطررت للذهاب إلى أكثر من مرفق صحي، من ضمنها مستشفى حمد العام، وشاهدت التكدس بأم عيني، أعدادٌ كبيرة جداً، وطوابير طويلة وصل بعضها إلى الأرصفة الخارجية لتلك المرافق، من أجل إجراء مسحة PCR، ناهيك عن طوابير طويلة أخرى لسيارات، اضطُر أصحابها للانتظار لأكثر من 5 ساعات، لإجراء هذه المسحة، التي لا تستغرق أكثر من دقيقتين.
وبناءً على ما شاهدته، وعلى الرغم من كل تلك الفوضى، تيقنت أن لدينا كادراً طبياً في الدولة، أقل ما يمكن أن يقال عنه بأنه «قدها وقدود»، وأعني هنا الكادر المكون من الأطباء والممرضين والعاملين بشكل مباشر مع المرضى، والذين يبذلون أقصى جهد لديهم من أجل التخفيف عن المراجعين، وتقديم العون والعلاج لهم في أسرع وقت ممكن، فكل التحية والتقدير لهذا الجيش الأبيض، ولكل من يعاونه في أداء مهامه.
ولكن أين الخلل؟، ما الذي أدى إلى تلك المظاهر المؤسفة؟، أين تكمن المشكلة؟.
من وجهة نظري، إضافة إلى الأسباب السابق ذكرها، من هلع وعودة المسافرين وعدم الاستعداد المسبق، هناك سبب أراه أساسياً، وهو غياب المسؤول الإداري، أو غير الطبي، عن موقع الحدث، صحيح أن الأمر يتعلق بالصحة والطب، ولكن الموقع نفسه يحتاج إلى إدارة مسؤولة تقوم بتنسيق العمل فيه، والتحدث مع المراجعين، من أجل المساهمة في تسهيل سير الإجراءات، والأخذ بخاطر المراجعين، على أقل تقدير. فتواجد هذا المسؤول سيخفف العبء على الطبيب والممرض وكل من له عمل مباشر مع المراجعين، تخيلوا أن يترك الطبيب أو الممرض مراجعاً قد يكون في وضع سيئ، من أجل تنسيق إداري أو إجرائي!.
يطل علينا مسؤولون كثر من القطاع الصحي في وسائل الإعلام، وبشكل يومي للتحدث عن أمور الجائحة وأمور أخرى، وهذا جهد مشكور ومقدّر، ولكن هذا ليس كل شيء، نحن في وقت يتطلب منا كل حسب موقعه، بذل أكثر من الجهد المطلوب منه لاحتواء هذه الجائحة، لماذا لا يكلف المسؤولون في القطاع أنفسهم عناء التواجد في المرافق الصحية في الدولة للمساعدة في التخفيف من ظاهرة الازدحام وتكدس الناس؟، هذه الظاهرة بحاجة إلى جهد إداري وليس طبياً.
كم من طبيب أو ممرض خرج من المركز ليخاطب الجمهور تاركين مرضاهم، وكم من ولي أمر بحث عن مسؤول ليطرح مشكلته أو احتياجاته عليه، وللأسف لم يجد من يتحدث معه!، أغلب كبار المسؤولين في القطاع الصحي ملتزم بمواعيد العمل الرسمية، من الصباح إلى ما بعد الظهر، ثم يعود إلى بيته وكأن مثل هذه المشكلات لا تعنيه، وأفضل شيء يفعلونه غير العمل الإداري التقاط الصور في المناسبات المختلفة، كاليوم الوطني أو اليوم الرياضي، أين أولئك المسؤولون الذين يُسمع رنين أسمائهم ومناصبهم في بطاقات البزنس كارد الخاصة بهم؟، تقرأ على البطاقة «مساعد وزير، مدير تنفيذي، خبير إستراتيجي، قائد تخطيط، كبير المستشارين، ورئيس قطاع “ وغيرها من المناصب التي ما أنزل الله بها من سلطان، مناصب ومسميات توحي لك بأنك أمام أحد قادة أكبر جيوش العالم ومستعد لخوض أعظم معركة نضالية، ولكن في الحقيقة يذهب للعمل ٧ صباحاً ويعود ٣ عصراً بعد أداء أعماله المكتبية الروتينية.
وبالحديث عن الجيوش، ليت أولئك المسؤولين يحذون حذو قادة تلك الجيوش، الذين يتواجدون في أرض المعركة، لأنهم دائماً في مقدمة الصف مع أفراد قواتهم، ولكن أين ربعنا عن مرافقهم؟، أليس من الأولى تواجدهم في كل المستشفيات والمراكز الصحية، يوزعون المهام ويستقبلون الناس لوضع الحلول واستدعاء ما يحتاجه هذا المركز أو ذاك، لأنهم مسؤولون وأصحاب قرار... أليس من باب المسؤولية أن يذهب أصحاب العلاوات والمكافأة ورؤساء اللجان العليا، التي لو جُمعت مكافآتهم لأطعمت الفقراء والمحتاجين في الدول المنكوبة، لتفقد تلك المستشفيات والمراكز ووضع اليد على الجرح لطلب الإمداد وحل المشكلات؟، هل هم مشغولون فعلًا فيما هو أهم من صحة الإنسان؟، ألا يعلم هؤلاء القوم، أبطال المسميات، أن وجودهم في الميدان، وفي مثل هذه الظروف تحديداً، أهم من وضع الخطط والإستراتيجيات المستقبلية والتفكير خارج الصندوق كما يدعون!، أما آن الأوان لأن يأخذوا المبادرة والمسؤولية لزيارة المواقع لإيجاد الحلول بدلاً من انتظار المستويات القيادية الحكومية في الدولة للتدخل ووضع الحلول؟، إذا كنا سنعتمد على تعليمات من فوق في كل شيء فلماذا نحن مسؤولون؟، وعن أي شيء نحن مسؤولون؟ ألا يعلم المسؤول أن التعليمات لن تأتي من مصدر أعلى منه إلا في حالة فشله هو في تحمل مسؤولياته؟.
أوجه سؤالي للمسؤول في القطاع الصحي لماذا تنتظر الحكومة وقيادتها لاتخاذ القرارات التنظيمية التخصصية بدلاً منك؟ لماذا نلقي اللوم، في حالات الفشل، على من هم أعلى وأقل منا منصباً، وفي المناسبات البطولية الأسطورية نتصدر المشهد!، أما آن الأوان لأن تخرج النعامة رأسها من تحت التراب؟، لماذا يفضل المسؤول التحول إلى موظف إداري يصدر التعاميم والفرمانات الرنانة، وفي وقت الأزمات يدعي عدم المسؤولية وأن هذا العمل ليس من شأنه ولا يدخل ضمن اختصاصاته ويرى زملاءه في القطاع الصحي تحت الضغط الرهيب، بل إن بعضهم يزيد الطين بلة بتلقي طلبات الواسطات والمحسوبيات لعلاج هذا أو ذاك.
كلها تساؤلات راودتني وأحببت أن أتشاركها معكم، لعل وعسى أن تجد آذاناً صاغية، وتسمع قول الشاعر «وكم من شدة كشفت معادن أهلها، إن الشدائد للورى غربالُ».. والله من وراء القصد.
twitter@mohdaalansari
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8907
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4830
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
3555
| 23 سبتمبر 2026