رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ليس موضوعي هنا هو مناقشة موضوع مبدأ السماح بقيام أحزاب أو عدم السماح بها في البلاد العربية أو الإسلامية وإنما لفت نظري أن البلاد التي تتخذ من الإسلام دينا وتدعي أنه مصدرها في القوانين والتشريعات تحارب وتمنع قيام أي حزب ذي مرجعية إسلامية مهما كانت معتدلة بينما نجد أن الأوروبيين وهم دعاة الليبرالية والعلمانية والاشتراكية وغيرها من المبادئ التي لا تمت للأديان بصلة يسمحون بقيام أحزاب وجماعات على أسس دينية، وكذلك تفعل إسرائيل حيث تسمح بقيام أحزاب دينية وأيضا جماعات إرهابية ذات مرجعيات دينية!! والسؤال: لماذا نجد هذه المفارقة الغريبة بين دولنا التي تؤمن بالإسلام دينا وبين دول أخرى لا تدين - حسب قوانينها - إلا بالعلمانية؟!!
إسرائيل - التي احتلت بلدا عربيا مسلما وتعيش وسط بلاد مسلمة - بلد ديني عنصري بامتياز، فاسم دولتهم هو اسم نبي الله يعقوب عليه السلام، وهم يطالبون أن تكون دولتهم لليهود فقط!! تخيل لو أن دولة عربية اتخذت من اسم نبينا محمدا اسما لها ثم طالبت بإخراج النصارى واليهود من أراضيها!! كيف سيكون موقف الأوروبيين والأمريكان منها؟! بل كيف سيكون موقف مواطنيها منها لاسيَّما العلمانيين وأشباههم؟!! بينما صمتت معظم دول العالم عن مطالبات اليهود وهي دولة محتلة تريد طرد السكان الأصليين منها!!
وفي إسرائيل التي تدعي الديمقراطية والعلمانية أحزاب دينية ذات نفوذ كبير على صانعي القرار، ومن هذه الأحزاب حزب (شاس) وزعيم هذا الحزب المتطرف الحاخام عوفاديا يوسف الذي طالب بقتل الفلسطينيين رجالهم ونساءهم وأطفالهم!! لنا أن نتخيل كيف ستكون ردة فعل الغرب والعرب لو أن شيخا مسلما طالب بمثل ما طالب به ذلك اليهودي المتطرف؟!
وفي إسرائيل أيضا حزب (مفدال) وهو من الأحزاب ذات المرجعية الدينية المتطرفة، وهذا الحزب مسؤول عن كثير من الأعمال الإجرامية ضد الفلسطينيين، ويؤمن هذا الحزب بعقيدة إسرائيل الكبرى ووجوب طرد الفلسطينيين من أرضهم!!.
وثالث هذه الأحزاب حزب (الليكود) وهو حزب ديني متطرف وقد تولى قادة هذا الحزب الحكم مرارا، ومن هؤلاء مناحيم بيجن وشارون، ويؤمن هذا الحزب بعظمة إسرائيل وخصوصيتها!!.
وإلى جانب هذه الأحزاب توجد جماعات متطرفة تعمل تحت سمع الدولة وبصرها وتلقى دعما وحماية لكل جرائمها ضد الفلسطينيين، واللافت أن كل الجرائم التي يمارسها الصهاينة تكون باسم الدين ولا تجد من الغرب أو الأمريكان من يستنكر ذلك ولا من ينسب الإرهاب للدين اليهودي أو لليهود بصفتهم الدينية!!.
وفي أوروبا تكثر الأحزاب ذات المرجعيات الدينية مع أن أوروبا معروفة بالليبرالية والعلمانية لكن الدين يبقى ذا تأثير واضح على بعض مجريات الأمور فيها - وأنا هنا أشير إلى الدين الذي يؤمن به المسيحيون حاليا وليس إلى أصل الدين المسيحي - ولا تجد دول أوروبا حرجا في السماح بإنشاء أحزاب ذات مرجعيات دينية، بل إن بعض هذه الأحزاب وصل إلى الحكم كما هو حال الحزب الديمقراطي المسيحي في ألمانيا الذي حكم ألمانيا سنوات طوال ولم يعترض أحد لا في ألمانيا ولا في غيرها على ذلك، ونجد أيضا في فرنسا وبريطانيا أحزابا تشير مسمياتها إلى الديمقراطية المسيحية!! وهذه الأحزاب تعتبر نفسها ممثلة الدين المسيحي والأخلاق المسيحية، وهي غالبا ما تتحدث عن قضايا الإجهاض وتعدد الزوجات والطلاق بالإضافة إلى التأكيد على الأعياد والإجازات الدينية في نظام الدولة.
وفي أوروبا جماعات دينية متطرفة خاصة ضد الأقليات المسلمة حتى وإن كانت من أبناء البلاد الأصليين أو ممن يحملون جنسيتها!! ولهذا نسمع كثيرا عن قضايا منع النقاب وكذلك بناء منائر للمساجد ومنع الآذان، بل وصل الأمر في بعض دول أوروبا إلى المطالبة بطرد المسلمين نهائيا من أوروبا!! وقد نقلت بعض الصحف عن الرئيس الفرنسي السابق (ساركوزي) قوله: إن المآذن غريبة عن التراث الأوروبي!! ولعل هذا الرئيس لم يعرف أن عددا من دول أوروبا كان يدين بالإسلام مئات السنين!!.
وفي الهند أيضا أحزاب دينية متطرفة منها حزب (بهارتا جاناتا) وهو حزب هندوسي متطرف وقد حكم هذا الحزب الهند مرارا، وهو - أي الحزب - من قاد الحملة ضد مسجد البابري، وقد تمكن من هدمه ثم أعاد بناءه معبدا للإله (رام) الهندوسي وكان ذلك عام ١٩٩٢ م! ولم نسمع من الغربيين وأشباههم استنكارا حقيقيا حول هذه الجريمة التي راح ضحيتها الكثير من المسلمين، كما لم نسمع أيضا أن أحدا لا من الغرب ولا من الأمريكان ولا من العرب من استنكر إنشاء أحزاب ذات مرجعيات دينية في أي مكان في العالم.
وإزاء هذا كله أطرح السؤال مرة أخرى: لماذا لا تسمح الدول التي تسمح أنظمتها بوجود الأحزاب بوجود أحزاب ذات مرجعيات دينية؟! مع أن الفارق بين هذه الدول وبين الدول التي ذكرتها كبير جدا، فدولنا تؤمن بالإسلام وتجعله مصدرا أساسيا من مصادرها التشريعية بينما الأخرى لا تفعل ذلك؟! وكثير من دولنا لم تقف عند حد منع الأحزاب الدينية بل إنها تمنع وجود جمعيات دينية مستقلة عن توجه الدولة، وبعضها الآخر لا يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى محاربة الإسلام والتهجم على مبادئه وأحكامه وثوابته، فمنهم من يجعل الخمر ولحم الخنزير حلالا، ومنهم من يبيعه في الأسواق، ومنهم من يسخر بالجهاد وبالصيام والحج!! وبدأ البعض وتحت سمع دولهم وبصرها يشكك بالقرآن الكريم وبسنة سيدنا محمد عليه السلام، إلى غير ذلك من القضايا التي تشعرك أن هذه الدول لا تطيق الإسلام الذي يؤمن به معظم شعوبها وأنها من أجل ذلك تسخر كثيرا من إمكاناتها لحربه وحث ناشئتها على البعد عنه.
الدول العربية كما نعرف تسمح بوجود أحزاب ليست ذات مرجعيات دينية متعللة بعلل واهية وهذا شجع جماعات ترتبط بالدين حسب مفهومها تشكل تجمعات سرية تعمل تحت الأرض خوفا من الملاحقة وهذا شجع على وجود تيارات متشددة تتخذ من العنف طريقا لها!! كما أن القول بأن الأحزاب الإسلامية لا تؤمن بالديمقراطية أصبح قولا غير قابل للتصديق فقد كذبه الواقع أكثر من مرة فكان دعاة الديمقراطية هم أول الخارجين عليها وبطرق مقززة!.
إرهاب العوامية متى يتوقف ؟؟
والعوامية - لمن لا يعرفها - بلدة صغيرة في محافظة القطيف، والإرهاب الذي أتحدث عنه لا يطال كل... اقرأ المزيد
1621
| 23 ديسمبر 2014
الإسلام السياسي بين الغرب وأذنابهم
إن الذي يفهم أبسط قواعد الإسلام يدرك أن مصطلح (الإسلام السياسي) دخيل على ديننا وإسلامنا، فالإسلام كل لا... اقرأ المزيد
2948
| 16 ديسمبر 2014
قطر في عرسها الوطني
اليوم الثامن عشر من ديسمبر من كل عام يحتفل القطريون بيومهم الوطني، وكان أمير قطر السابق قد أصدر... اقرأ المزيد
1441
| 09 ديسمبر 2014
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل أصبح الاستمتاع بموسم التخييم يحتاج إلى مئات الآلاف من الريالات؟ وهل باتت فخامة الكرفانات وحجم التجهيزات مقياسًا للمتعة والمكانة الاجتماعية؟ أم أننا أمام سباق في البذخ بدأ يُخرج هذا الموسم عن غايته الحقيقية وجماله؟ ما نشهده في السنوات الأخيرة يستحق التوقف والمراجعة. أسعار خيالية لبعض الكرفانات، وتجهيزات للدراجات النارية المخصصة للبر تتجاوز أحيانًا تكلفة تجهيز سيارات نستخدمها طوال العام، فضلًا عن الأثاث والديكورات والكماليات التي تُرصد لها ميزانيات ضخمة من أجل إقامة مؤقتة لا تتجاوز بضع ساعات أو ربما أيام. ليس في تحسين المخيم أو تجميله أو توفير الراحة لأهله وضيوفه ما يُعاب، بل إن حسن الترتيب والنظافة وجمال المكان أمور مطلوبة، لكن حين تبلغ تكلفة تجهيز المخيم مئات الآلاف من الريالات، هنا يطرح سؤال: أين تنتهي الرفاهية ويبدأ الإسراف؟ المشكلة ليست في قدرة البعض على الإنفاق، وإنما في تحول المظاهر إلى منافسة تدفع آخرين إلى عمل ماهو اكثر وأكبر، حتى يصبح المخيم مقياسًا للمكانة الاجتماعية بدلًا من أن يكون مكانًا للراحة. والأخطر أن تنتقل هذه الثقافة إلى الأبناء، فيربطون السعادة بالفخامة والمتعة بكثرة الإنفاق، بدلًا من تقدير البساطة وحسن التدبير. وموسم التخييم في قطر أكبر من أن نختزله في هذه المظاهر، فهو موعد سنوي ينتظره أهل قطر بفارغ الصبر، الصغير قبل الكبير، وفرصة لاجتماع العائلات والأصدقاء وإقامة المناسبات، حتى أصبح موسمًا اجتماعيًا وسياحيًا يستقطب زوارًا من خارج الدولة، وهذه المكانة تفرض علينا أن نحافظ على روحه وأهدافه. ومن هنا تأتي أيضاً أهمية الضوابط التي وضعتها الدولة ونظّمتها وزارة البيئة والتغير المناخي، وما شهدته من تحديثات هذا الموسم، وفي مقدمتها الحظر التام لقيادة الدراجات النارية أو استخدامها داخل الروض، ومنع استخدامها في جميع مناطق التخييم من الساعة العاشرة مساءً حتى الخامسة صباحًا، إلى جانب تنظيم التصاريح وتحديد مواقع التخييم وتعزيز الرقابة الميدانية لحماية البيئة والحياة الفطرية وسلامة المخيمين. وهذه الإجراءات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها قيودًا على الترفيه، بل ضمانات لاستمراره. فمن حق الأسرة أن تستمتع بالهدوء، ومن حق الجار أن تُحترم خصوصيته، ومن حق الجميع أن يجدوا بيئة آمنة ونظيفة، بعيدًا عن ضوضاء المحركات والقيادة المتهورة والتعدي على المساحات الطبيعية. ومن المؤسف أن ينفق الإنسان مبالغ طائلة على جمال مخيمه، ثم يُفسد جمال المكان بسلوك يزعج جيرانه أو يضر بالبيئة أو يعرض الآخرين للخطر. فالرقي لا يُقاس بفخامة التجهيزات وحدها، وإنما بحسن التصرف واحترام الحقوق وحفظ الخصوصيات. فلنحافظ على هذا الموسم بعيدًا عن الإسراف والإزعاج والتجاوزات، ولنجعل منه نموذجًا للمتعة المسؤولة التي تجمع بين راحة الإنسان واحترام الآخرين وصون البيئة.
8724
| 27 أكتوبر 2026
سنشهدُ يومَ غدٍ مباراةً كبيرةً تجمع قامتين رياضيتين لهما امتداد راسخ في وجداننا الوطني، وحضور طاغٍ في صفوف جماهير كرة القدم، هما العربي والريان. فالناديان الكبيران بجماهيرِهِما وتاريخهما بعثا الروح في ملاعبنا منذ انطلاقة الدوري عندما حطما أسوار الجمود والتراجع والغياب عن البطولات فقدم فَريقاهما لجَمْهورَيْهِما ما أثلج الصدور، أداءً فنياً وروحاً قتالياً وتصميماً على استمرار الألق والتألق، فاندفع الجمهوران إلى الملاعب كالسيل الهادر باعثين فيها الحياة بعد سنواتٍ من غيابِها عنها. ويكفي دليلا على الحجم الضخم لهما ولجمهوريهما أن المباراة بدأت قبل انطلاق صافرة البداية بأيام حين تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مربعات خضراء يقوم فيها مشجعوهما وعشاقهما بالحملات التي تحث الجماهير على الحضور، وبالتحليلات للجوانب الفنية في أداء فريقيهما، وبمقاطع مصورة بإبداع ووعي لدعم اللاعبين نفسياً. الحديث عن الناديين ذو شُجُونٍ لأنـه يناقش جزءاً من وعينا الرياضي الـمرتبط بهما وببعضِ الأنديةِ الجماهيريةِ الأخرى. فقد كان حضورهما، طوال سنواتٍ، حضوراً كالغِـيابِ لا يليقُ بضخامةِ حضورِهِما في النفوسِ، مما أقفرَ الـملاعبَ التي صارت، كالجماهيرِ، تعيشُ على ذكرياتِ الأمجادِ الغابرةِ. وكان كثيرونَ يتوقعونَ للناديينِ الظهورَ بنفسِ الـمستوياتِ الفنيةِ الهزيلةِ، لكن الأحلامَ تجسدت واقعاً في القلعةِ العرباويةِ، وانتفضَ الأسدُ الرياني هادراً بزئيرِ صحوتـهِ، وإذْ بالـملاعبِ ترتعشُ فرحاً وهي تحتضنُ الأمواج الجماهيريةُ، العرباويةُ والريانيةُ، التي تلاطمَت فيها مُرجِـعَـةً إلى دورينا تَوَهجاً وأَلَقاً افتقدناهما حتى كادَ القُنُوطُ يُخَـيمُ على نفوسِنا. نحتاج لوقفة ندرس فيها الحالة المتقدمة، فنياً وجماهيرياً، للناديين. فهذه الحالة جديرة بأن تقرأ بتأنٍ لأنها تبين لنا الكيفية التي يتم بواسطتها الخلاص من العوامل المعطلة للتقدم في إدارة الأندية الكبيرة، وهو أمر يمكن استثماره في وضع رؤى يسترشد بها مستقبلاً، وتنعكس إيجاباً على الحركة الرياضية، بعامة، وعلى كرتنا، بخاصة. نحن واثقون من حضور جماهيري يعكس تواجد الناديين في شارعنا الرياضي، ومتأكدون من أن الفريقين سيقدمان أداءً مُبهراً يبعث الرضا في قلوب مشجعيهما، ولا نشك للحظة بأن الأحلام العرباوية والأسد الرياني سيرسمان لوحات فنية وأخلاقية رياضية تكون موضع فخر بلادنا ورياضييها. كلمة أخيرة: طالَ الغيابُ لكنَ العَوْدَ أحْمَـدُ، فهنيئاً لـملاعبِنا وجماهيرِ كرتِـنا بعودةِ العربي والريانِ ليَخُطا ملامح الـمجد الكروي من جديد.
2826
| 30 أكتوبر 2026
سافرت خلال الأشهر الماضية إلى سوريا عدة مرات، وفي كل مرة كنت أعود إلى الدوحة وأنا أشعر أن جزءاً من قلبي بقي هناك، وأن جزءاً آخر سيبقى هنا، في دوحة الخير، التي احتضنتنا طوال هذه السنين وأكرمتنا حتى أصبحت لنا وطناً ثانياً. مشاعر مختلطة يصعب وصفها بالكلمات، فكما عزّ عليّ فراق سوريا قبل اثنين وعشرين عاماً، يعزّ عليّ اليوم التفكير بمغادرة قطر، هذا البلد الكريم الذي أحببناه وأحبنا، وأكرمنا ووقف إلى جانب بلدنا وشعبنا وأهلنا في أصعب الظروف، ولم يتخلَّ عنا يوماً. وحين انتصر الشعب السوري، فرح أهل قطر بانتصارنا وكأنه انتصارهم، وربما أكثر منا، فقد كانوا شركاءنا في الألم والأمل، وسيبقون شركاءنا في الإنسانية والأخلاق والمبدأ، قبل أن يكونوا شركاءنا في البناء والإعمار، وهم أهل لكل خير ووفاء. خمسة من أبنائي وُلدوا في الدوحة، وكبروا على أرضها، وتعلّموا في مدارسها، وأحبوها كما يحب الإنسان وطنه. يعرفونها أكثر مما يعرفون وطنهم الأم، الذي لم يشربوا من مائه العذب بعد، ولم يتنسموا هواءه العليل. لكنهم سيفعلون ذلك قريباً بإذن الله، وسيكتشفون أن لهم وطناً ينتظرهم وأرضاً تمتد فيها جذورهم، وسيحملون معهم كل ما اكتسبوه في قطر من علم وتربية وقيم، بعد أن وفرت لهم أرقى فرص التعليم، حتى بلغوا بفضل الله أعلى درجات التفوق، ونالوا العلامات التامة مرات عديدة. سيبقى لقطر وأهلها الكرام فضل عظيم في أعناقنا جميعاً، وستبقى محبتهم في قلوبنا ما بقي فينا نفس. فبعض الأوطان لا تربطنا بها أوراق الإقامة والجنسية، بل تربطنا بها المواقف والذكريات والمحبة والوفاء. أما اليوم، فلا شيء لديّ أعلنه سوى الأمل الكبير الذي يحدوني بأن أكون ممن يساهمون في إعادة بناء بلدي، بعد أن عاد إلينا وطناً حراً، وكدنا نظن أننا فقدناه إلى الأبد. لقد آن الأوان أن نعود إلى سوريا، لا بقلوبنا ومشاعرنا فحسب، بل بعقولنا وخبراتنا وسواعدنا، لنساهم في إعادة بناء وطننا، رغم ما ينتظرنا من تحديات وتضحيات. فالعودة ليست قراراً سهلاً، لكن الأوطان لا تُبنى بحسابات الربح والخسارة، ولا يجوز أن ننتظر تحسّن الظروف لنعود، بل علينا أن نكون جزءاً من تحسينها بإذن الله تعالى. فسوريا اليوم تحتاج إلى أبنائها، إلى علمهم وخبراتهم وإخلاصهم، وإلى كل يد تستطيع أن تبني، وكل عقل يستطيع أن يبدع، وكل قلب يحمل لها الخير. وأتذكر اليوم مقالاً نشرته في جريدة الشرق القطرية في يناير 2024، قبل تحرير سوريا، بعنوان (لا بُدّ للطيور المهاجرة من العودة لموطنها)، وختمته بأملٍ كان يرافقنا طوال سنوات الغربة، بأن تتحرر سوريا ويزول عنها الظلم ويعود إليها أبناؤها المشتتون في أصقاع الأرض. وها قد حانت اللحظة التي طال انتظارها، بفضل الله تعالى، ثم بتضحيات شهدائنا الأبرار، وبطولات رجال سوريا الشجعان، وصبر شعبنا العظيم وتضحياته، لنعود إلى وطننا ونساهم في إعادة بنائه، وفاءً لمن بذلوا أرواحهم من أجله. وأؤمن أن من شرف الحياة أن يكون للإنسان موقف ومبدأ ودور في عمل الخير، وأن يترك أثراً طيباً في حياة الناس، دون انتظار مقابل. والأعمار بيد الله عز وجل، وأسأله سبحانه أن يبارك في أعمارنا وأعماركم جميعاً، وأن يستعملنا وإياكم في طاعته وخدمة عباده، وأن يكتب لنا الخير ويكرمنا بشرف المساهمة في نهضة بلدنا وإعادة بنائه. فلا بُدّ للطيور المهاجرة أن تعود إلى موطنها، وها قد آن أوان العودة، والحمد لله رب العالمين. شكراً قطر، على اثنين وعشرين عاماً من الكرم والمحبة والعمل والأمان، وعلى كل ما وجدناه بين أهلك الطيبين من مودة ووفاء. ستبقين وطناً عزيزاً في قلوبنا، نحفظ لكِ ولأهلك الجميل، ونحمل لكم الامتنان أينما كنا. اللهم احفظ قطر وأهلها، وبارك في سوريا وأهلها، وأدم بين البلدين وشعبيهما المحبة والأخوّة والوفاء، واجعل أيامهما عامرة بالخير والأمن والسلام.
2184
| 30 أكتوبر 2026