رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تصدرت تركيا الوثائق الخاصة التي نشرها موقع ويكيليكس أكثر من تسعة آلاف وثيقة؛ ما نشر منها حتى الآن لا يتعدى الواحد في المائة.
لذا انتظر رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان وقال "لنر ما الذي سيسقط بعد من حجارة من تنورة ويكيليكس".
كانت المؤامرة على تركيا واضحة في الوثائق.
أولا في عدم صحة بعض الوثائق وثانيا في إثارتها للشكوك في العلاقة بين تركيا وجيرانها العرب وإيران وأذربيجان وثالثا في الجهة المسؤولة عن تسريبها.
وصفت الوثائق أردوغان بأنه إسلامي النزعة ومنها ينطلق في حملته ضد إسرائيل نازعة عن سياساته صفة الرسمية والمصالح الوطنية التركية، ظهر كما لو أنه يتحرك بغرائزه، ولا يثق إلا في المقربين منه، لكن الأهم أن الوثائق أرادت أن تطعن أردوغان في نقطة القوة التي يتمتع بها أي نظافة الكف فأعلنت الوثائق أن أردوغان يملك ثمانية حسابات مصرفية في سويسرا.
كان أردوغان يريد انتظار ظهور الوثائق الأخرى لكن تحرك المعارضة التركية ولاسيَّما حزب الشعب الجمهوري لاستغلال هذه التهمة وتشويه صورة أردوغان دفع به للخروج عن صمته والانفجار بوجه افتراءات الوثائق متحديا أنه إذا كانت صحيحة فسيستقيل من رئاسة الحكومة ومن النيابة في البرلمان. بل دعا إلى محاكمة الدبلوماسيين الأمريكيين الكاذبين.
يكفي أن تكون تهمة الحسابات المصرفية لأردوغان غير صحيحة حتى تلقي ظلالا من الشك على صحة الوثائق الأخرى.
وتجهد الوثائق لإظهار علاقة أو نظرة سلبية في علاقة تركيا بجيرانها. تنقل الوثائق عن مدير عام الخارجية التركية أو عن وزير الخارجية التركي أن تركيا منافس بل بديل عن إيران والسعودية أو أن تركيا تسعى لفصل سوريا عن إيران أو أن الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل تزيد من عزلة إيران. كما تنقل أن الرئيس السوري بشار الأسد يرى أن إيران، وليس تركيا، هي الدولة الأهم في الشرق الأوسط تليها تركيا فسوريا.
كذلك تنقل الوثائق عن داود أوغلو أو مقربين منه أنه يتطلع إلى الحلم العثماني بقوله إن أنقرة هي مركز العالم.
وإذا كان التطلع للعب دور مركزي في المنطقة مشروعا لدى أي دولة ولاسيَّما إذا كانت مثل تركيا ذات التاريخ العريق فإن هذا يجب أن يكون عبر التعاون مع دول المنطقة العربية والإسلامية وشعوبها وليس عبر طرح الدول نفسها منافسة أو بديلا أو ربما خصما لغيرها وهذا ما حاولت الوثائق أن تظهره. وإذا كان من غير الممكن إنكار النزعة الإمبراطورية أو الفوقية لأي دولة فإن العوامل المشتركة والخطوات الإيجابية التي تظهر التكامل بين تركيا وجيرانها ولاسيَّما سوريا وإيران والسعودية ودول الخليج عامة قد لا تتسع لها وثائق ويكيليكس للحديث عنها.
تهدف الوثائق إلى رؤية الواحد في المائة الفارغ من الكأس من العلاقات التركية مع جوارها العربي والإسلامي، ولا تريد أن ترى الـ 99 في المائة الملآنة منه. حتى الواحد في المائة هذا يجب أن تعمل الدول المعنية ولاسيَّما تركيا على ملئه لتكون العلاقات فائضة بالثقة المتبادلة التي لا بديل منها لاستمرار التأثير والحضور.
أما الهدف من الوثائق ولاسيَّما المتعلقة بتركيا فإن الشكوك التركية كلها تذهب إلى جهة واحدة هي إسرائيل ومن خلفها واشنطن.
الرئيس عبدالله غول تساءل عن سبب غياب إسرائيل عن الوثائق قائلا إن هناك نية ما من وراء نشرها. وأشار رئيس البرلمان محمد علي شاهين إلى أن إسرائيل هي المستفيدة الأولى من الوثائق ولا يمكن تسريبها بدون علم وزارة الخارجية الأمريكية.
يعكس ما نشر حتى الآن من وثائق حول تركيا أن الهدف منها هي "خربطة" المشهد الداخلي التركي في العلاقة حتى بين أعضاء حزب العدالة والتنمية أنفسهم وإضعاف الحزب عبر اتهامات لأردوغان بالفساد. كما تسعى الوثائق إلى ضرب التقارب التركي مع العرب وإيران. وهذا أفضل وسيلة لكي تنتقم إسرائيل وأمريكا من تركيا على مواقفها من إسرائيل بدءا من وقفة أردوغان في دافوس وصولا إلى أسطول الحرية مرورا بالبرنامج النووي الإيراني والعلاقات المميزة مع سوريا.
وإذا كانت الوثائق تكشف الكثير من العلاقات السرية بين البعض والإدارة الأمريكية فإن ما نشر حتى الآن فيما يتعلق بتركيا أعطى نتائج معاكسة لصالح أردوغان وهو ما سوف يدفعه إلى أن يواصل الطريق نفسها التي سلكها حتى الآن ولاسيَّما تعزيز العلاقات مع العرب والمسلمين، وهذا أفضل رد على "المؤامرة".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4479
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4200
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2094
| 07 مايو 2026