رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أماط السيد دونالد ترامب يوم الثلاثاء 28 يناير 2020م في البيت الأبيض اللثام عن صفقة القرن المشؤومة التي طال انتظارها وتم تأجيل إعلانها عدة مرات وبحضور كل من الرئيس الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وزعيم حزب أبيض أسود بيني غانتز (اللذين قام بدعوتهما والتي لم يدع لها أي طرف فلسطيني) وبحضور كل من سفراء الإمارات والبحرين وعمان، إعلان الخطة أخرج الكثير من التصريحات وأسال الكثير من الحبر وأصدرت أغلب الدول المعنية والكبرى والمنظمات الإقليمية بيانات توضح مواقفها الرسمية بشأنها.
فأعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في لقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن تمسكها بحل الدولتين وأن تكون للفلسطينيين دولة كاملة السيادة وعاصمتها القدس الشرقية، وأعلن الكرملين عن أن صفقة القرن تخالف في مضمونها كل المواثيق والقرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية مؤكدا في الوقت ذاته دعمه لحل الدولتين، بينما صرح وزير الخارجية الفرنسي لودريان بأن بلاده رحبت بجهود الرئيس ترامب للسلام وليس بنتائج تلك الجهود بشكلها في صفقة القرن كم أكد رفض بلاده لأي حلول للقضية الفلسطينية تملى من جانب واحد وأنها مع حل الدولتين، كم أشار المتحدث باسم الشؤون الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي إلى أن خطة السلام المطروحة تخالف كل القرارات الدولية بشأن القضية الفلسطينية، وأعلن المتحدث باسم الأمم المتحدة عن قلقه من عدم مشاركة الفلسطينيين، مشيرا إلى أن أي حل يجب أن يكون بمشاركة الفلسطينيين.
وصدقاً لست في معرض الحديث عن صفقة القرن البائسة التي أراها ميتة بالأساس قبل أن تولد لأنها ولدت برجل واحدة لأنها رفضت من الفلسطينيين والمجتمع الدولي والدول الشريفة وأحرار العالم وبالتأكيد من الشعوب العربية. ولا يعنينا الحديث عن بنود هذه الصفقة المهينة والمجحفة والظالمة لكل الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بدءا من إقامة دولة في ثلثي مساحة الضفة الغربية وتصفية حق العودة وتقديم القدس كعاصمة موحدة للإسرائيليين وغيرها من شروط أقل ما توصف به أنها نموذج آخر للعك السياسي لترامب ومستشاريه، الأمر الذي أنا بصدد الحديث عنه هو ما هو تأثير مواقف الدول العربية على الموقف الفلسطيني بشأن صفقة القرن وثبات القضية الفلسطينية بصورة عامة.
لقد ظلت مواقف الدول العربية في حالة تراجع مستمر منذ النكبة في 1948م فقد استمر الموقف العربي في العموم في سياسة التنازلات مع اختلاف في مواقفهم كدول. ولقد جسد هذا التراجع المواقف الخجولة والبيانات الصادرة عن جامعة الدول العربية التي اتسمت بالضعف يوما بعد يوم فبعد أن كانت لغة الشجب والتنديد تثير استياءنا على أمل أن تتحول إلى أفعال أصبحنا نتمنى أن تعود بعد أن عجزت لغتنا حتى عن إصدار بيانات التنديد والشجب، وبعد أن كانت مبادراتنا العربية الضعيفة والمستسلمة لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية تملؤنا حنقا وخيبة أمل -كشعوب- لم تعد حكوماتنا العربية حتى قادرة على أن تتمسك بها وينطبق الحال على المبادرة العربية للسلام التي أعلنها الملك عبداالله بن عبدالعزيز في قمة بيروت 2002.
لم تبدأ المواقف العربيّة في التراجع بشأن القضية الفلسطينية مع الثورات العربية، أو مع التمدّد الإيراني؛ فالقضية الفلسطينية مثّلت حرجاً هائلاً للنظام الرسمي العربي تاريخيا، وربما كان الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للفلسطينيين عام 1974 مدخلاً للتخلّي العربي الرسمي عن القضية الفلسطينية. ثمّ جاء دفع المنظمة للذهاب نحو تسوية مع "إسرائيل" تحت ضغط مفاعيل حرب الخليج 1990 -1991، والدخول السريع - بعد توقيع اتفاقية أوسلو- في علاقات علنية مع "إسرائيل"، سواء بتوقيع اتفاقية سلام معها كما في حالة الأردن، أو فتح ممثليات لها في بعض البلاد العربية، أو تسيير الرحلات منها وإليها؛ وذلك كلّه دون حلّ القضية الفلسطينية.
فالظروف الراهنة التي تمر بها الدول العربية مثل انخفاض وزن ودور الدول الفاعلة منها على المستوى الإقليمي والدولي وضعف الأنظمة العربية وهشاشتها وفقدان العديد منها لشرعيتها أمام شعوبها وآثار الربيع العربي الذي شل حركة بعض البلدان وأثار بعض الفوضى في البلدان الأخرى ولا ننسى أيضا الخلافات العربية الداخلية كل هذه الظروف أسهمت في تردي الموقف العربي الرسمي من القضية الفلسطينية وجعل الدول العربية عاجزة عن الخروج بموقف رسمي رافض صراحة لخطّة ترامب - مع استثناءات نادرة كموقف الجزائر وسوريا - بالشكل الذي يعني انتهاء الموقف العربي التاريخي من ثوابت القضية الفلسطينية.
فمن الواضح للعيان أن السيد ترامب قد تلقى ضوءاً أخضر من بعض العواصم العربية المهمة من خلال زيارات مكوكية ومحادثات سرية بشأن صفقة القرن وإلا لما كان عرضها بهذا الشكل لو كان يعلم أن هناك موقفا عربيا صلبا رافضا لها، وللأسف كانت مواقف بعض الدول الكبرى والدول الإسلامية أكثر حزما من مواقف دولنا العربية. هذا الموقف العربي الضعيف إن لم أقل المتواطئ من بعض العواصم الذي أدار ظهره للفلسطينيين شكل فرصة ذهبية وتاريخية لترامب ونتنياهو لاستغلال الحالة الراهنة لتصفية القضية الفلسطينية وفرض رؤية الاحتلال الإسرائيلي في أغلب الملفات الحساسة وترك بعض الفتات للفلسطينيين.
كنت أتمنى أن تكون صفعة القرن أو أسف أقصد صفقة القرن أن تدق ناقوس خطر يعيد إلى الدول العربية صحوتها فتقف موقفا قويا صلبا ضدها وتقوم بتسوية الصف ونبذ الخلافات الداخلية ودعم الموقف الفلسطيني في المحافل الدولية لكن يبدو أنه حلم بعيد المنال فقد حسمت العديد من الدول أمرها بدعم الصفقة وما البيان الوزاري لوزراء الخارجية العرب من خلال رفض هش للخطة بدون أي أفعال ملموسة أو دعم واضح للسلطة الفلسطينية وبدون إدانة للسلوك الأمريكي المتحيز والمستفز والمخالف لرؤية المجتمع الدولي تجاه القضية الفلسطينية إلا كلمات لذر الرماد على العيون وتهدئة للشارع العربي الغاضب من خطة السلام.
وفي ظل الوضع الحالي تبدو الخيارات المتاحة للجانب الفلسطيني قليلة من أجل مواجهة خطة ترامب ومواجهة تداعيات رفضها لها فمن المؤكد انه خلال الأيام القادمة ستواجه السلطة الفلسطينية إجراءات عقابية وانتقامية اقتصادية وسياسية وأمنية من أمريكا وإسرائيل بسبب رفضها (السلطة الفلسطينية) للخطة ولا استبعد قيام بعض الدول العربية ببداية اتخاذ خطوات للتطبيع مع الكيان متجاوزين السلطة الفلسطينية وقبل إيجاد تسوية شاملة مثلما رشح مؤخرا من تسريبات لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان مع بنيامين نتنياهو أو قد تقوم بعض العواصم العربية للأسف بالضغط على الرئيس محمود عباس للقبول بالخطة باعتبارها أفضل المتاح ولا استبعد أن ينتهي الأمر بالأخير بتكرار سيناريو اغتيال الزعيم ياسر عرفات.
الواجب على الفلسطينيين في الوقت الحالي وضع الخلافات جانبا وبصورة فورية وتوحيد الصف الفلسطيني بالكامل وخلق موقف موحد لا يتنازل عن أدنى الحقوق للشعب الفلسطيني في دولة ذات سيادة كاملة وعاصمتها القدس مع حدود قابلة للحياة وتثبيت حق العودة للفلسطينيين في المهجر. كما يجب على الفلسطينيين ترتيب الأوضاع الداخلية وخصوصا الاقتصادية في ظل الوضع الراهن، محاولة القيام بجهود دبلوماسية ترمي لعدم العزل السياسي خصوصا خلال الفترة المقبلة ويمكن الاتجاه لبعض العواصم الإسلامية التي كانت لها مواقف واضحة رافضة لخطة ترامب مثل باكستان وإندونيسيا وماليزيا وتركيا، وترمي لكسب التعاطف مع الموقف الفلسطيني والذي تسانده عدد من القرارات الدولية.
كما أن الانسحاب من اتفاق أوسلو قد يكون أحد الخيارات المتاحة ما قد يبعثر الأوراق الإسرائيلية. وختاما يجب ألا نتنازل عن حقوقنا التاريخية والدينية في أرضنا، وأن تؤخذ أرضنا منا اليوم بالقوة أفضل من أن نبيع أرضنا بثمن بخس والتي ستكون أكبر جريمة تاريخية بحق كل الشعوب العربية والإسلامية فان لم نستطع الدفاع عن أرضنا اليوم فعلى الأقل لنعطي فرصة لأبنائنا وأحفادنا فرصة الدفاع عن أرضهم التي سلبت بالقوة ولم يتنازل عنها الآباء.
إيران تقوض مكتسبات مذكرة التفاهم
يشكل الاستهداف الايراني، المرفوض والمدان بأشد العبارات، للناقلة القطرية /الركيات/ أثناء عبورها مضيق هرمز، اعتداءً سافراً على أمن... اقرأ المزيد
63
| 08 يوليو 2026
الثانوية العامة.. بداية الطريق لا نهايته
عشنا الأيام الماضية مع الطلاب والطالبات فرحة إعلان نتائج الشهادة الثانوية العامة، التي امتزجت فيها اللحظات بين ترقب... اقرأ المزيد
48
| 08 يوليو 2026
خليجنا واحد
مبادئ دول الخليج واستقلالها هي الاهم، حيث إنها تتحمل المسؤوليه لتحقيق النمو ومواكبة منجزات الحضارة الانسانية المعاصرة، في... اقرأ المزيد
51
| 08 يوليو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لم يكن إغلاق مضيق هرمز مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدول على حماية اقتصاداتها، وقدرة الشركات على مواصلة أعمالها في واحدة من أكثر البيئات التجارية حساسية في العالم. فهذا الممر البحري لا يمثل فقط شريانًا رئيسيًا لتجارة النفط والغاز، وإنما يعد أحد أهم الممرات التجارية في العالم، إذ تعتمد عليه حركة جزء كبير من الواردات والصادرات التي تغذي اقتصادات دول الخليج وتؤمن احتياجاتها من المواد الخام والسلع ومستلزمات الإنتاج. نجاح الدولة... وتحديات القطاع الخاص خلال تلك المرحلة أثبتت دولة قطر جاهزية عالية في إدارة الموقف، فلم تشهد الأسواق المحلية نقصًا في السلع الأساسية، واستمرت حركة التجارة بصورة مطمئنة، ونجحت الجهات المعنية في الحد من أي آثار مباشرة على المستهلك. ويعكس ذلك نجاح الاستثمارات في الأمن الغذائي، وتطوير الموانئ، وتعزيز البنية التحتية، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة متقدمة لإدارة الأزمات. ومع ذلك، فإن نجاح الاقتصاد الكلي لا يعني بالضرورة أن جميع الشركات خرجت دون خسائر. فالاقتصاد قد يحافظ على استقراره العام، بينما تتحمل بعض الشركات تكاليف إضافية وضغوطًا تشغيلية نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها. من تضرر فعلاً؟ هل قامت جهة رسمية بحصر الشركات القطرية التي تأثرت بصورة مباشرة من إغلاق مضيق هرمز؟ وهل نملك اليوم صورة واضحة لحجم تلك الأضرار وطبيعتها؟ لقد واجهت بعض شركات الاستيراد ارتفاعًا في تكاليف الشحن، كما ارتفعت أقساط التأمين البحري، واضطرت بعض الشركات إلى تغيير مسارات النقل أو الاعتماد على وسائل أكثر كلفة. كما تأثرت بعض المنشآت الصناعية التي تعتمد على استيراد المواد الخام أو المكونات التشغيلية. أما قطاع المقاولات، فمن أكثر القطاعات حساسية لأي اضطراب في سلاسل الإمداد. فكثير من المشاريع تعتمد على استيراد الرخام، والسيراميك، والأدوات الصحية، وأنظمة التكييف، والمصاعد، والواجهات الزجاجية، والألومنيوم، ومواد العزل، ومواد التشطيبات المختلفة، وأي تأخير في وصولها قد ينعكس مباشرة على الجدول الزمني للمشروعات ويرفع تكلفة التنفيذ ويؤثر في التدفقات النقدية. كما امتد التأثير إلى شركات الخدمات اللوجستية والنقل، بينما واجه قطاع الضيافة ضغوطًا إضافية، خصوصًا المنشآت التي تتحمل رسومًا خدمية ثابتة كما هو الحال في عدد من المشروعات بمدينة لوسيل. أما الشركات الصغيرة والمتوسطة فهي غالبًا الأقل قدرة على امتصاص الصدمات. الحصر قبل الدعم إن الخطوة الأولى ليست تقديم الدعم، وإنما حصر الأضرار بصورة دقيقة وبناء قاعدة بيانات وطنية توثق حجم الضرر ونوعه ومدى ارتباطه المباشر بالظروف الاستثنائية. ولا تقتصر أهمية هذا الحصر على تقدير حجم الضرر، بل تمتد إلى بناء قاعدة بيانات تساعد في سرعة اتخاذ القرار إذا واجه الاقتصاد ظروفًا مشابهة مستقبلاً. ما شكل المساندة؟ إذا اتفقنا على أن الحصر هو البداية، فإن الخطوة التالية هي إنشاء آلية مؤسسية تضم الجهات الاقتصادية والمالية ذات العلاقة، تتولى تقييم الطلبات وفق معايير واضحة وشفافة. ويمكن إطلاق منصة إلكترونية تستقبل طلبات الشركات المتضررة مدعومة بالمستندات التي تثبت طبيعة الضرر. وبعد دراسة الطلبات، يمكن تصنيف الشركات وفق حجم الضرر بما يضمن توجيه أي مساندة إلى مستحقيها. ولا يشترط أن تكون المساندة في صورة تعويضات مالية مباشرة، فقد تشمل تأجيل بعض الرسوم الحكومية، أو إعادة جدولة الالتزامات المالية، أو منح تسهيلات ائتمانية، أو توفير ضمانات حكومية للقروض التشغيلية، أو منح مرونة في تنفيذ العقود الحكومية عندما تثبت الظروف القاهرة. كما قد يكون من المناسب دراسة منح بعض المنشآت الفندقية التي يثبت تضررها مرونة في بعض الالتزامات الثابتة، بما في ذلك الرسوم الخدمية أو مواعيد استحقاقها. الاستعداد للأزمة القادمة المسؤولية لا تقع على عاتق الحكومة وحدها، فالقطاع الخاص أيضًا مطالب بتعزيز جاهزيته من خلال تنويع الموردين، وزيادة المخزون الاستراتيجي، ووضع خطط لاستمرارية الأعمال، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية لتسريع معالجة التحديات عند وقوعها. ولا يهدف هذا الطرح إلى معالجة أزمة انتهت فحسب، بل إلى الاستفادة من دروسها لبناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية. فكل أزمة تحمل معها فرصة لمراجعة السياسات، وتطوير الأدوات، وتعزيز جاهزية الاقتصاد الوطني والقطاع الخاص. إن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بقدرته على تجاوز الأزمات، بل بقدرته على التعلم منها والاستعداد لما بعدها. وإذا كانت قطر قد نجحت في إدارة أزمة مضيق هرمز بكفاءة عالية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تكون فرصة لترسيخ نموذج اقتصادي أكثر مرونة، يقوم على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، وعلى التخطيط الاستباقي، وعلى بناء منظومة مؤسسية قادرة على رصد آثار الأزمات واحتوائها. فحماية الشركات المتضررة ليست حماية لأصحابها وحدهم، بل هي حماية للاستثمار، وللاقتصاد، ولسوق العمل، ولمسيرة التنمية. وعندما ننجح في تحويل تجربة صعبة إلى فرصة لتطوير السياسات ورفع الجاهزية، فإننا لا نكون قد تجاوزنا مرحلة استثنائية فحسب، بل نكون قد وضعنا أساسًا أكثر قوة وصلابة لمواجهة الأزمات المستقبلية بثقة أكبر، واقتصاد أكثر مرونة، وقطاع خاص أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.
3669
| 04 يوليو 2026
يتحدث الناس كثيراً عن القيادة، وعن صناعة القرار، وعن إدارة التغيير، وعن كيفية الوصول إلى المناصب القيادية، لكنهم نادراً ما يتحدثون عن جانب لا يقل أهمية عن كل ذلك، وهو: متى وكيف يرحل القائد؟، ففي عالم الإدارة، كما في الحياة، ليست كل الفضائل مرتبطة بالبدايات فكما أن هناك حكمة في قبول المسؤولية، هناك حكمة لا تقل أهمية في مغادرتها. والحقيقة أن كثيراً من القادة يتعلمون كيف يصعدون السلم الوظيفي، لكن قلة منهم يتعلمون كيف ينزلون عنه في الوقت المناسب، ولهذا نشهد أحياناً مسؤولين أبدعوا في بناء الإنجازات، ثم أضاعوا جزءاً من إرثهم لأنهم تأخروا في اتخاذ قرار الرحيل. إن فلسفة الرحيل لا تقوم على الهروب من التحديات، ولا على الاستسلام للضغوط، ولا على البحث عن الراحة، بل تقوم على فهم عميق لطبيعة المنصب نفسه، فالمنصب في جوهره ليس ملكية شخصية، وإنما أمانة مؤقتة، وهو وسيلة لتحقيق غاية، وليس غاية في ذاته، وعندما تتحول المحافظة على المنصب إلى هدف مستقل، يبدأ الخلل في التفكير مهما كانت المبررات. ومن أكثر الأخطاء شيوعاً أن يربط القائد بين استمراره الشخصي واستمرار نجاح المؤسسة، وكأن المؤسسة لا تستطيع أن تستمر إلا بوجوده، وهذه القناعة، مهما حسنت النوايا، تتعارض مع جوهر العمل المؤسسي الذي يقوم على استدامة الأنظمة لا استدامة الأشخاص، لذا فإن القائد الحقيقي لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، بل أيضاً بقدرته على إعداد المؤسسة للحياة بعد مغادرته، فكلما كانت المؤسسة قادرة على الاستمرار والنمو بعد رحيل قائدها، كان ذلك دليلاً على نجاحه لا على تراجع أهميته. وفي تجربتي الإدارية الممتدة على مدى عقود من العمل، بدا لي أن هناك أربع لحظات تستحق التأمل قبل اتخاذ قرار البقاء أو الرحيل. الأولى: عندما تتسع الفجوة بين المسؤولية والصلاحية، فليس من العدل أن يتحمل الإنسان نتائج قرارات لا يشارك في صنعها، كما أنه ليس من الحكمة أن يبقى في موقع لا يملك فيه أدوات التأثير الكافية لتحقيق ما يراه صواباً. الثانية: عندما يصبح الحفاظ على الموقع أهم من تحقيق الرسالة، ففي هذه اللحظة يتحول المنصب من وسيلة للعطاء إلى غاية بحد ذاته. الثالثة: عندما يشعر القائد أن ما يقدمه للمؤسسة أصبح أقل مما يمكن أن يقدمه شخص آخر يأتي برؤية جديدة وطاقة مختلفة، فالتجديد ليس انتقاصاً من السابقين، بل سنة من سنن التطور المؤسسي. أما الرابعة: وهي الأخطر، فهي عندما يصبح البقاء عبئاً على القيم التي يؤمن بها الإنسان، وعبئًا على المسيرة والكرامة المهنية، تلك اللحظات يكون فيها الرحيل أكثر انسجاماً مع المبادئ من الاستمرار. وليس المقصود من ذلك أن يرحل القائد عند أول خلاف، أو أول عقبة، أو أول شعور بالإحباط، فالقيادة في جوهرها مواجهة للتحديات وتحمل للمسؤوليات، لكن المقصود أن يدرك أن قيمة بقائه لا تقاس بطول مدته، وإنما بقدرته على إحداث الأثر. لقد رأيت في مسيرتي المهنية أن بعض الناس يغادرون مناصبهم فيتركون فراغاً مؤقتاً، ثم تمضي المؤسسة في طريقها، بينما يترك آخرون وراءهم ثقافة عمل، ومنهجاً في الإدارة، ومؤسسات أكثر قوة مما كانت عليه قبل مجيئهم، وهؤلاء لم يغادروا حقيقة، لأن أثرهم بقي حاضراً بعد رحيلهم، ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل قائد على نفسه بين الحين والآخر هو: هل ما زال بقائي هو الخيار الأفضل للمؤسسة؟، فإذا كان الجواب نعم، فليستمر بكل عزيمة، وإذا كان الجواب لا، فليغادر بكل كرامة. وكما أن على القائد معرفة متى يتقدم إلى الأمام، فعليه معرفة متى يفسح الطريق لغيره دون ضجيج، ودون أن يحمل في قلبه إلا الامتنان للتجربة، والدعاء بالتوفيق لمن يكمل المسيرة، تلك هي فلسفة الرحيل، تغادر فيبقى الاحترام، تترك الموقع ويبقى الأثر، تنتهي المسؤولية ويبقى الرضا.
3564
| 01 يوليو 2026
لم يكن عبور المغرب إلى الدور ثمن النهائي مجرد انتصار يُضاف إلى سجل النتائج، بل كان إعلانًا جديدًا عن شخصية منتخب بات يعرف كيف ينتصر حتى عندما تبدو الطرق إلى الفوز شديدة التعقيد. مباراة امتدت بكل ما تحمله كرة القدم من توتر وتقلبات أمام المنتخب الهولندي، وانتهت بالتعادل قبل أن تحسمها ركلات الترجيح، حيث تجلّت الصلابة الذهنية، وانسجمت مع الأداء الفني المتكامل على أرضية الملعب، ليواصل «أسود الأطلس» كتابة فصل جديد من قصة تزداد بريقًا مع كل محطة. ما يميز هذا المنتخب ليس أنه يمتلك أسماء لامعة فحسب، بل أنه يملك هوية واضحة لا تتغير مهما اختلفت ظروف المباريات. الفريق يعرف متى يضغط، ومتى يهدئ الإيقاع، ومتى يغامر بحثًا عن الهدف، وكأنه يقرأ تفاصيل اللقاء بعقلية تكتيكية متزنة. لذلك لم يعد وصوله إلى هذه المرحلة مفاجأة، بل نتيجة طبيعية لعمل متراكم ومنظومة تؤمن بأن الانتصارات تُصنع بالالتزام قبل الموهبة. ويستحق المدرب الوطني محمد وهبي مساحة واسعة من الإشادة، بعدما نجح في تشكيل فريق يتمتع بمرونة تكتيكية لافتة، قادر على تغيير أسلوبه وفق متطلبات المواجهة دون أن يفقد شخصيته. منح لاعبيه الحرية للإبداع في الثلث الأخير، وفي الوقت ذاته حافظ على الانضباط الدفاعي والتنظيم التكتيكي، فظهر المغرب متوازنًا بين الصلابة الدفاعية والفاعلية الهجومية، مع انتشار منظم، واختراقات مدروسة، وحضور دائم أمام المرمى، وهو ما جعل المنتخب الهولندي يعيش تحت ضغط مستمر حتى في أكثر لحظات اللقاء حساسية. كما واصل أشرف حكيمي ونصير مزراوي تقديم أدوار مزدوجة على الأطراف، بين الدعم الدفاعي وصناعة الحلول الهجومية، ما يعكس اعتماد الفريق على لاعبين قادرين على أداء أدوار مركبة داخل المنظومة. وعندما وصلت المواجهة إلى ركلات الترجيح، برز ياسين بونو بصورة الحارس الذي لا يكتفي بحراسة المرمى، بل يحرس أحلام أمة كاملة. بثباته وثقته وقراءته الدقيقة لتسديدات لاعبي المنتخب الهولندي، جسّد قيمته الحقيقية في اللحظة الفاصلة، ليقود المغرب إلى العبور، ويؤكد مرة أخرى أن البطولات تحتاج إلى حارس يملك ثباتًا انفعاليًا لافتًا، بقدر ما يملك من الموهبة. ومع استمرار سلسلة المباريات المتتالية دون خسارة، يثبت المغرب أن ما يقدمه ليس حالة عابرة، بل مشروع كروي ناضج يقوم على الثقة، والانضباط، والطموح. وبين الإنجاز التاريخي والأداء المقنع، يواصل «أسود الأطلس» إرسال رسالة واضحة إلى العالم: المنتخبات العظيمة لا تُقاس فقط بما تحققه من انتصارات، بل بالطريقة التي تجعل الجميع يؤمن بأن القادم قد يكون أكثر إشراقًا.
1521
| 02 يوليو 2026