رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قد يحار غير السوريين العرب، خصوصا حين يجدون أن التلفزيون السوري ووكالة سانا للأنباء وغيرها من منظومتهم الإعلامية التي مازالت منذ بداية الثورة السورية عام 2011 وهي تنفخ في أسطوانة الكذب المشروخة عن أخبار وتحليلات ليس لها من واقع الحقيقة شيء، فيزداد هؤلاء هزءا وسخرية وتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بالتفصيلات المصورة بالفيديو بدقة لتثبت سراب هذا الكذب وأن الغاية المتوخاة منه إنما هي رفع معنويات الشبيحة والجيش اللانظامي، لأن ذلك من أهم أسباب الحرب النفسية ضد العدو، والعدو الحقيقي اليوم ليس الصهيونية، فهي الصديق الحميم والمؤازر وإنما هذا الشعب الصابر الثائر من أجل حريته وكرامته ورغم كل التضحيات الجسام التي لو حسبت مع المقارنة بتجهيزات اللانظام المؤيد دوليا لاعتبر أدنى فعل منها نصرا مؤزرا حياله على الدوام.
ولعل فيما نقله التلفزيون السوري قبل ثلاثة أيام (أن السيد الرئيس بشار الأسد ومع دخول العام الجديد زار جنود وصف ضباط وضباط الجيش العربي السوري وقوات الدفاع الشعبي المرابطين على خطوط النار في حي جوبر وجال على النقاط العسكرية التي تواجه الإرهابيين بالبطولات وقدر تضحياتهم للحفاظ على الآمنين وممتلكاتهم وهم بدورهم أكدوا أنهم سيبقون العين الساهرة للذود عن حياض الوطن، معاهدين سيادته على الصمود لدحر الإرهاب).
ولدى الاطلاع الحقيقي على المشهد، عرفنا أن تلك الزيارة أولا لم تكن إلى حي جوبر أبداً، بل كانت إلى حي الزبلطاني الذي يبعد عنه خمسة كيلو مترات، وثانيا أن هذا ظاهر في الفيديو المصور، حيث خرجت خلف الصورة لقطة "مبنى مديرية نقل محافظة دمشق" في حي الزبلطاني وليس جوبر! ثم لا يخفى أبداً أن حي جوبر تحت سيطرة الثوار، زرافات ووحدانا، يركبون كل صعب وذلول للدفاع عنه وأن حي الزبلطاني تحت سيطرة اللانظام وأن حي جوبر مقطوع الكهرباء منذ 3 سنوات ولم يبق فيه مبنى إلا وقد تضرر من آثار القصف وهذا ما لم يظهر في الشريط بتاتا.
إلى أشياء أخرى لا نريد الاسترسال بها، فقط لأن هذا ديدنه – كما قلت- منذ بداية الثورة ومنذ تصوير الأحداث في قرية البيضاء ببانياس في الساحل وأنها كانت من فعل البيشمركة الكردية وليس من جنود النظام وغيرها كثيرة جدا، لأن هذا شأنهم وقد عرفهم الشعب السوري البطل منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما ولكن ماذا يفعل البعض المغلوبون على أمرهم والذين يُروَّعون صباح مساء وكم يقتل منهم ومن غيرهم لأدنى سبب.
وإنه حتى في مثل هذه الأسباب القديمة المفبركة، فإنها لم تعد تنطلي على الشعوب العربية وإن كان التلفزيون يصر على ذلك، فقط لتسويق نفسه إعلاميا من جديد ولرفع بعض المعنويات بعد موته من الغيظ الذي لم يعد يحتمل بسبب انكساراته المتلاحقة وانهزام أجناده كالأرانب أمام أسود الثورة الذين أخذ يصورهم كصاحبه القذافي قوارض وسحالي وجرذانا يختبئون في الحفر التي هي شأن أولئك وكان هو قد أخذ صورة سابقا داخل خندق أفما كان يتشبه إذا بالجرذان وهكذا كما يقول المثل: (رمتني بدائها وانسلت)، أو كقول الشاعر الجواهري: لا تنكري ذنبا ولا تستغفري....؟!
إن الحرب كر وفر، وإن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ الكهف والغار كسبب للحماية ليعلمنا ذلك وهذا ليس عيبا، بل تدبير عسكري.
وإنه يعرف من هو الذي يفر دوما ومن هو الأخلاقي في الحرب من آخرين مع الأسد لا يرعون في مؤمن إلا ولا ذمة، كلهم سارقون ناهبون مرتكبون للفواحش، قاتلون الأسرى بالتعذيب والحرق والسلخ وما وثائق السجن عن آلاف آلاف السجناء عن العالم ببعيدة، فشتان شتان.
وإن ما يذاع ويشاع من قبل اللانظام إنما يصدر لوكالات متواطئة وأخرى غير عربية أو إسلامية ولكنها جاهلة أو أجنبية تتلقف دون تمييز ليثبتوا – كما أشرت – رفع المعنوية كما قال نابليون، إنها تعادل تقريبا نصف الحرب مع الأعداء.
وقد كتب في هذا بحثا جيدا الأستاذ عدنان نداف في رسالته الماجستير عن الأخلاق السياسية ص 312.
وليس لدينا شك أن طلب الأسد التعبئة العامة من عموم الشباب السوري المتبقين في الوطن والذي يتهرب كثير منهم حتى لا يجبروا على ما لا يمكن أن يقتنعوا به ولذلك فرضت اليوم التأشيرة بين سوريا ولبنان لتطويق ذلك من جهة والذين يستطيعون التخلص منه فإنه يُفرح لخروجهم، حيث لا يريد بقية الشباب على الأرض، فربما يقاتلونه.
ومن جهة أخرى فإن هذا مكسب لما سمي بحزب الله السوري الإيراني تحت قيادة الحرس الثوري الإيراني الذي أراد الأسد أيضا أن يرفع معنويات نائب رئيسه "حسين سلامي" الذي صرح قبل أيام قليلة أن لديهم جيوشا في سوريا والعراق واليمن تفوق أضعاف جيش حزب الله في لبنان، ليخيف الشباب ويتواءم مع الأسد الذي دعا إلى التشيع في سوريا وحبس آلاف آلاف منهم. إن في قناعتنا أن الظالم الطاغية مهما تمادى فلن يستمر إلى أبد الآبدين وسيأتي اليوم الذي يحاصر فيه كالجرذ كما حوصر القذافي.
والكل يعرف كيف أنه يخطب تحت الأرض بقاع القاع ثم يعود إلى قصره! لكن يفعلون ما يفعلون، فلعسى ولعل وزيادة في الفتنة تماما كما تفعل أمريكا اليوم في اعتراضها على البحرين باعتقال علي سليمان رئيس المعارضة البحرينية الشيعية، بينما لم نرها تنبس ببنت شفة أمام أي معتقل من الإسلاميين في مصر!
فأمريكا بلد المتناقضات في العالم وهي لا تريد أن تنسحب مجددا من هذا العالم كما قال "مكسيم لوفابفر" في كتابه السياسة الخارجية الأمريكية ص: 177، وكان قد ضرب أمثلة على ذلك، فقال: إن أمريكا قامت بقلب الرجل القوي في بنما "الجنرال نورييفا" عام 1989 لا باسم الديمقراطية وإنما باسم الكفاح ضد المخدرات، وفي عام 1994 تدخلت في هايتي باسم الديمقراطية بعد سقوط الرئيس "أريستين" بالتعاون مع فرنسا، كما فعلت بالقذافي!
أفتعجز أن تغير بشار لولا إسرائيل والروس والمجوس؟! وسيوقع الله بأس بشار وزبانيته بينهم كما حدث الأسبوع الماضي بين حزب الله في القلمون وبين الحرس الجمهوري السوري وقتل العديد- وعندها من سينفع "هشام جابر" والمحللين الذين يزعمون الإستراتيجية ودفاعهم عنهم ولن تنتفع بعض شخصيات المعارضة التي تأوي إلى ركن عميل، هو روسيا، من أجل التفكيك والتشتيت وليس من أجل حل القضية، فلا يمكن أن يكون حاميها حراميها، والأسد هو الذي قدم لها ذهب سوريا الاحتياطي وهي آخر مستعمرة لها، فكيف يضحى بها لصالح الثورة!.. ألا فليتق الله كل ذي إيمان بمعتقد نظيف شريف عفيف - وليقف مع ضميره الحي ومع المظلوم وليس مع الظالم إلى أن نرى النتيجة، بإذن الله.
الكورة في ملعبك
لماذا نشعر بالقرب من الله أكثر في العشر من ذي الحجة والحج؟ ولماذا تتغيَّر مشاعرنا وسلوكنا في أيام... اقرأ المزيد
1014
| 02 يونيو 2026
عندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من... اقرأ المزيد
192
| 02 يونيو 2026
البيروقراطية وإصلاحات "فلوتون"
لم تصل الدول المتقدمة إلى مرونتها الإدارية الحالية من فراغ، ولم تولد أنظمتها الحديثة كاملة منذ البداية، بل... اقرأ المزيد
198
| 02 يونيو 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
4938
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2709
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2115
| 02 يونيو 2026