رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تم التخطيط لإنشاء مدينة الوسيل حتى تكون مدينة عصرية ملاصقة للدوحة ومميزة، لتواكب أحدث ما وصل إليه البناء العمراني الحديث، وذلك بالتبشير برؤية لمنطقة راقية مخططة ومدروسة بعناية، تحتوي على جميع الخدمات والبنى التحتية من مواصلات وحدائق وأسواق وفنادق ومنشآت ترفيهية، وقد أخذ المشروع فترة زمنية حتى أصبح حقيقة على الواقع تراه العين.
في البداية وقبل أن يدق مسمار في مدينة الوسيل، قامت شركة الديار ببيع القسائم العقارية على اختلافها، سواء كانت تجارية أو شققا سكنية، حسب تصنيف التطوير المتاح عليها على شركات استثمارية أو أفراد في مناطق مختلفة كمنطقة المرينا أو جبل ثعيلب وغيرها.
ووعدت شركة الديار التي باعت الأرض بسعر السوق في ذلك الوقت أنها ستسلم الأراضي للمطورين على اختلافهم مع كامل البنية التحتية حيث إنها في وقت البيع كانت أرضا صحراوية لا يمكن الاستفادة منها.
ولكن كما يقال إن الشيطان يكمن في التفاصيل، فالعقد المبرم مع المطورين والمشترين تضمن بعض الشروط من أهمها:
- أن هناك رسوم خدمات سنوية تحددها إدارة المنطقة من غير أسس واضحة ولا يمكن للملاك والمستثمرين الاعتراض على ذلك.
- تقرر تزويد القسائم العقارية بحمل كهربائي محدود للغاية يكفي للإضاءة وبعض الأجهزة الكهربائية ولا يفي بأغراض التكييف.
- تم الاشتراط أن التكييف والتبريد سيكون من خلال شركة تبريد مناطق District Cooling تملكها الوسيل (مرافق) واستثنى من ذلك أراضي الفلل، التي قد تم بيعها لاحقاً، وذلك بغرض توفير الطاقة وحماية البيئة.
- يتم تزويد المناطق بغاز الطهي من خلال شركة مرافق.
- يشترط أن تلبي المباني بالمنطقة مقاييس GSAS ويتم دفع اشتراك مادي لهذه الخدمة حسب شروط الوسيل.
والآن لنستعرض ماذا ترتب على هذه الشروط التي كانت غائبة عن المستثمرين في حينه:
1- بالنسبة لرسوم الخدمات التي تدفع بناءً على المساحة الطابقية GFR قد تم زيادتها تباعاً، بل إنه قد تم توقيع المستثمرين لاحقاً على أنه سيتم زيادة هذه الرسوم في السنوات القادمة أيضاً، سنة بعد سنة لمناطق المارينا وجبل ثعيلب، وملاك الأراضي ليس لهم إلا التسليم والموافقة. كما تم مضاعفة الرسوم على أراضي الفلل السكنية أيضاً.
وهنا أتساءل ما هي الخدمة التي تقدمها الشركة مقابل هذه الرسوم الباهظة، فإن كانت صيانة الحدائق العامة، فهذه الحدائق مفتوحة للجميع سواء كان من سكان الوسيل أو غيرهم.
أما خدمات المجاري فيتم تقاضي رسومها الشهرية من خلال فاتورة كهرماء، وخدمات الغاز هناك فواتير شهرية، وخدمات توصيل ماء التبريد للتكييف فهناك فواتير شهرية، لا يتبقى هنا خاص بالمباني إلا خدمة جمع القمامة.
أما الطرق فيستخدمها كل زوار الوسيل إن كانوا يقطنون بالمنطقة أو عدمه.
- إن هذه الرسوم أصبحت عبئاً على المستثمرين والملاك، وذلك أن العائد الإيجاري في الوسيل لا يختلف كثيراً عن باقي مناطق الدوحة مع فرق محدود في منطقة المرينا بالوسيل فقط، وفي كل الأحوال هذه الرسوم لا تتناسب مع العائد الإيجاري للمنطقة أو الخدمات التي تقدم في المقابل وأصبحت عبئاً على ملاك الأراضي الذين استثمروا في العقارات واقترضوا من البنوك لإتمام عملية الاستثمار.
- نظام التكييف المسمى تبريد المناطق District Cooling، هو من ضمن منشآت البنية التحتية لمنطقة الوسيل، قد تم فرضه من ضمن الشروط على أساس أنه موفر للطاقة وصديق للبيئة، ولكنه لا يوفر شيئاً على المستثمرين والمطورين.
حيث إنه لا بد من تركيب وحدة لاستقبال ماء التبريد في كل مبنى وهذه الوحدة تكلف بين 500 ألف ريال إلى مليونين حسب حجم المبنى، كما يتم تحميل المالك رسوم صيانتها سنوياً.
- على المالك أو المطور دفع رسوم توصيل الماء المبرد Chilled water بمعدل 5500 ريال قطري لطن التبريد الواحد، وتبلغ رسوم التوصيل للعمارات من حوالي مليون إلى عشرة ملايين حسب حجم المبنى.
كما تتقاضى شركة مرافق التابعة للوسيل رسوماً شهرية تقررها هي لأنها تحتكر الخدمة في الوسيل التي قد تكون الأعلى في قطر مقابل مرور الماء البارد المخصص للتكييف في نظام التبريد بالعقار.
- لو تم السماح للمطورين والملاك باستخدام مكيفات تقليدية على اختلاف أنواعها مركزية أو وحدات منفصلة Split units كباقي مناطق قطر، لكانت التكلفة أقل بكثير على كافة الأصعدة الخاصة بالتبريد.
وقد تطورت أجهزة التكييف التقليدية تكنولوجياً وأصبحت حالياً صديقة للبيئة وقد خفض استهلاكها للكهرباء بشكل كبير.
- إن إدارة منطقة الوسيل تقوم على نظام الاحتكار، فهي تحتكر اتخاذ كل القرارات من غير أن يكون للمستثمرين أي قدرة على الاعتراض، كما تقوم باحتكار تقديم كافة خدمات المرافق والتحكم بأسعارها من غير وجود منافس.
واحتكار قرار رفع الرسوم من غير الرجوع للمستثمرين بما فيها الرسوم على أراضي الفلل السكنية التي تمت مضاعفة الرسوم عليها.
- إن متخذي هذه القرارات في الوسيل من الواضح أنهم لا يضعون في اعتبارهم العائد المجدي على الاستثمار في منطقة الوسيل العقارية مما سيشكل عاملاً عائقاً وطارداً للمستثمرين.
وإني لعلى ثقة أن زيادة هذه الرسوم مؤخراً سيؤدي إلى نزول أسعار العقارات في منطقة الوسيل حيث سيسعى بعض الملاك للتخارج من استثماراتهم في الوسيل بسبب هذه الرسوم.
وهنا أود أن أتقدم ببعض الاقتراحات ليتم النظر فيها حيث إنها قد تراعي مصالح الملاك والمستثمرين وتثمر في تشجيع الاستثمار في الوسيل بشكل موزون ومجد وعادل:
1) النظر في إمكانية أن يكون هناك ممثلون للمستثمرين والملاك بمدينة الوسيل في مجلس إدارة شركة مدينة الوسيل حتى تعكس آراء المستثمرين والملاك بالمدينة ويكونوا شركاء بالقرار وتكون هناك قناة للتعبير عن مصالح وآراء المستثمرين في المدينة.
2) النظر في إمكانية السماح للملاك بتكييف عقاراتهم بالطرق التقليدية كباقي المناطق في دولة قطر مع وضع معايير وشروط استهلاك تراعي البيئة في أجهزة التكييف كباقي دول العالم وزيادة الحمل الكهربائي للعقارات للقيام بذلك.
3) إعادة النظر في رسوم توصيل ماء التبريد Chilled Water من شركة مرافق حيث إن الشركة تتقاضى رسوماً شهرية مقابل الاستهلاك وليس من المنطق وضع رسوم التوصيل هذه، حيث إنها جزء من الاستثمارات للشركة حتى تستطيع تقديم هذه الخدمة، فمثلاً إن شركات الاتصالات تستثمر في أبراج الاتصالات وكوابل الألياف الضوئية كجزء من استثماراتها لتوصيل الخدمة ولا تتقاضى رسوماً مقابل ذلك.
4) خلق بيئة تنافسية لتقديم خدمات المرافق في الوسيل من خلال إدخال منافسين لتقديم خدمة تكييف المناطق كإعطاء الفرصة لشركة قطر كول بالدخول للوسيل.
5) تخفيض تكاليف إدارة شركة مدينة الوسيل من خلال تقنين عدد موظفي الشركة والاعتماد على المقاولين التجاريين المؤهلين بدولة قطر.
6) إنشاء جهة تنظيمية Regulator لا ترتبط تجارياً بمقدمي الخدمات والمرافق بالمدينة، حتى لا يكون هناك تضارب مصالح، فشفافية القرار مهمة، فحالياً متخذ القرارات التنظيمية هو نفسه مقدم الخدمات ومقرر الرسوم الخدمية.
وأخيراً أنا على يقين أن الجميع أن يسعى للصالح العام ومصلحة الجميع تتطلب أن نرى الأمور بمنظور عام Helicopter View، نحرص فيه على فعالية وجدوى الاستثمار في مدينة الوسيل.
باحث اقتصادي
من يحمي الشركة العائلية من صراع الورثة؟
بعد أيام من رحيل مؤسس الشركة، يجتمع الأبناء حول الطاولة التي كان يتصدرها طوال عقود. الكرسي نفسه موجود،... اقرأ المزيد
1173
| 29 سبتمبر 2026
حين تصنع الأرقام رواية أخرى
أخطر التضليل الإداري لا يحتاج إلى تزوير رقم واحد، يكفي أن تختار ما تقيسه، ومتى تبدأ القياس، وبماذا... اقرأ المزيد
1131
| 27 سبتمبر 2026
الاقتصاد في خطاب سمو الأمير.. الاستقرار قبل الأرقام
ما لفتني في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، أن الاقتصاد... اقرأ المزيد
2262
| 23 سبتمبر 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9402
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
2223
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1125
| 06 أكتوبر 2026